السينما والرقابة…تاريخ طويل من المواجهة

السينما والرقابة…تاريخ طويل من المواجهة

القاهرة ـ (خاص) من حازم خالد

ما هي الحدود بين الرقابة وحرية الإبداع؟ لطالما انشغل المبدعون بها سواء في الكتابة الأدبية، أو السينما، أو المسرح بهذا السؤال الشائك، الذي يواجه صدامات مستمرة، بين ما يريد المبدع تقديمه، وبين ما يرى الرقيب أنه لا يصلح اجتماعيا، كان موضوع كتاب الناقد حسين بيومي ” الرقابة على السينما .. الحدود والقيود” لمؤلفه حسين بيومي الذي صدر مؤخرا عن “الهيئة المصرية العامة للكتاب”.

وقد طرح في مقدمته أسئلة حيوية مثل: هل الرقابة ضرورة؟ وما حدود هذه الضرورة؟ وما القيود التي تحد من حرية التعبير وحرية التلقي؟ وإذا كان المؤلف يجيب عن بعض من هذه التساؤلات، فإنه يزعم أنها ليست إجابات نهائية وقاطعة، ولذا يطرح مزيدًا من الأسئلة في محاولة جادة لاستكشاف ومناقشة القضية على أوسع نطاق ممكن في ضوء التغيرات الاجتماعية السياسية.

يقول المؤلف: حين وجهت الدعوة بالكتابة إلى عدد كبير من الشخصيات لتقديم آرائها وتصوراتها صدمنا – نحن المتحمسين لطرح القضية – قول أحدهما: ما الجديد الذي يدفعنا لمناقشة تصور مستحدث للرقابة؟

وبعنوان “الرقابة أجهزة لقمع الشبكة المعرفية”، يقول الناقد صبحي شفيق: تأليف فيلم ليس كتأليف كتاب، الكتاب لا يحتاج إلا إلى رزمة ورق وقلم، أما تأليف فيلم سينمائي حقيقي يحتاج إلى أموال طائلة؛ومن عندهم الأمول الطائلة هم الذين يحددون نوعية الإنتاج. وهذه هي الرقابة بقوة رأس المال.

وتقول مخرجة الأفلام التسجيلية عطيات الأنبودي: لم يتعرض مخرج للأفلام التسجيلية في مصر مثل ما تعرضت له أنا، ثم أفلامي من بعدي من تشويه للسمعة وتشكيك في الانتماء للوطن. فمنذ أن خرج أول أفلامي التسجيلية “حصان الطير” عام 1971 ( 10 دقائق / أبيض وأسود / إنتاج جمعية الفيلم المصرية) واجه انقسامًا في الرأي بين النقاد السينمائية، ما بين الترحيب الشديد والتفاؤل بميلاد جديد للسينما التسجيلية المصرية، إلى التشهير بأن “حصان الطير” ومخرجته يسيئان إلى سمعة مصر والمصريين بتصوير هؤلاء البؤساء المصرين في ورشة لصناعة الطوب. أما الرقابة فكان اعتراضها على لقطة لا تستغرق ثواني على الشاشة لطفل في لقطة قريبة يأكل أكلًا فقيرًا وأنفه تسيل أمام أعيننا، ولم أحصل على تصريح بسفر الفيلم لعرضه في مهرجان للسينمائين الهواة في تونس إلا بحذف اللقطة.

وفي هذا الجزء من الكتاب يخصص المؤلف صفحات لنشر حوارات هامة، منها حواره مع علي أبو شادي الرئيس السابق للرقابة على المصنفات الفنية؛الذي قال في إحدى إجاباته،: عندما توليت مسؤولية الرقابة وضعت قاعدة بسيطة جدًا هي أن أعمل بهدوء وأكسب خطوة جديدة في كل مرة، لأنني لو قفزت إلى الخطوة الأخيرة مباشرة سأتحول إلى كيان “صادم” جدًا وسوف تلتهمني التيارات المعادية، مثلًا حذفت ستة مشاهد من فيلم “دانتيلا”، وبالإمكان السماح بعرضها بعد فترة، لكن المهم اختيار الوقت المناسب لعرض هذه الجرعة الكبيرة من الجنس، واليوم لو عرضت كاملة ستثير صدمة كبيرة.

ويتحدث عن الإنجاز الأساسي الذي حققته في الرقابة.. دخلت الرقابة بإيماني المطلق بالديمقراطية وحرية المبدع – قدر استطاعتي واستطاعته – وحقه في الاختلاف معي ومع الدولة والقانون أحيانًا، وفي إطار ذلك يحكمنا قانون صارم جدًا في بعض الحالات ومرن جدًا في بعضها الآخر، وأزعم أنني خلال 39 شهرًا هي مدة عملي بالرقابة تغير شكلها جوهريًا، وأتحدى من يقول أن شخصًا واحدًا شكا من تعاملي معه على المستويين الشخصي والموضعي.

ويجيب د. مدكور ثابت رئيس الرقابة على المصنفات الفنية السابق، على تساؤل، هل تختلف الرقابة من مجتمع لآخر؟ فيجيب: بالتأكيد حتى إذا افترضنا أن كل إدارات الرقابة تتبنى حرية التعبير فإن الحرية ذاتها حرية ترتبط بالعقد الاجتماعي الذي تنشأ فيه هذه الحرية، ولهذا الحرية في مصر غير الحرية في باريس بدليل أن عناق فتى وفتاة في العلانية في أحد شوارع باريس هو منظر لجميع المارة في هذا المجتمع… أما نفس المنظر فيصعب أن يقوم به من يطالب بالحرية في مصر، ولا يستطيع أن يحققه في ميدان التحرير مثلًا، وبالتالي فهذا الاختلاف في مفهوم الحرية من مجتمع لآخر يعني أن الرقابة مختلفة من مجتمع لآخر أيضًا.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث