الإعلام المصري يتحدى الأخونة

الإعلام المصري يتحدى الأخونة

الإعلام المصري يتحدى الأخونة

إرم – (خاص) محمد عبد الحميد

يستمر الجدل في مصر حول الدور الذي تلعبه وسائل الإعلام في المجتمع، فالبعض يعتبرها تحرض على العنف وتعمل على تشويه صورة التيار الديني الحاكم، وآخرون يؤكدون أنها تمارس دورها بمهنية في نقل الأحداث للمشاهد، وتواجهه محاولات قمعية من قبل جماعة الإخوان المسلمون باسم تطهير الإعلام.

الكل يدافع عن وجهة نظره وموقفه، فالرئيس مرسي وجماعته وأنصاره من التيار الديني، وبعض المؤيدين لهم فى وسائل الإعلام، يرفعون شعارات الدفاع عن شرعية الرئيس المنتخب، وتطبيق الشريعة والنهي عن المنكر، ويعتبرون من يخالفهم الرأي إعلاماً فاسداً يشوه إنجازات الرئيس، ويفتعل الأزمات ويحرض على العنف و يجب تطهيره.

في حين ترى بعض وسائل الإعلام الخاصة نفسها مدافعه عن الثورة ضد محاولات هيمنة جماعة الإخوان المسلمين، ويتهمون محمد مرسي بالسعي للانفراد بالسلطة، وتثبيت أركان حكم الأخوان، بدلاً من محاولة حل الأزمات التي تتعرض لها مصر.

 

أرقام غير مسبوقة

في هذا السياق تم استدعاء عدد ليس بقليل من الإعلاميين وأصحاب القنوات في الشهور الأخيرة أبرزهم “باسم يوسف وريم ماجد ومحمود سعد وخيري رمضان ومحمد الأمين وعمرو أديب ويوسف الحسيني وريهام السهلي وتوفيق عكاشة وإبراهيم عيسى، وجمال فهمي، وعلا الشافعي” للمثول أمام النيابة وسماع أقوالهم بشأن بلاغات وقضايا تتهمهم بإهانة الرئيس والتحريض على العنف.

والأمر اللافت أن مؤسسة الرئاسة المصرية ليست وراء تلك الدعاوى القضائية ضد هؤلاء الإعلاميين، لكن الشكاوى والبلاغات تُقدم من أشخاص ينتمون للتيار الإسلامي وقريبين من السلطة الحاكمة، ويتعللون بأن ما قيل أو كتب بحق رئيس الدولة قد أساء لهم شخصياً، كون الرئيس رمز لجميع المصريين، وهو ما يكفل لهم – بموجب قانون العقوبات المصري – إقامة دعوى قضائية.

وتتهكم المنظمات المدافعة عن حق الرأي في مصر بأن عدد البلاغات التي قدمت بهذه التهمة منذ قدوم مرسي إلى الحكم في أقل من عام بلغ أربعة أضعاف ما سجل طوال فترة الثلاثين عاماً من حكم مبارك، وقد أشارت المنظمة الحقوقية فى مجال “حرية الفكر والتعبير” أن كل أسبوع “يشهد انتهاكاً واحداً على الأقل لحرية إعلامي بسبب رأيه”، بينما وزارة الخارجية الأمريكية نددت في أكثر من مناسبة بتزايد القيود في بلد اعتاد على مساحة رأي واسعة.

 

الإسلاميون يحاصرون

لم يقتصر الأمر عند حدود ترهيب الإعلاميين بسيف القضاء، وإنما امتد أيضاً إلى الاعتداء على مقرات بعض وسائل الإعلام. حدث ذلك مرة في مقر “جريدة الوفد” بمنطقة الدقي، وثلاث مرات لـ “مدينة الإنتاج الإعلامي” التي تبث منها قنوات التلفزيون الخاصة والحكومية معظم برامجها، فتعرضت مرات عديدة للحصار من قبل أنصار التيار الاسلامي احتجاجاً على ما تقدمه هذه القنوات من برامج، مطالبين بإغلاق ما وصفوه بـ “قنوات العار والفتنة”، ومتهمين القائمين عليها بالخراب وسفك الدماء، رافعين لافتات مدون عليها عبارات “الشعب يريد تطهير الإعلام… لا لأبناء مبارك من الإعلاميين الفاسدين… إعلام الزور والتطبيل هو العدو الأول للثورة”.

وفي كل مرة كان الحصار يتسبب في معاناة العاملين في تلك القنوات، من مقدمي برامج ومعدين ومخرجين، وتعرض بعضهم للإيذاء البدنى والسباب، ومنهم على سبيل المثال وليس الحصر “يوسف الحسيني وضياء رشوان وحسين عبد الغني وريهام السهلي”، كما امتد الأمر إلى ضيوف البرامج منهم البرلماني السابق “البدري فرغلي والمخرج السينمائي خالد يوسف”.

والمثير في الأمر أن بعض الإعلاميين باتوا يتفننون في ابتكار أساليب وحيل للتغلب على الحصار، تارة بالطواف حول أبواب مدينة الإنتاج الإعلامي المختلفة بحثاً عن مكان آمن يدخلون منه، وفي أحيان أخرى كان البعض منهم يدعي أنه يعمل في قناة دينية أو دعي كضيف في أحد برامجها حتى يتمكنوا من الدخول.

في حين أصر مشاهير الإعلاميين مثل: “لميس الحديدي وعمرو أديب ومنى الشاذلي ومحمود سعد ومعتز الدمرداش ولبنى عسل وجابر القرموطي وأحمد المسلماني ويوسف الحسيني ووائل الابراشي، على الدخول من البوابة الرئيسية وتقديم برامجهم تحت تهديد الحصار، بل وأعلنوا في كل مرات الحصار استنكارهم لما يحدث من أساليب ترهيبية، مؤكدين أنهم يلتزمون بالحياد في برامجهم، وأن مهمتهم هي نقل ما يحدث للمواطن دون مبالغة أو تحريض.

ولم يكن حصار المدينة هو التهديد الوحيد للإعلاميين، فعلى مدار الشهور الماضية تعرض إعلاميون لمظاهر شتى من العنف والإيذاء أثناء تأدية عملهم في تغطية المظاهرات، أبرزها ما تم عند مقر مرشد الأخوان بهضبة المقطم وعند القصر الرئاسي بالاتحادية، ووصل الأمر إلى قتل المصور الصحفي الحسيني أبو ضيف برصاصه في الرأس، ولا يزال الفاعل مجهولاً.

 

هجوم مضاد

وفي المقابل فإن بعض وسائل الإعلام المنتمية للتيار الديني، لاسيما التلفزيوني منها قد أخذ عليها في الفترة الماضية قيامها بشن حملات نقدية لاذعة لمن يخالفون النظام الإسلامي الحاكم، لاسيما مقدمي البرامج في القنوات الخاصة، والفنانات ورموز المعارضة.

ووصل الأمر إلى درجة تورط بعض مقدمي البرامج فى تلك الفضائيات في قضايا سب وقذف، مثل ما حدث من “عبد الله بدر” في “قناة الحافظ” بحق كل من “عمرو الليثي وإلهام شاهين”، وصدرت ضده أحكام قضائية بالسجن.

كما اتخذ البعض مما يقوله بعض مقدمي البرامج على تلك الفضائيات الدينة وسيلة للسخرية والتهكم على المستوى المهني الذي تتوجه به تلك القنوات للمشاهد أبرزها مقولة: “هاتولي راجل” التي قالها الشيخ “محمود شعبان” منتقداً مذيعة تلفزيونية كانت قد دعته للظهور في أحد برامجها، إلا أنه رفض بعدما وجد أنها ترتدي ملابس مثيرة وقتها.

وبعدها صارت فقرة شبة ثابتة في البرامج الساخرة مثل “البرنامج” لباسم يوسف و”بني آدم شو” للفنان الكوميدي أحمد آدم، و”الليلة مع هاني” من تقديم الفنان الكوميدي هاني رمزي.

وكذلك تتندر تلك البرامج على ما يقوله وزير الإعلام المصري صلاح عبد المقصود المحسوب على جماعة الإخوان المسلمين من ردود على الصحفيات من نوعية: “ياريت الأسئلة ماتبقاش ساخنة زيك، ابقي تعالي وأنا أقولك”، والبعض يرى بأن تلك المفردات تحمل إيحاءات جنسية ما كان ينبغي أن تصدر عن شخص وزير الإعلام.

 

الإعلام يرفض التكميم

وحول هذا الموضوع، خرج الإعلامي جابر القرموطي مقدم برنامج “مانشيت”على قناة (أون تي في)، يقول “الإعلام المصري يواجهه مخطط من قبل التيار الديني، لاسيما جماعة الإخوان المسلمين التي تحاول الآن ترهيبه وتكميمه كي تدفعه إلى أن يهلل لها، ويتجاهل الحديث عن سلبياتها، وإلا اعتبرها إعلاماً فاسداً، وبالتالي تخرج دعاوى قضائية من حين لآخر لتطهيره، وهو أسلوب لم يفعله مبارك نفسه لترهيب الصحف والقنوات التي كانت تنقد سياساته”.

وأكد أن الإعلام المصري إعلام حر ونزيه، ولم ولن يخضع للسلطة، وسيستمر هو وغيره من الإعلاميين الشرفاء في انتقاد من يتجاوز، ونقل الحقيقة لجمهور المشاهدين مهما كلفهم ذلك.

بينما يرى د.ضياء رشوان نقيب الصحفيين المصريين أن ما يتردد من حين لآخر بشأن تطهير الإعلام هي في حقيقة الأمر محاولة لتكميم الإعلام، لافتاً إلى أن النظام الحاكم لا يريد إعلاماً حراً، بل إعلاماً يتغاضى عن سلبياته ويهلل لإنجازاته، وهو ما يرفضه كل إعلامي حر في مصر الآن، مشدداً على أنه وغيره من الإعلاميين سواء في الصحافة أو التلفزيون مستمرون في كشف الحقيقة، فليس من المعقول أن تكمم وسائل الإعلام في بلد قام شعبه بثورة من أجل الحرية!.

 

التزام بالحيادية

من جهته يؤكد الدكتور حسين أمين أستاذ الصحافة والإعلام بالجامعة الأمريكية في القاهرة أن هناك بالفعل بعض وسائل الإعلام التي لا تلتزم بالحيادية عند تغطيتها للأحداث التي تمر بها مصر، وتضخم السلبيات التي ترتكبها القوى الإسلامية، وهو ما أدى إلى وجود حالة من الغضب من قبل المنتمين للتيار الديني الحاكم.

وكذلك تفعل بعض القنوات الدينية والصحف المنتمية لجماعة للإخوان أو السلفيين، حيث تهاجم بشراسة كل معارضي النظام الحاكم، وتتصيد لهم الأخطاء، مشدداً على أن كلا الطرفين قد أساءوا إلى الإعلام المصري ككل بابتعادهم عن النزاهة والحيادية، وجعلوا منه هدفاً تتربص به بعض القوى السياسية، وتطالب بتطهيره.

وطالب حسين أمين وسائل الإعلام المصري بالابتعاد عن الصراع السياسي الذي يتم زجهم فيه، لافتاً إلى أن دور الإعلام هو نقل الصورة بحيادية دون مبالغة، وأن الحل للخروج من تلك الحالة من الفوضى هي إصدار قوانين إعلامية منظمة بعد مشورة رموز الإعلام الحكومي والخاص واتفاقهم على القوانين المنظمة للعمل، بما يضمن حرية الإعلام وعقاب من يتجاوز.

إلى جانب تفعيل ميثاق الشرف الصحفي، وإنشاء جهاز قومي لتنظيم الإعلام، على غرار كل الدول المتقدمة والمتحررة التي تنعم بإعلام حر وملتزم بالمهنية والأخلاق والأمانة والشرف.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث