الصادرات السودانية أسيرة العقوبات الأمريكية وإجراءات حكومية منفرة

الصادرات السودانية أسيرة العقوبات الأمريكية وإجراءات حكومية منفرة

عانى الاقتصاد السوداني على مدار عقدين من الزمن من وطأة عقوبات أمريكية، ضغطت سلباً على قطاعات البلاد كافة، وجعلتها عاجزة عن تصدير نفطها وعديد السلع الزراعية، وحصار القطاع المصرفي في البلاد.

ونسبياً، نجح السودان إبان قفزته النفطية في الفترة بين العامين 2000 و2011، في تحجيم الأضرار المترتبة على العقوبات التي عزلت اقتصاده عن السوق العالمية، منذ فرضها في 1997.

ويعود الفضل للصين في استخراج النفط السوداني؛ إذ لم تكترث لعقوبات واشنطن التي تحظر على أي مؤسسة لها معاملات مالية وتجارية على التراب الأمريكي عقد شراكات مماثلة مع الخرطوم.

ويرى خبراء أن الحكومة لم تكترث لتحذيرات الولايات المتحدة، من الانزلاق إلى ما يصطلح عليه بـ”المرض الهولندي”؛ أي جعل الاقتصاد ريعياً باعتماده على النفط، كمورد ناضب، مع تجاهل موارد مستدامة، مثل: القطاع الزراعي.

مقومات زراعية

ويمتلك السودان مقومات زراعية هي الكبرى في المنطقة العربية، بواقع 175 مليون فدان صالحة للزراعة، بجانب مساحة غابية تقدر بحوالي 52 مليون فدان، (الفدان يساوى 4200 م2).

وفي الشق الحيواني، يتمتع السودان بـ102 مليون رأس من الماشية، متحركة في مراع طبيعية، تُقدر مساحتها بـ118 مليون فدان، فضلا عن معدل أمطار سنوي يزيد عن 400 مليار متر مكعب.

وحظيت رؤية المنتقدين لنهج الحكومة بمصداقية، عندما انفصل جنوب السودان في 2011، آخذاً معه ثلاثة أرباع حقول النفط، كانت تدر نحو 50% من الإيرادات العامة.

وخلال 6 أعوام مضت، كان العجز في ميزان المدفوعات، هو السمة المتواترة للموازنة العامة السودانية، نظير الفجوة التي تقدر بأكثر من النصف، ما بين واردات السودان وصادراته غير النفطية.

بيانات 2016

ووفق بيانات العام 2016، بلغت فاتورة الواردات 11 مليار دولار، بينما تراجعت قيمة الصادرات إلى 4.7 مليار دولار، مقارنة بـ 5.9 مليار دولار للعام 2015.

ولامتصاص الصدمة الناجمة عن فقدان العائدات النفطية، تبنت الحكومة في 2012، خطة تحت مسمى “البرنامج الثلاثي”، هدفها تقليص الواردات بتحفيز الإنتاج المحلي مع تشجيع الصادرات.

وعندما لم تثمر الخطة بحلول أجلها في نهاية العام 2014، طرحت الحكومة إصلاحات أوسع، من خلال برنامج خماسي، يستهدف تحقيق النتائج ذاتها؛ ما بين 2015 – 2020.

ومع أن البرنامج تعثر نسبياً خلال العاميين الأولين، إلا أن وتيرة التفاؤل ارتفعت على المستويين، العام والخاص، عندما قررت واشنطن في يناير/كانون الأول الماضي، رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على البلاد.

ورغم أن الأمر التنفيذي الذي أصدره الرئيس الأمريكي السابق، باراك أوباما، وضع مهلة 6 أشهر، قبل سريان القرار فعلياً في تموز/يوليو المقبل، إلا أن الحكومة تعول على رخصة عامة أصدرها مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (أوفاك)، أتاحت استئناف المعاملات المالية والتجارية على الفور.

مهلة الأشهر الـ6

وتهدف مهلة الأشهر الـ6، لتشجيع الحكومة على تنفيذ تعهداتها لواشنطن، من بينها التعاون في محاربة الإرهاب، وتسوية الحرب الأهلية الدائرة في 3 جبهات.

وبعد أيام من قرار رفع العقوبات، قال البنك المركزي السوداني إنه خاطب المراسلين القدامى والجدد كافة، لتسريع حركة التحويلات المالية من وإلى البلاد.

لكن خلافا لآمالهم، لم يستفد المصدرون حتى اليوم من الرخصة العامة لإجراء أي معاملات تجارية، وتحويلات عبر البنوك العالمية.

وأرجع الخبير الاقتصادي السوداني، حسن ساتي، تردد الأجانب في تنفيذ معاملات تجارية مع السودان، إلى رغبة هذه المؤسسات في “انتظار الموقف النهائي بحلول يوليو/ تموز المقبل”.

إلا أن ساتي أضاف في تصريح للأناضول، أن المؤسسات الإنتاجية بإمكانها “مراجعة الضرائب والرسوم الحكومية، لجعل أسعار الصادرات أكثر تنافسية”.

وتتجنب البنوك العالمية أي معاملات مع الخرطوم، تجعلها عرضة لغرامات أمريكية، مثلما حدث مع بنك “بي إن بي باريبا” الفرنسي الذي اضطر إلى عقد تسوية مع الخزانة الأمريكية في 2014، كلفته نحو 9 مليارات دولار نظير معاملات مالية مع السودان وإيران وكوبا.

وبالنسبة إلى الاقتصادي السوداني أحمد الطيب، فإنه حتى في حال رفع العقوبات “لا يزال هناك كثير من العوائق أمام الصادرات، بسبب سياسات الحكومة الخاطئة”.

ورفض الطيب، الذي يشغل منصب الأمين العام لغرفة مصدري الصمغ العربي، في حديث مع الأناضول، “الرسوم والضرائب المتعددة التي تفرضها الحكومة على المصدرين؛ ما يرفع أسعار المنتجات السودانية، وبالتالي تقل تنافسيتها في الأسواق العالمية”.

الصمغ العربي

ويستأثر السودان بأكثر من 75% من الإنتاج العالمي للصمغ العربي، بواقع 105 آلاف طن للعام الماضي، صدر منها فقط عبر القنوات الرسمية، 65 ألف طن، بقيمة 120 مليون دولار، بينما تم تهريب البقية لتفادي الرسوم والضرائب الحكومية.

ويضيف الطيب مشكلة أخرى، ممثلة في عدم استقرار سعر الصرف؛ إذ “يتحرك السعر الرسمي للدولار الأمريكي في حدود 6.7 جنيه، مقابل 17.8 جنيه في السوق السوداء”.

ويلزم البنك المركزي المصدرين بأن يبيعوا له 10% من عائداتهم من العملات الصعبة؛ وذلك لتغذية الاحتياطي الآخذ في التراجع، خلال السنوات التي أعقبت الانفصال عن جنوب السودان.

وقررت واشنطن رفع عقوباتها الاقتصادية عن الخرطوم، التي كانت فرضتها في 1997 لأسباب تتعلق بإيواء الإرهاب، وشددتها في 2005 و2006 على خلفية الحرب الأهلية بدارفور.

صندوق النقد الدولي

وأقر رئيس بعثة صندوق النقد الدولي إيريك موتو، الأسبوع الماضي، خطة الاقتصاد السوداني نحو التطور وسعيه لتطبيع علاقاته مع المجتمع الدولي.

وأكد وزير المالية السوداني، بدر الدين محمود، في بيان، سعي بلاده الجاد لتطبيع علاقاته الخارجية واستدامة علاقات اقتصادية مستقرة مع مؤسسات التمويل الإقليمية والدولية.

وتزور بعثة من الصندوق، السودان، في الفترة من الـ 14 إلى الـ 23 من آذار/مارس الجاري، بهدف الوقوف على أداء الاقتصاد السوداني بحكم عضويته في الصندوق.