في وداع “أبو زيد”.. عميد المقاهي الشعبية الأردنية

في وداع “أبو زيد”.. عميد المقاهي الشعبية الأردنية
المصدر: عمّان- (خاص) من خلدون عبد اللطيف

أويتُ إلى فراشي باكراً، لكنّ هاجساً ما أيقظني نحو الثالثة فجراً. وجدتُ رسالة على جهازي الخلوي من صديقي الشاعر مهند السبتي تقول “أبو زيد إلى رحمة الله.. طمئني عنك، فقد بتّ أخاف على الجميع”. عجزتُ عن تمالك نفسي، فأجهشتُ طويلاً مثل طفلٍ كما لم أجهش منذ زمن يعود على الأغلب إلى لحظة وفاة جدي لأمي قبل عشر سنوات أو نحوها. أزحت غطاء السرير، ورحتُ أتحسّس أعضائي في العتمة لأتأكد – ربما – من أنني لا أزال على قيد هذه الحياة. أحسستُ لوهلة أنني ميّتٌ فيما الآخرون هم الأحياء. ولكي أحسم أمر حياتي من عدمه، ارتديتُ ملابسي وخرجتُ أذرع الشارع وأبكي بحرقة.

كان فجراً ماطراً بامتياز على غير العادة مقارنة بالأيام السابقة، وكأنّ زخات المطر مطارق تهوي على رأسي حتّى أتيقن من وجودي، وكيلا أغرق في حلمٍ جميلٍ يقطعُ عليّ مرارة السؤال والمقارنة: ما الفائدة؟ لا عزاء، حيٌّ ومفجوعٌ ليس أفضل حالاً في هكذا مواقف من ميت ومرتاح البال.

مأوى الصّعاليك

كنّا، مطلع القرن الجديد، مجموعة صعاليك جامحين في مقتبل العمر، نقترف الشّعر ونتحلّق بين يوم وآخر حول طاولة في مقهى بدأ ماركسياً أو “شعبياً” على أحسن تقدير، لكن سرعان ما انتهى حضناً للبرجوازية المتوسطة وما فوقها، فخلعنا أنفسنا منه، وانتقلنا إلى مقهى “السنترال” الذي عرفنا صاحبه باسم “أبو زيد”، ورحنا نُبدّد فيه أو نحرّر ساعات يُقيدها ضجر الحياة. “السنترال” مقهى قديم وشعبي وحميم مثل صندوق للأسرار والنمائم يعود إلى منتصف القرن الفائت، ويطلُّ على شارع الملك فيصل في قاع العاصمة عمّان، فاتحاً ذراعيه لخليطٍ عجيبٍ من البشر: طلابٌ جامعيون، وكتّابٌ وشعراء وفنانون وسيّاح ومقاتلون قدامى ومشرّدون وتروتسكيون حالمون وإسلاميون وماركسيون ونازحو حروب و… متطفّلون من حُرّاس “الدولة”.

أبو ضحكة جنان

كان يحلو لنا عادةً ربط “أبو زيد” باسم مقهاه: “موعدنا في السنترال عند أبو زيد” أو “أنا في طريقي إلى أبو زيد في السنترال” أو “نلتقي عند أبو زيد بعد الأمسية”، وها هو “أبو زيد” قد مات أخيراً. واحدٌ من وجوه وسط البلد االيوميين، والذين لم يطل أمدُ ارتباطنا بالمقهى وبه حتى أصبحنا أصدقاء، وصار رفيقَ مسامراتنا ونمائمنا وقصائدنا. له من حسِّ الدعابة نصيبٌ وافر، ومن الإبتسامة ما لا يفارق مُحيّاه، ومن الضحك ما يصيبُ سريعاً بالعدوى. يعشق “السّت” أم كلثوم حدّ الثمالة. صوتها الأثيري وآهاتها تطوف في المقهى كلّ مساء رغم حمّى الضوضاء، وقرقرة الأراجيل، ودخان السّجائر، وانتشاءات لاعبي النرد والورق، و”شفطات” القهوة والشاي و.. “الحرنكش”.

حدّثني كثيراً عن تجواله بين مدن وعواصم عديدة لم يشبع منها، فأورثَ شغفه بها لأكبر أبنائه الذي ما زال شاباً في مقتبل العمر. كان يعرف روّاد مقهاه، قدماء ومحدثين وطارئين، ويرتبط مع كل واحد منهم بعلاقةٍ عزّزتها سنوات الحضور والغياب: دائمها ومؤقتها. أشار مرة إلى عجوزٍ طاعن في السّن، يلعب الورق برفقة آخرين دون عمره، وقال لي كأنه يعني نفسه: “لم ينقطع عن الحضور إلى المقهى منذ سنوات بعيدة لا أتذكّرها، ولم يحل أي ظرف دون تردُّده اليومي. إذا ما انقضى يوم دون أن يحضر، سأعرف حتماً أنه مات”.

بغيابه، فقدت عمّان وافتقدت وجهاً باسماً من وجوه قاعها، وأحَدَ معشوقيها الطّافحين بالأمل والمحبة، والمساهمين في “مُعايرة” مزاجها اليوميّ.

“أبو زيد”، يا أبانا الذي في “السنترال”، يا أبو ضحكة جنان، على روحك السّلام، وفي القلب محبّةٌ وعهدٌ أن لا نزجي المديحَ لمقهى آخر سوى “السنترال”.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث