عن جماليّات في اللغة العربيّة بمناسبة يومِها العالميّ

عن جماليّات في اللغة العربيّة بمناسبة يومِها العالميّ
المصدر: عمّان- (خاص) من فوزي باكير

في 18 كانون الأول / ديسمبر من كل سنة نحتفل باليوم العالمي للغة العربية، لكونه اليوم الذي أصدرت فيه الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارها رقم 3190، والذي يقر بموجبه إدخال اللغة العربية ضمن اللغات الرسمية ولغات العمل في الأمم المتحدة، بعد اقتراح قدمته المملكة المغربية والمملكة العربية السعودية خلال انعقاد الدورة 190 للمجلس التنفيذي لمنظمة اليونسكو.

وبهذه المُناسبة، يجدر بنا الالتفات إلى واحدة من جماليّات هذه اللغة، وهي طاقتها التّعبيريّة الهائلة، وكذلك إلى الخطّ العربيّ وجماليّاتِه.

وبلى، لها أن يخصّها يومٌ واحدٌ أحدٌ، لتفرّدِها، ولنا أن ننحاز لها، فكما يقول الشّاعر الرّاحل محمود درويش في قصيدته “قافية من أجلِ المُعلّقات”: “هذه لغتي ومعجزتي”.

لنا أن نذهب في جولةٍ بين أحرفِها، نصغي لأصواتِها، لاحتكاكِها ببعضِها، لتلك الشّرارة التي تصدرُ بعد هذا الاحتكاك، تلك الشّرارةُ التي تُنبئُ في المعنى حتّى وإن لم نكن نعرفه تمامًا، لكنّ الشّرارةَ هذه إذ تشعُّ بعد أن نقدحَ حرفين ببعضِهما تُنبئُ بالكثير، فحين نقول مثلًا: “نخيل”، تلقائيًّا تصعدُ عيوننا إلى الأعلى، حين نقول: ملحْ، يجفّ الحلقُ، حين نقول: فُرات، ينتعشُ الصّدرُ.

سنبدأ بقولِه تعالى في قرآنه الكريم: “وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ”.

فلنتمعّن قليلًأ في الآية، ولننظر في تركيب أحرفها ودلالات ذلك، فظًّا غليظَ القلب؛ من هو الفظّ والغليظ وكيف يبدو؟ لعلّ العبارتيْن دون أن نعود للقواميس تُشيران إلى معنى هذه الصّفات من خلال طبيعة أحرفها وحركاتها، كلتاهما تنتهيان بحرف “الظّاء”، كلتاهما تُشيران إلى صفاتٍ مُنفّرةٍ وليست حميدة، ولنكمل لنقف عند عبارة “انفضّوا”، هذه الضّاد المشدّدة في وسط الكلمة، تُشير إلى ليس الابتعاد وحسب، وإنّما نفور شديدٌ يحقّقه لفظُ الكلمة ونطقها وطاقتها.

ولكن، تغيّر الإيقاعُ واللفظ والحالة، في قوله: “فاعفُ عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر”، حين نقارن بين تركيب كلّ من الجملتين ومعناهما، سيتضح التجلّي الذي يتعلّق في المعنى بشكلٍ أكبر، فتغيًّر الخطاب كان لا بدّ له من حروفٍ أقلّ ثقلًا ووقعها أرقّ بكثير عن سابقتها التي بطبيعة الحال كانت تحمل معنى آخر.

وفي الشّعر كذلك، وهو ديوان العرب، نستذكر ما قاله السيّاب في قصيدته “غريبٌ على الخليج”: “الرّيحُ تلهثُ بالهجيرةِ كالجثامِ على الأصيل”، حتّى وإن لم نعرف معنى بعض المفردات، لكن مهلًا، فلنقرأها مرّةً أخرى! يا الله! الرّيحُ تلهثُ بالهجيرةِ كالجُثام على الأصيل! أيّ ظمأٍ هذا؟ أيُّ حرارةٍ وأيُّ حرّ؟ كيف تتتابعُ الحروفُ لتمنحَ هذه الطّاقة التعبيريّة المتفرّدة، “تلهثُ”، أيُّ صوتٍ هذا؟ أيُّ انفجارٍ جماليّ؟ كيف للغةٍ أن تُجفِّف حلقَك هكذا وتُشعرك بالظّمأ ليس لارتكابك الأفعال التي تُسبّب هذا الشّعور، لا، فقط لأنّك تقرأها!

وكذلك يقول الشّاعر محمّد الثّبيتيّ:

أيا مورقًا بالصبايا

ويا مترعًا بلهيب المواويل

أشعلت أغنية العيس فاتسع الحلم

في رئتيكْ .

سلامٌ عليكَ

سلام عليكْ.

أيُّ انسيابٍ هذا..؟ وأيُّ اخضرار وأيُّ بلل؟ مورقًا ومُترعًا! خصوبة لغويّة فذّة! تبلُّ الرّيق وتُنبئُ بالنّبعِ والعشبِ والنّدى، فورًا تُحلينا لمشهدٍ ما فقط لأنّها استطاعت أن تستحضرَه بين حروفِها، أو استطاعت أن تطوّعَ نفسَها لترسمَ كُلّ هذه المشاهد، عرفت كيف تحكُّ نفسَها بنفسِها لتُفجّرَ هذا المشهد ليتجلّى فيها مرئيًّا.

أمّا الخطّ العربيّ، فهو من الفنون البارزة في الحضارة العربيّة والإسلاميّة، وللحديث عنه لا بدّ أن نعود إلى قول العالم اليوناني إقليدس: “الخط هندسة روحانية.. ظهرت بآلة جسمانيّة”.

فتقديم النّص العربيّ، وبالأخصّ القرآني، يرتكز على جماليّاتٍ تربط بين معنى النّص وشكله، لما في ذلك من أثر روحانيّ وحسيّ على المتلقّي، فالحرف العربيّ يملك قدرات تشكيلية متميزة تنفرد عن غيره من اللغات، لكي يشكّل مجالا رحبا لإعلان الهوية وتأكيد الثقافة العربية المعاصرة، وفي ذلك استمرارية لهوية الشرق وروحانيته.

ويُذهل بعض السّائحين الأجانب حين يزورون معارض الخطّ العربيّ حين يحدّقون في اللوحات رغم عدم فهمهم لنصوصها، لكنّ ثمّة وقعٌ جماليٌّ تُحدثه اللوحة عليهم لانجذابهم بطريقة تشكيل الخطوط ورسمها وتلوينها مُحقّقةً أثرها في دواخلهم لدرجة أنّ بعضَهم يشتري هذه اللوحات ويقتنيها.

إذن نعم، للعربيّة أن يُحتفى بها وبجماليّاتها دائمًا، ولا بُدّ من الالتفات إلى هذه الجماليّات باستمرارٍ، لأنّها عمودٌ من أعمدة هُويّتنا وحضارتنا؛ وكما يقول درويش: “أنا لُغتي، أنا ما قالتِ الكلماتُ كُن جسدي! فكنتُ لنبرِها جسدًا”.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث