“رباعيات الخيّام”.. رائعة غائبة في بطون الكتب

“رباعيات الخيّام”.. رائعة غائبة في بطون الكتب

القاهرة- استطاع الشاعر والفيلسوف عمر الخيّام أن يجمع بين العلوم التطبيقية والأدب، فطبق الرياضيات في الفلك ودرس الطب وتبحر في علوم الأدب والثقافة، قدرته العالية في استخدام العلم في التحليل للوصول إلى النتائج ألبت عليه أعداؤه، فاتُهم بالإلحاد وأحرقت كتبه ومراجعه، ولم يُعثر إلا على اليسير من أعماله.

وتعد “رباعيات الخيّام” عملا شعريا فذا تجتمع فيه روح الشاعرية بروح الحكمة والإنفلات، والقيمة الفنية لرباعيات الخيام كبيرة ترتكن إلى الرؤية الشمولية للفعل الإنساني، والحفر في الطبقات العميقة من الذات الإنسانية خاصة المتدينة، والقدرة التعبيرية النافذة المؤثرة، لتصبح أمام نص شعري لا وعظي له قيمته الرفيعة في تاريخ الإبداع الإنساني.

في مقدمة الرباعيات نرى العصر الذي عاش فيه عمر الخيّام، قال النظام السمرقنّدي في كتابه “جهار مقاله” الذي كتبه حوالي سنة 550هـ – وهو أقدم مصدر لتاريخ الخيام- هبط عمر الخيام سنة 506هـ مدينة بلخ، ونزل في قصر الأمير أبي سعد، وكنت في خدمة الأمير فسمعت حجة الحق عمر يقول: “سيكون قبري في موضع تنتشر الأزهار عليه كل ربيع”، وظننته يقول مستحيلًا، ولكني كنت أعلم أنه لا يلقي القول جزافًا، ثم هبطت نيسابور سنة 530هـ، فقيل لي: إن ذلك الرجل العظيم مات، فرأيت من واجبي أن أزور قبره، وهناك رأيت على يسار الزائر في سفح سور حديقة موضع دفنه، ورأيت أشجار الكمثرى والمشمش، وقد تدلت أغصانها من داخل الحديقة ونثرت على قبره النسور، فعدت بالذكرى إلى تلك القصة التي سمعتها منه في بلخ وغشيني الحزن وتأسيت.

نشأ الخيام في عصر السلاجقة ، عاش في نيسابور وسافر منها إلى بلدان العالم، حج البيت في مكـة ، وهبط بغداد ونزل أصفهان، ولكن عمـر الخيّام، بالرغم من تلك الأسفـار، ففي معظم حياته في نيسابور مسقـط رأسـه ومـراح شبابه.

عاش عمر في تلك المدينة طالبًا وعالمًا يزيد قدره على مر الأيام ويذيع صيته، عاش محبًا للحياة يتقلب في أوساط العلماء وتأنس إلى عشرته العظماء، وكان قد درس العلوم الإلهية والفلسفة والمنطق والطبيعة شأن إخوته في الجامعات الإسلامية في ذلك العهد، ولكنه لم يقنع بذلك، فدرس الطب ومهر فيه حتى دعاه السلطان ملك شاه من مرض ولي العهد سنجر، وتوفر على درس الرياضيات وأخصها الجبر، وطبق علوم الرياضة في الفلك، فدعاه ملك شاه مع جمع من العلوم إلى إصلاح التقويم، فأخرجوا التقويم الجلالي الذي يبدأ من يوم النيروز “16 مارس سنة 1079 – 10 رمضان سنة 471هـ”، ولا يبدأ مبدأ هذا التقويم عيدًا من أعياد الفرس إلى اليوم، وألّف عمر الكثير من الكتب العلمية لكنه لم يعش للآن إلا في رباعياته.

عاش عمر الخيّام عيشة الشاعر الحكيم أكثر مانع على الحياة أشد ما علقت نفسه بما نال منها، لذلك نرى في شعره نزعة تشاؤم شائعة، ما أسعد الرجل الذي لا يعرفه أحد، ما أهنأ الإنسان الذي لم يهبط الوجود، لخلقت؟ وكيف لا أستطيع الرحيل حتى أردت؟

وأكثر ما يبكي الشاعر عمر على قصر الحياة: “الأيام تمر مر السحاب ثم يلقى بنا في طباق الأرض فيستوي النازل والثاوي فيها من سنين، مادامت الحياة بهذ القصر، فعلام الألم ومثوانا التراب ومجلسنا على العشب الذي غذته أوصال الغابرين، وأكوابنا من الطين التي اختلطت فيه رؤوس الملوك بأقدام السوقة؟”.

هكذا عاش عمر، نظر يمنيه ويساره فإذا دول تقوم ودول تفنى، وإذا النفوس خلت من كريم العواطف والقلوب أقفرت من رفيق الإحساس، وإذا المتقربون إلى الملوك ينالون الخطوة لديهم وهم جهلاء، وإذا ادعاء الزهد والصلاح يجهرون بالتقوى وهم أخبث الناس طوبى.

وتخلص من قناع الحياة الزائل وآثر أن يكون مذهوبًا به في عالم الروح، حتى يتصل بالخالق الذي منه وإليه كل شيء، وظل في أوقات نشوته يرسل رباعياته، يبثها أفكاره ويودعها سخره من عيش الغرور، تقذف به نفسه تارة إلى اليقين فيجأر إلى الله أن يغفر ذنبه ويستر عيبه، وطورًا إلى الشك، فيسأل: لم هبط الدنيا؟ ولماذا الرحيل؟

أما “رباعيات الخيام” فظلت غائبة في بطون الكتب، ضائعة في حنايا المكتبات، حتى وفق الأستاذ “كويل” إلى العثور على أقدم نسخة خطية لها في ذلك العهد في مكتبة بودليان بأكسفورد، فنشر شيئًا عنها وعن حياة عمر الخيام في مجلة “كلكتا” سنة 1858م، ثم كتب بعد ذلك إلى صديقه الشاعر “فتزجرالد” وعرض النسخة فدرسها وأخرج أول ترجمة لها سنة 1859م، ولم تكن تضم إلا خمس وسبعين رباعية.

وفي سنة 1930 م اكتشف أول مخطوط مصور لرباعيات الخيام بخط أحد سكان مدينة مشهد سنة 911هـ وأول من تنبه إليه الأستاذ “نجيب أشرف”، فاشتراه وأهداه إلى مكتبة بتنا بالهند وأوراق هذه المخطوط خالية من ذكر طريقة انتقاله من فارس إلى الهند، وفيه 206 رباعية مكتوبة بخط جميل، وبه من الصور البديعة ما يجعله تحفة فارسية نادرة.

وفي ختام الكتاب، يذكر الشاعر الكبير أحمد رامي: “ودارت الأيام واكتشفت مخطوطات جديدة لرباعيات الخيام وظهرت كتب جديدة عن عمر الخيام، فزدتُ علمًا بالرجل وزدتُ تعلقًا به وتفهمًا لروحه، ووجدتُ في دار الكتب المصرية من الكتب الفارسية والعربية التي تناولت ذكر ما لم أوفق إلى إيجاده أيام كنت في أوروبا فراجعت، ما ترجمت له من الرباعيات في الطبعة الأولى وزدت شيئًا غير يسير بما وقع لي منها وكان جديدًا علي، ثم وضعت مقدمة أغرز مادة وأكثر إيضاحًا”.

ثم دارت الأيام وما زالت هذه الرباعيات ترنيم روحي أرددها خاليًا بالميل أو سامرًا بالنهار، فهفت نفسي إلى إخراج طبعة جديدة أبعث فيها نفحات الخيام إلى عشاق تلك الروح السارية عبر السنين.

الجدير بالذكر أن “رباعيات الخيام ” ترجمة الشاعر الكبير أحمد رامي صدرت في طبعة جديدة وأنيقة عن وكالة الصحافة العربية في القاهرة .

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث