قصة حياة..تشي غيفارا الطبيب الثائر

قصة حياة..تشي غيفارا الطبيب الثائر

قصة حياة..تشي غيفارا الطبيب الثائر

إرم – (خاص) من سماح المغوش

 

سافر غيفارا عندما كان طالبا في كلية الطب في جامعة بوينس آيرس الذي تخرج منها عام 1953، إلى جميع أنحاء أمريكا اللاتينية مع صديقه ألبيرتو غرانادو على متن دراجة نارية وهو في السنة الأخيرة من الكلية، وكونت تلك الرحلة شخصيته وإحساسه بوحدة أمريكا الجنوبية وبالظلم الكبير الواقع من الإمبرياليين على المزارع اللاتيني البسيط، وتغير داخليا بعد مشاهدة الفقر المتوطن هناك.

 

 

 

الطفولة والنشأة

 

ولد إرنستو تشي غيفارا من أم اسمها سيليا دي لاسيرنا وأب اسمه إرنستو غيفارا لينش يوم 14 يونيو 1928 في روساريو في الأرجنتين، وهو الأكبر بين خمسة أطفال في عائلة من أصول إيرلندية وإسبانية باسكية.

 

نشأ غيفارا في أسرة ذات ميول يسارية، فحين كان صبياَ كان والده مؤيداً قوياً للجمهوريين من الحرب الأهلية الإسبانية وغالباً ما استضاف العديد من اللقاءات بين قدامى المحاربين في منزله.

 

وبالرغم من المعاناة من نوبات الربو الحادة التي عانى منها غيفارا طوال حياته، إلا أنه برع كرياضي وتمتع بالسباحة ولعب كرة القدم والجولف والرماية، بل قاد أيضاً الدرجات فلم تعرف شخصيته الكلل ولا الملل، كان لاعباً متعطشاً في الرغبي ويلعب في خط النصف في فريق النادي الجامعي لبوينس آيرس، واكتسب لقب “فوزر” اختصاراً لـ”فوريبوندو” أثناء لعبه للرغبي، و”فوزر” تعني بالعربية “المشتعل”.

 

كما لقبه زملاؤه في المدرسة بلقب “تشانكو” وتعني بالعربية “الخنزير، وذلك لأنه ان نادراً ما يستحم، وكان يرتدى بفخر قميص “الأسبوع”.

 

تعلم غيفارا الشطرنج من والده وبدأ في المشاركة في البطولات المحلية حين بلغ من العمر اثني عشر عاماً.

 

خلال فترة المراهقة وطوال حياته كان غيفارا متحمساً للشعر، وخصوصا للشاعر بابلو نيرودا وجون كيتس وأنطونيو ماتشادو وفيديريكو غارسيا لوركا وغبريالا ميسترال وقيصر باييخو ووالت ويتمان.

 

كان منزل غيفارا يحتوى على أكثر من ثلاثة آلاف كتاباً، مما سمح له أن يكون قارئاً متحمساً وانتقائياً، حيث اهتم بالقراءة عن كارل ماركس وويليام فوكنر وأندريه جيد واميليو سالغارى وجول فيرن، إضافة إلى ذلك، كان غيفارا يقرأ أعمال جواهر لال نهرو وفرانز كافكا وألبير كامو وفلاديمير لينين وجان بول سارتر، وكذلك أناتول فرانس وفريدريك إنجلز وهربرت جورج ويلز وروبرت فروست.

 

عندما كبر غيفارا أصبح يهتم بالقراءة لكتاب أمريكا اللاتينية مثل هوراسيو كيروغا وسيرو أليغريا وخورخي إيكازا وروبين داريو وميغيل استورياس.

 

 

الرحلة إلى اكتشاف الذات

 

دخل غيفارا جامعة بوينس آيرس عام 1948 لدراسة الطب، وفي عام 1951، أخذ إجازة لمدة سنة للشروع في رحلة يعبر فيها أمريكا الجنوبية على الدراجة النارية مع صديقه ألبيرتو غرانادو.

 

كان الهدف النهائي يتمثل في قضاء بضعة أسابيع من العمل التطوعي في مستعمرة سان بابلو لمرضى الجذام في البيرو على ضفاف نهر الأمازون، وفي الطريق إلى ماتشو بيتشو التي تقع عالياً في جبال الأنديز، شعر غيفارا بالذهول لشدة فقر المناطق الريفية النائية، حيث يعمل الفلاحون في قطع صغيرة من الأراضي المملوكة من قبل الملاك الأثرياء.

 

أبدى غيفارا في رحلته إعجابه بالصداقة الحميمية بين أولئك الذين يعيشون في مستعمرات الجذام، قائلا “إنه أعلى أشكال التضامن البشري والولاء الذي ينشأ بين الناس في ظل الوحدة واليأس من هذا القبيل”.

 

استخدم غيفارا المذكرات التي اتخذها خلال هذه الرحلة لكتابة كتاب بعنوان يوميات دراجة نارية والذي أصبح أفضل الكتب مبيعاً كما وصفته نيويورك تايمز، حيث نال لاحقاً جائزة في 2004 عن فيلم مقتبس منه يحمل نفس الاسم.

 

وفي نهاية هذه الرحلة وصل غيفارا إلى استنتاج بأن أمريكا اللاتينية ليست مجموعة من الدول المنفصلة، ولكنها كيان واحد يتطلب استراتيجية تحرير على نطاق القارة. 

 

لدى عودته إلى الأرجنتين أكمل دراسته وحصل على شهادة الطب في يونيو 1953.

 

ومن خلال أسفاره إلى أمريكا اللاتينية، استنتج غيفارا وجود “اتصال وثيق بين الفقر والجوع والمرض” مع “عدم القدرة على علاج طفل بسبب عدم وجود المال” و”غيبوبة استفزاز الجوع المستمر والعقاب” التي تؤدي بالأب إلى “قبول فقدان الابن على أنه حادث غير مهم”. 

 

أقنعت هذه التجارب التي يستشهد بها غيفارا، أنه من أجل “مساعدة هؤلاء الناس”، يحتاج إلى ترك مجال الطب، والنظر في الساحة السياسية بحثاً عن الكفاح المسلح.

 

 

خطوات نحو الكفاح

 

انطلق غيفارا مرة أخرى في يوم 7 يوليو عام 1953 وهذه المرة إلى بوليفيا وبيرو والإكوادور وبنما وكوستاريكا ونيكاراغوا وهندوراس والسلفادور. 

 

وفي يوم 10 ديسمبر من عام 1953، قبل أن يذهب إلى غواتيمالا، أرسل غيفارا رسالة إلى عمته بياتريس القاطنة في سان خوسيه في كوستاريكا، في الرسالة تحدث غيفارا عن عبور ممتلكات شركة الفواكه المتحدة والذي أقنعه بالواقع “الرهيب” للرأسمالية “الاخطبوط”.

 

وحمل هذا السخط نبرة “الرغبة في الانتقام” الذي اعتمد عليه لإخافة المزيد من أقاربه المحافظين واستمر مع غيفارا حتى عندما أقسم على قبر جوزيف ستالين عندما توفي، أنه لن يرتاح حتى “يتم التغلب على هذه الأخطبوطات”.

 

وصل غيفارا إلى غواتيمالا في نفس الشهر حيث كان الرئيس خاكوبو أربينيز يرأس حكومة منتخبة ديمقراطياً وكان يحاول من خلال إصلاح الأراضي وغيرها من المبادرات إلى وضع حد لنظام الإقطاع.

 

ولإنجاز هذا الهدف، قام الرئيس أربينز بسن برنامج كبير لإصلاح الأراضي، حيث كان من المقرر أن يتم مصادرة جميع أجزاء الأراضي غير المستزرعة ذات الحيازات الكبيرة وإعادة توزيعها على الفلاحين المعدمين.

 

وكان أكبر مالك للأراض وواحد من أكثر الملاك تضرراً من هذه الإصلاحات هي شركة الفواكة المتحدة والتي قامت حكومة أربينز بالفعل بسحب أكثر من 225.000 فدان من ملكيتها.

 

بعد شعوره بالرضا من الطريقة التي اتخذتها هذه الدولة، قرر غيفارا أن يستقر في غواتيمالا وذلك “لتهيئة نفسه وإنجاز ما قد يكون ضرورياً من أجل أن يصبح ثوريا حقا”.

 

في مدينة غواتيمالا، سعى غيفارا للتعرف على هيلدا جاديا أكوستا وهي مواطنة من البيرو تعمل بالاقتصاد والتي كان لديها العديد من المعارف السياسية بصفتها عضواً في التيار اليساري في حزب التحالف الشعبي الثوري (أمريكانا). 

 

قدمت غيفارا إلى عدد من المسؤولين رفيعي المستوى في حكومة أربينز، بعد ذلك تعرف غيفارا على مجموعة من المنفيين الكوبيين المرتبطين بفيديل كاسترو عن طريق هجوم 26 يوليو 1953 على ثكنة مونكادا في سانتياغو دي كوبا، واكتسب غيفارا لقبه الشهير خلال هذه الفترة نظراً إلى الاستخدام المتكرر للاختصار الأرجنتيني (تشي) وهي كلمة عامية عارضة يتم استخدامها على غرار الرفيق أو الصديق.

 

لم تكلل محاولات غيفارا للحصول على التدريب الطبي بالنجاح في حين منعه وضعه الاقتصادي في كثير من الأحيان عن ذلك.

 

وفي 15 مايو 1954 تم إرسال مجموعة من المشاة المحملين بمدافع سكودا والأسلحة الخفيفة من قبل تشيكوسلوفاكيا الشيوعية لحكومة أربينز حيث وصلت إلى “بويرتو باريوس”، نتيجة لذلك، غزت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية والجيش البلاد وثبتت اليميني الديكتاتوري كارلوس كاستيو أرماس في الحكم.

 

كان غيفارا تواقا للقتال نيابة عن أربينز بل وانضم إلى الميليشيات المسلحة التي نظمتها الشبيبة الشيوعية لهذا الغرض، ولكنه شعر بالإحباط نتيجة لتقاعس الجماعة عن العمل وسرعان ما عاد إلى مهام الرعاية الطبية، وفي أعقاب الانقلاب تطوع للقتال مرة أخرى، لكن بعد فترة وجيزة لجأ أربينز إلى السفارة المكسيكية ونصح مؤيديه الأجانب بمغادرة البلاد، نداءات غيفارا المتكررة للمقاومة تمت ملاحظتها من قبل مؤيدي الانقلاب، وتم إعلان الرغبة في اغتياله.

 

بعد إلقاء القبض على هيلدا جاديا، سعى غيفارا إلى الاحتماء بالقنصلية الأرجنتينية حيث ظل هناك حتى حصل على تصريح الخروج الآمن، بعد ذلك ببضعة أسابيع انطلق إلى المكسيك، حيث تزوج غيفارا من هيلدا جاديا في المكسيك في سبتمبر من عام 1955.

 

عززت عملية التدخل للإطاحة بنظام أربينز وجهة نظر غيفارا تجاه الولايات المتحدة باعتبارها القوة الاستعمارية التي من شأنها أن تعارض وتحاول تدمير أي حكومة تسعى لمعالجة عدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية المستوطنة في أمريكا اللاتينية وغيرها من البلدان النامية. 

 

كان غيفارا على اقتناع بأن تحقيق الماركسية لا يتم إلا من خلال الكفاح المسلح الذي يدافع عنه الشعب المسلح والطريق الوحيد لتصحيح مثل هذه الظروف وذلك بتعزيزها.

 

وصل غيفارا إلى مدينة مكسيكو في مطلع سبتمبر عام 1954. وعمل في قسم الحساسية في المستشفى العام، إضافة إلى إلقاء محاضرات حول الطب في الجامعة الوطنية المستقلة في المكسيك وعمل كمصور صحفي لاتيني لوكالة الأنباء.[32] خلال هذا الوقت جدد صداقته مع نيكو لوبيز وغيرهم من المنفيين الكوبيين الذين كان قد التقى بهم في غواتيمالا. في يونيو 1955، قدم له لوبيز راؤول كاسترو الذي عرفه في وقت لاحق بأخيه الأكبر فيدل كاسترو الزعيم الثوري الذي شكل حركة 26 يوليو وأصبح الآن يخطط للإطاحة بالديكتاتور باتيستا.

 

اللقاء الحاسم

 

خلال نقاش طويل مع كاسترو في أول اجتماع لهما خلص غيفارا إلى أن قضية هذا الكوبي هي ما كان يبحث عنه وقبل الفجر كان قد انضم كعضو لما يسمى بحركة 26 يوليو.

 

منذ هذه النقطة في حياة غيفارا، أصبح يعتبر الولايات المتحدة تسيطر على التكتلات بتثبيت ودعم الأنظمة القمعية في مختلف أنحاء العالم، في هذا السياق اعتبر باتيستا دمية الولايات المتحدة التي يجب إزالتها.

 

على الرغم من أنه كان من المقرر أن يكون مسعف المجموعة القتالية، إلا أنه شارك في التدريبات العسكرية مع أعضاء الحركة، وكان الجزء الرئيسي من التدريب يتمثل في تعلم تكتيكات الكر والفر في حرب العصابات. 

 

خضع غيفارا وغيره لتدريبات شاقة تشمل مسيرات طوال خمسة عشر ساعة في الجبال وعبر الأنهار وخلال شجيرات كثيفة، وتعلم وأتقن إجراءات الكمين والتراجع السريع. 

 

وكان غيفارا منذ البداية الطالب المثالي لألبرتو بايو بين هؤلاء في مجال التدريب، وسجل أعلى مستوى في كافة الاختبارات المعنية، في نهاية الدورة تم تسميته “أفضل مقاتل” من قبل المدرب والعقيد بايو.

 

 

الثورة الكوبية

 

كانت الخطوة الأولى في خطة كاسترو الثورية الهجوم على كوبا من المكسيك عبر “غرانما” وهو مركب قديم يرشح.

 

قاموا بتحديد يوم 25 نوفمبر 1956 للهجوم على كوبا، وقام جيش باتيستا بالهجوم عليهم بعد الهبوط مباشرة، وقتل العديد من الإثنين والثمانين مقاتلاً في الهجوم الذي وقع ولم ينج منهم سوى 22 رجلاً.

 

كتب غيفارا أنه خلال هذه المواجهة الدامية ألقى باللوازم الطبية والتقط صندوقاً من الذخيرة من مخلفات أحد رفاقه الهاربيين وكانت هذه الخطوة الحاسمة حيث ترك نهائياً الطب وأصبح مقاتلاً.

 

لاحقاً شعر غيفارا بأهمية الإعلام في نضالهم خاصة بعد غيابه عن مقابلة صحافية تظهر فيها صورة كاسترو ورجال العصابات، وخلال هذه الفترة من حياته عانى غيفارا من حساسية بسبب لدغات البعوض التي أسفرت عن خراجات مؤلمة بحجم الجوز على جسده، واعتبر غيفارا هذه المرحلة “الأكثر إيلاما في الحرب”.

 

مع استمرار الحرب، أصبح غيفارا جزءاً لا يتجزأ من الجيش والمتمردين وأقنع كاسترو بقدراته ودبلوماسيته وصبره.

 

أقام غيفارا مصانع لتصنيع القنابل اليدوية، وقام ببناء أفران لصنع الخبز ودرس المجندين الجدد التكتيكات ونظم المدارس لتعليم الفلاحين الأميين القراءة والكتابة، وعلاوة على ذلك أنشأ غيفارا العيادات الصحية وورش عمل لتعليم التكتيكات العسكرية وصحيفة لنشر المعلومات – الرجل الذي بعد ثلاث سنوات أطلقت عليه مجلة تايم لقب: عقل الثورة في هذه المرحلة تمت ترقيته من قبل فيدل كاسترو إلى القائد الثاني في الجيش.

 

باعتباره المحارب الوحيد في مرتبة قائد إلى جانب فيدل كاسترو كان غيفارا قاسياً للغاية بشأن انضباط المنشقين الذين تم إطلاق النار عليهم من دون تردد، تمت معاقبة الهاربين على أنهم خونة وغيفارا كان معروفاً بإرسال فرق إعدام لمطاردة الذين يسعون للهروب بدون إذن، نتيجة لذلك أصبح غيفارا يخشى لوحشيته وقسوته، وخلال حملة حرب العصابات كان غيفارا المسؤول كذلك عن تنفيذ أحكام الإعدام على الفور للرجال المتهمين بالتخابر أو الفارين أو الجواسيس في كثير من الأحيان.

 

على الرغم من أن غيفارا حافظ على النظام القاسي والشديد إلا أنه كان ينظر لدور القائد كالمعلم وكان يقوم بالترفيه عن رجاله أثناء فترات الراحة بين المناوشات وذلك بالقراءة لأمثال روبرت لويس ستيفنسون وسرفانتس والشعر الغنائي الإسباني.

 

وصف الضابط القائد الكوبي فيدل كاسترو غيفارا بأنه ذكي وجرئ وزعيم مثالي والذي كان له سلطة معنوية كبيرة على قواته.

 

كان لغيفارا دوراً أساسياً في إنشاء محطة إذاعية سرية اسمها راديو ريبيلدي، في فبراير عام 1958، كانت تبث الأخبار للشعب الكوبي مع تصريحات من جانب حركة 26 يوليو ولم يتوفر الاتصال اللاسلكي بين عدد متزايد من المتمردين في أنحاء الجزيرة. 

 

في أواخر يوليو عام 1958، لعب غيفارا دوراً حاسما في معركة لاس مرسيدس باستخدام مجموعة محاربين لوقف استدعاء ألف وخمس مائة رجل من قبل باتيستا كانوا ضمن خطة لتطويق وتدمير قوات كاسترو.

 

مع استمرار الحرب قام غيفارا بقيادة مجموعة جديدة من المقاتلين غربا للقيام بدفعة نهائية تجاه هافانا، قام غيفارا بالسفر مشياً على الأقدام واستغرق الأمر 7 أسابيع شاقة حيث كان يتحرك ليلاً فقط لتجنب الكمائن وكان أحياناً كثيرة لا يأكل لعدة أيام.

 

في الأيام الأخيرة من شهر ديسمبر عام 1958 كان على غيفارا مهمة قسم الجزيرة إلى قسمين عن طريق الاستيلاء على مقاطعة لاس فيلياس، في غضون بضعة أيام نفذ سلسلة من الانتصارات تكتيكية رائعة سمحت له بالسيطرة على جميع المقاطعات ولكن دون العاصمة سانتا كلارا.

 

توجّه غيفارا بعدها بكتيبته الانتحارية للهجوم على سانتا كلارا، التي أصبحت النهاية الحاسمة للانتصار العسكري للثورة، وانتصر تشي في نهاية المطاف على الرغم من الصعاب الهائلة والتفوق العددي للعدو.

 

انتصار وطلاق

 

بث راديو ريبيلدي التقارير الأولى لنجاح قوات غيفارا في احتلال سانتا كلارا ليلة رأس السنة عام 1958، تناقض هذا مع التقارير التي تخضع للرقابة المشددة الصادرة من وسائل الإعلام بالأخبار الوطنية الذين في مرحلة من المراحل أعلنوا عن وفاة غيفارا أثناء القتال، في الساعة 3 صباحا في 1 يناير عام 1959 تم التفاوض على سلام منفصل مع غيفارا وصعد باتيستا على طائرة في هافانا وهرب إلى الجمهورية الدومينيكية مع ثروته التي تقدر بأكثر من 300 مليون دولار عن طريق الكسب غير المشروع والرشاوى.

 

في يوم 2 يناير دخل غيفارا إلى هافانا للسيطرة النهائية على العاصمة.

 

في فبراير أعلنت الحكومة الثورية غيفارا مواطناً كوبياً تقديراً لدوره في الانتصار، وصدر قانون يعطي الجنسية والمواطنة الكاملة لكل من حارب مع الثوار برتبة عقيد، ولم توجد هذه المواصفات سوى في غيفارا الذي عين مديراً للمصرف المركزي وأشرف على محاكمات خصوم الثورة وبناء الدولة في فترة لم تعلن فيها الثورة عن وجهها الشيوعي، وما أن أمسكت الثورة بزمام الأمور – وبخاصة الجيش – حتى قامت الحكومة الشيوعية التي كان فيها غيفارا وزيراً للصناعة وممثلاً لكوبا في الخارج ومتحدثاً باسمها في الأمم المتحدة. 

 

عندما وصلت هيلدا جاديا إلى كوبا في أواخر شهر يناير قال غيفارا لها أن له علاقة مع امرأة أخرى واتفقا على الطلاق، الذي تم يوم 22 مايو.

 

يوم 2 يونيو عام 1959 تزوج من أليدا مارش وهي عضو كوبي المولد من حركة 26 يوليو والتي كان يعيش معها منذ 1958.

 

نضال من نوع آخر

 

خلال التمرد ضد نظام باتيستا الدكتاتوري، دخلت القيادة العامة لجيش المتمردين بقيادة فيديل كاسترو إلى الأراضي المحررة من قانون العقوبات المعروف باسم لي دي لا سييرا – هذا القانون يتضمن فرض عقوبة الإعدام على الجرائم الخطيرة للغاية سواء التي ارتكبها الدكتاتور أو أنصار الثورة.

 

وفي عام 1959 نشرت الحكومة الثورية تطبيق القانون على كامل الجمهورية وعلى الذين اعتبرتهم مجرمي حرب وقامت بالقبض عليهم بعد الثورة، وفقا لوزارة العدل الكوبي هذا التعديل الأخير كان مدعوما من غالبية السكان، ويتبع نفس الإجراءات في محاكمات نورمبرغ التي عقدها الحلفاء بعد الحرب العالمية الثانية.

 

لتنفيذ جزء من هذه الخطة قام كاسترو بتنصيب غيفارا قائداً لسجن القلعة لا كابانا لمدة خمس أشهر.

 

اهتم غيفارا بتطهير جيش باتيستا وتوطيد انتزاع فوز “العدالة الثورية” ضد الذين يعتبرون خونة (مخبرين) أو من مجرمي الحرب، أثناء عمل غيفارا في منصب قائد لسجن لاكابانا قام باستعراض التظلمات من المدانين خلال عملية المحكمة الثورية.

 

اهتم غيفارا بجانب ضمان “العدالة الثورية” في وقت مبكر بأمر رئيسى آخر وهو إصلاح الأراضي الزراعية، بعد نجاح الثورة على الفور تقريباً في 27 يناير 1959، ألقى تشي غيفارا واحدا من أهم خطاباته، حيث تحدث عن “الأفكار الاجتماعية لجيش المتمردين” وخلال هذا الخطاب أعلن أن الهم الرئيسي للحكومة الكوبية الجديدة هو “العدالة الاجتماعية والذي يأتى من إعادة توزيع الأراضي”.

 

وبعد بضعة أشهر في 17 مايو عام 1959 وضع “قانون الإصلاح الزراعي” ودخل حيز التنفيذ مما حدد حجم جميع المزارع إلى 1.000 فدان، أي حيازات أكثر من هذه الحدود تمت مصادرتها من قبل الحكومة وإعادة توزيعها على الفلاحين في شكل 67 فدان أو قدمت للبلديات التي تديرها الدولة، كما وينص القانون أيضا على أنه لا يمكن لمزارع قصب السكر أن تكون مملوكة من قبل الأجانب.

 

يوم 12 يونيو عام 1959 أرسل كاسترو غيفارا في جولة لمدة ثلاثة أشهر لأربعة عشرة بلدا معظمها من حلف باندونغ ودول بأفريقيا وآسيا، إرسال غيفاراً بعيدا عن هافانا سمح لكاسترو بأن يبدو بعيداً عن تشي الذي كان متعاطفاً مع الماركسية والتي أزعجت كل من الولايات المتحدة وبعض أعضاء حركة كاسترو حركة 26 يوليو.

 

قضى غيفارا 12 يوماً في اليابان (من يوليو 15 إلى 27) وشارك في المفاوضات لتوسيع علاقات كوبا التجارية مع هذا البلد، خلال هذه الزيارة قام غيفارا سراً بزيارة مدينة هيروشيما، حيث كان الجيش الأميركي قد فجر قنبلة نووية قبل 14 عاماً، صدم غيفارا مما شاهده خلال زيارته إلى المستشفى حيث كان به الناجين من القنبلة تحت العلاج.

 

لدى عودته إلى كوبا في سبتمبر 1959 كان قد أصبح لكاسترو سلطة سياسية أكبر، وكانت الحكومة قد بدأت في الاستيلاء على الأراضي المدرجة في قانون الإصلاح الزراعي، وقامت بتقديم “سندات” الفائدة المنخفضة مما وضع الولايات المتحدة في حالة تأهب. 

 

وبسبب عملية الاستيلاء الجديدة تضرر مربو الماشية من الأثرياء في “كاماغوي”، فقاموا بشن حملة ضد إعادة توزيع الأراضي مع المجندين حديثاً الساخطين وزعيم المتمردين هوبر ماتوس، الذي وقف جنباً إلى جنب مع الجزء المعارض للجناح الشيوعي وحركة 26 يوليو وانضم إليهم في استنكار للتعدي الشيوعي.

 

خلال هذا الوقت قدم دكتاتور الدومينيك “رافائيل تروخيلو” المساعدة إلى “فيلق مناهضة الشيوعية لمنطقة البحر الكاريبي” الذي كان يتدرب في جمهورية الدومينيكان، هذه القوة التي كانت متعددة الجنسيات في معظمها ومؤلفة من الإسبان والكوبيين وأيضا من الكروات والألمان واليونانيين والجناح الأيمن للمرتزقة، الذين كانوا يخططون للاطاحة بنظام كاسترو الجديد.

 

تزايدت هذه التهديدات يوم 4 مارس 1960 عندما حدث انفجارين قاموا بهز سفينة الشحن الفرنسية “لا كوبر” والتي كانت تحمل ذخائر بلجيكية من ميناء انتويرب، اتهم الزعيم الكوبي فيدل كاسترو على الفور وكالة المخابرات المركزية بالقيام “بالعمل الارهابي” وعقدت جنازة رسمية في اليوم التالي لضحايا الانفجار.

 

حضر حفل التأبين ألبرتو كوردا وأخذت الصورة الشهيرة لتشي غيفارا التي تعرف الآن باسم “زعيم حرب العصابات”.

 

هذه التهديدات المتصورة دفعت كاسترو للقيام بالمزيد من الثورة مضادة، والاستفادة من غيفارا بشكل جذري لزيادة سرعة إصلاح الأراضي، ولتنفيذ هذه الخطة أنشئت وكالة حكومية جديدة هي “المعهد الوطني للإصلاح الزراعي” (اينرا) كإدارة جديدة لتنفيذ قانون الإصلاح الزراعي وسرعان ما أصبحت هي أهم هيئة حكومية في البلاد برئاسة غيفارا بوصفه وزيرا للصناعة.

 

تحت قيادة غيفارا نشأت الميليشية الخاصة لاينرا بقوامة 100.000 شخص وتستخدم أولا لمساعدة الحكومة على السيطرة على الأراضي المصادرة والإشراف على التوزيع، وبعد ذلك لإنشاء المزارع التعاونية، شملت الأراضي المصادرة 480.000 فدان مملوكة لشركات أمريكية.

 

وعلى سبيل الانتقام قام الرئيس الأميركي دوايت ايزنهاور بتخفيض حاد في الواردات من السكر الكوبي (المحصول النقدي الرئيسي لكوبا) مما جعل غيفارا يوم 10 يوليو عام 1960 يلقي خطاباً أمام أكثر من 100.000 عامل أمام القصر الرئاسي في مسيرة دعا فيها إلى شجب تصرف الولايات المتحدة ووصفه “بالعدوان الاقتصادي”.

 

قدوة في العمل

 

حصل غيفارا بعدها على وظيفة إضافية وهي منصب رئيس البنك الوطني والتي وضعت تشي في ذروة قوته إضافة إلى كونه وزير الصناعة وجعلته القيصر “الافتراضي” للاقتصاد الكوبي.

 

كان معروفا عن غيفارا بالعمل 36 ساعة متواصلة داعيا لاجتماعات بعد منتصف الليل وتناول الطعام بشكل عارض، وكان هذا السلوك يليق بغيفارا في طريقته الجديدة للتحفيز المعنوى حيث كان المطلوب من كل عامل الآن تلبية حصة وإنتاج عدد معين من السلع ومع ذلك تم إلغاء الزيادات في الأجور وذلك بتقديم بديل وهو نظام يسمح للعمال عند تجاوز حصتهم الحصول على شهادة ثناء في حين أن العمال الذين فشلوا في الوفاء بحصصهم يتم تخفيض أجورهم.

 

كان غيفارا مهندسا عمليا للعلاقات الكوبية السوفيتية، ثم لعب دوراً رئيسياً في جلب الأسلحة النووية والصواريخ الباليستية إلى كوبا من الاتحاد السوفيتي والتي أدت إلى أزمة الصواريخ الكوبية في أكتوبر 1962 وجعلت العالم على شفى الحرب النووية.

 

محاولة اغتيال غيفارا

 

سافر غيفارا في كانون الأول 1964 لمدينة نيويورك على رأس الوفد الكوبي لإلقاء كلمة في الأمم المتحدة، وخلال كلمته الحماسية انتقد غيفارا عدم قدرة الأمم المتحدة لمواجهة السياسة “الوحشية ونظام الفصل العنصري” في جنوب أفريقيا وأعلن “ألا يمكن للأمم المتحدة أن تفعل شيئا لوقف هذا الأمر؟” ثم شجب جيفارا سياسة الولايات المتحدة تجاه السكان السود. 

 

في وقت آخر علم غيفارا أنه تعرض لمحاولتين اغتيال فاشلتين لاغتياله من قبل المنفيين الكوبيين أثناء توقفه في مجمع الأمم المتحدة.

 

غادر غيفارا لباريس في 17 ديسمبر في جولة لمدة ثلاثة أشهر واشتملت على شعب جمهورية الصين الشعبية، والجمهورية العربية المتحدة (مصر)، الجزائر، غانا، غينيا، مالي، داهومي، والكونغو برازافيل وتنزانيا، مع توقف في أيرلندا وبراغ. 

 

خلال هذه الرحلة كتب رسالة إلى كارلوس كيخانو محرر في جريدة أسبوعية في أوروغواي، التي تم تسميتها آنفا بعنوان الاشتراكية والإنسان في كوبا.

 

ورد في مقال لغيفارا تلخيص لأفكاره عن خلق نوع جديد من الوعي وحالة جديدة للعمالة والعمل والأدوار الفردية. غيفارا أنهى مقاله معلنا أن “الثوري الحقيقي يسترشد بالشعور العظيم للحب” وطلب من جميع الثوريين “كافحوا كل يوم حتى يتحول هذا الحب تجاه البشر الذين يعيشون إلى أعمال يحتذى بها”، وبذلك نصبح “قوة محركة”.

 

ألقى غيفارا خطابه الأخير في الجزائر يوم 24 فبراير 1965 الذي كان آخر ظهور علني له على المسرح الدولي في ندوة اقتصادية عن التضامن الأفرو – آسيوي، وقد انتقد الاتحاد السوفياتي (الداعم المالي الرئيسي لكوبا) بطريقة عامة، وعاد إلى كوبا في 14 مارس إلى حفل استقبال رسمي من قبل فيدل وراؤول كاسترو، أوزفالدو دورتيكوس وكارلوس رافائيل رودريغيز في مطار هافانا.

 

الاختفاء الغامض

 

في عام 1965 بعد ذلك بأسبوعين قل ظهور غيفارا في الحياة العامة ومن ثم اختفى تماماً، كان مكان وجوده لغزا كبيرا في كوبا حيث كان ينظر إليه عادة باعتباره الرجل الثاني في السلطة بعد كاسترو نفسه. اختفائه نسب بأشكال مختلفة إلى فشل خطة التصنيع حين كان وزير الصناعة، وإلى الضغوط التي كانت تمارس على كاسترو من قبل المسؤولين السوفيتيين الرافضين لسياسة غيفارا الموالية للصين الشيوعيية حول الانقسام بين الصين والاتحاد السوفيتي. كانت هناك خلافات خطيرة بين غيفارا وكاسترو في كوبا فيما يتعلق بالتنمية الاقتصادية والخطة المجتمعية. وبدأ كاسترو يأخذ حذره من تزايد شعبية غيفارا واعتبره تهديداً محتملاً.

 

في أعقاب أزمة الصواريخ الكوبية وما رآه غيفارا على أنه خيانة من قبل الجهة السوفياتية حين قام نيكيتا خروتشوف بسحب الصواريخ من الأراضي الكوبية، أصبح غيفارا أكثر تشككاً.

 

بعد تعرض كاسترو لضغوط دولية بشأن مصير غيفارا صرح في 16 يونيو 1965 أن الشعب سيتم تعريفه عندما يعلن غيفارا بنفسه عن رغبته في السماح لهم بمعرفة أخبار عنه.

 

وفي 3 أكتوبر كشف كاسترو عن رسالة غير مؤرخة منسوبة إلى غيفارا مرسلة من عده أشهر، أشار فيها غيفارا من جديد إلى تضامنه الدائم مع الثورة الكوبية ولكنه أعلن عن نيته لمغادرة كوبا من أجل القتال من أجل القضايا الثورية في الخارج، إضافة إلى ذلك استقال غيفارا من جميع مناصبه في الحكومة والحزب وتخلى عن الجنسية الكوبية الفخرية، في حين ظلت تحركات غيفارا محاطة بالسرية للسنتين المقبلتين.

 

من كوبا إلى أفريقيا

 

قرر غيفارا المغادرة إلى أفريقيا في عام 1965 ليقدم علمه وخبرته بوصفه خبير في حرب العصابات إلى الصراع الجاري في الكونغو. 

 

الرئيس المصري جمال عبد الناصر الذي كانت تجمعه علاقات أخوية مع تشي التي يعود تاريخها إلى عام 1959 خلال زيارة إلى مصر، كان يرى خطط غيفارا للقتال في الكونغو بأنها “غير حكيمة” وحذر من أنه سيصبح مثل “طرزان” هناك وهي تجربة محكوم عليها بالفشل.

 

على الرغم من التحذير قاد غيفارا عملية الدعم الكوبي للحركة الماركسية سيمبا التي انبثقت بعد استمرار أزمة الكونغو. وصل غيفارا ورجله الثاني في القيادة فيكتور دريكى و12 أخرون من الحملة الكوبية إلى الكونغو في 24 أبريل 1965 ليكونوا وحدة قوامها نحو 100 من المنحدرين من أصل كوبي.

 

على الرغم من أن غيفارا سعى إلى اخفاء وجوده في الكونغو إلا أن حكومة الولايات المتحدة كانت على علم بمكانه والأنشطة التي يقوم بها.

 

غادر غيفارا الكونغو في نفس العام بسبب مرضه بالزحار وكان أيضا يعاني من الربو الحاد وسبعة أشهر من خيبة الأمل والإحباط وذلك بصحبة الناجيين الكوبيين.

 

كان غيفارا يفكر في إرسال الجرحى إلى كوبا، والقتال في الكونغو وحده حتى الممات، على سبيل تقديم المثل الأعلى للثوار والثورة، ولكن بعد أن حثه رفاقه وضغطوا عليه من قبل اثنين من المبعوثين التي بعث بهم كاسترو وافق في آخر لحظة على مضض أن يتراجع عن خطته.

 

ظل غيفارا متخفياً عن الأنظار، وظل غيابه مريباً، إلا أن غيفارا عاد ليدخل في القتال ضد بوليفيا وكانت خطته فيها تقتضي بتأجيج الثورة فيها، إلا أن هذه الخطة فشلت.

 

 

اللحظات الأخيرة والإعدام

 

تحول فيليكس رودريغيز، وهو منفي كوبي إلى مخبر لصالح وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية في قسم النشاطات الخاصة، وساعد القوات البوليفية أثناء مطاردتها لغيفارا في بوليفيا.

 

في يوم 7 أكتوبر تم تبليغ القوات البوليفية بموقع غيفارا وفرقته في معسكر بواد جورو، قامت القوات بمحاصرة المنطقة، وجرح غيفارا وأسر حين كان يحاول قيادة الفرقة مع “سيمون كوبا سارابيا”. 

 

تم تقييد غيفارا واقتيد إلى مبنى مدرسة متهالك بني من الطين في قرية قريبة من قرية لا هيغويرا مساء يوم 7 أكتوبر، بعد يوم ونصف رفض غيفارا أن يتم استجوابه من قبل ضباط بوليفيين، وتكلم بهدوء إلى الجنود البوليفيين فقط، واحد من هؤلاء الجنود البوليفيين كان قائد طائرة هليكوبتر يسمى “نينو خايمي دي غوزمان” ووصف حالة تشي أنها “مروعة “، ووفقا لغوزمان أطلق الرصاص على غيفارا في ربلة الساق اليمنى وشعره كان متعقد بالتراب وكانت ملابسه ممزقة وقدميه كانتا مغطاتين بأغماد الجلود الخشنة، وعلى الرغم من مظهره المنهك يروي غوزمان أن ” تشي رفع رأسه عاليا ونظر للجميع مباشرة ولم يسأل عن شيء إلا الدخان “. 

 

يقول دي غوزمان إنه “أشفق” عليه وأعطاه حقيبة صغيرة من التبغ ثم ابتسم غيفارا وشكره.

 

في ليلة 8 أكتوبر قام غيفارا على الرغم من كونه مقيداً من يديه بركل الضابط البوليفي اسبينوزا على الحائط، بعد أن حاول الضابط انتزاع غليون غيفارا من فمه تذكار. 

 

في مثال آخر للتحدي، بصق جيفارا في وجه الأميرال البوليفي اوجاتاشى قبل إعدامه بوقت قصير.

 

في صباح 9 تشرين الأول طلب غيفارا مقابلة (مدرّسة) من القرية، وهي جوليا كورتيز التي تبلغ من العمر 22 عاما، كورتيز ذكرت في وقت لاحق أنها وجدت غيفارا “رجل مظهره مقبول ولديه نظرة بسيطة ولمحة من السخرية ” وخلال المحادثة وجدت نفسها غير قادرة على النظر في عينيه مباشرة لأن النظرة كانت لا تطاق، خارقة وهادئة.

 

خلال المحادثة القصيرة شكا غيفارا لكورتيز عن الحالة السيئة للمدرسة مشيراً إلى أنها مضادة للتربية وهو من غير المتوقع أن طلاب الكامبيسينو يتعلمون هنا في حين أن “المسؤولين الحكوميين يحصلون على سيارات مرسيدس”. قائلاً إنّ هذا هو ما نحاربه.

 

وفي صباح ذلك اليوم، أمر الرئيس البوليفي رينيه باريينتوس بقتل غيفارا، كان الجلاد يدعى ماريو تيران رقيب نصف مخمور في الجيش البوليفي الذي كان قد طلب إطلاق النار على تشي استناداً إلى حقيقة أن ثلاثة من أصدقائه يدعون “ماريو” من الفرقة (ب)، قد قتلوا في وقت سابق من قبل عصابة غيفارا المسلحة خلال الاشتباكات، لجعل الأعيرة النارية متسقة مع القصة التي كانت الحكومة تخطط بنشرها للجمهور أمر فيليكس رودريغيز بإطلاق النار بعشوائية حتى يبدو أن غيفارا قد قتل في خلال اشتباك مع الجيش البوليفي.

 

قبل لحظات من إعدام غيفارا سئل عما إذا كان يفكر في حياته والخلود. أجاب: “لا أنا أفكر في خلود الثورة”. ثم قال تشي غيفارا للجلاد “أنا أعلم أنك جئت لقتلي أطلق النار يا جبان انك لن تقتل سوى رجل”. تردد تيران، ثم أطلق النار من بندقيته النصف آلية، لتصيب غيفارا في الذراعين والساقين، ثم سقط غيفارا على الأرض وعلى ما يبدو قضم رباط معصميه ليتجنب الصراخ، ثم أطلقت عدة أعيرة أخرى، مما أدى إلى إصابه قاتلة في الصدر.

 

أصيب غيفارا بتسعة أعيرة نارية في مجموعهم، شمل هذا على خمس مرات في الساقين، مرة واحدة في كتفه الأيمن والذراع الأيمن، ومرة واحدة في صدره، وطلقه واحدة في الحلق.

 

الأسطورة حية

 

اعترف فيدل كاسترو يوم 15 أكتوبر أن غيفارا مات وأعلن الحداد العام ثلاثة أيام في جميع أنحاء الجزيرة.

 

في 18 أكتوبر / ألقي كاسترو خطابا أمام حشد من مليون شخص من المعزين في هافانا في ساحة الثورة وتحدث عن غيفارا باعتباره شخصية ثورية.

 

أنهى فيدل كاسترو خطاب التأبين بشكل حماسي قائلا:

“إذا كنا نود أن نفصح عما نريده من رجال الأجيال القادمة أن يكونوا عليه، فعلينا أن نقول: دعهم يكونوا مثل تشي! إذا أردنا أن نقول كيف نريد لأطفالنا أن يتعلموا، فعلينا أن نقول بلا تردد: نريد منهم أن يتعلموا بروح تشي! إذا أردنا أنموذجا للرجل الذي لا ينتمي إلى عصرنا بل إلى المستقبل، فأقول من أعماق قلبي أن هذا الأنموذج، من دون أي مأخذ على سلوكه ومن دون أي مأخذ على عمله، هو تشي!”

 

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث