الانتحار يستفحل في عهد مرسي

الانتحار يستفحل في عهد مرسي

الانتحار يستفحل في عهد مرسي

إرم – (خاص) محمد عبد الحميد

الصورة التي رسمها عدد كبير من المصريين إلى العالم بعد رحيل الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك، بأن بلاد “الفراعنة” ستتغير بشكل كبير نحو الأفضل، لم ترسم معالمها بالشكل الصحيح.

فحالة الإنفلات في كافة المجالات لا زالت تتفاقم رغم انتخاب رئيس جديد لمصر ألا وهو محمد مرسي وتولي جماعة الإخوان المسلمين السلطة في مصر مما جعل العالم في حالة ترقب كبيرة للمشهد المصري.

ويبدو أن الحياة المصرية تتجه نحو الأسوأ بمقارنة بسيطة وهي إحصائيات كشفتها جهات مختصة بتزايد نسبة الإنتحار في مصر بعد ثورة 25 يناير التي قلبت الأمور رأساً على عقب بين المصريين.

وأشارت الدراسات أن نسبة 12 بالمائة جاءت كزيادة عن النسبة القديمة قبل الثورة، مما يعني أن بواطن الأمور الداخلية بين المصريين غير هادئة وتحتاج لإعادة صياغة بكافة مفردات حياة المصريين.

وحسب تقديرات وإحصاءات صادرة عن وزارة الداخلية المصرية ومركز معلومات مجلس الوزراء ومركز السموم فإن نسبة محاولات الانتحار في مصر ارتفعت إلى 9  لكل 100 ألف مصري  خلال العام الماضي، بعدما كانت 7 لكل 100 ألف مصري في الفترة من  2009-2011، وأن قرابة 5 آلاف حالة وفاة شهدتها مصر العام الماضي كانت قيدت في سجلات الشرطة كحادث انتحار.

وتتركز غالبية حالات الانتحار في محافظات مصر في القاهرة العاصمة، حيث تفيد إحصاءات مركز السموم أن ما يقارب 18 ألف حالة انتحار قد وصلت إلى المركز خلال العام الماضي، وتم ملاحظة أن عدد الرجال الذين حاولوا الانتحار وصلوا إلى عشرة آلاف والباقي من النساء والشباب والمراهقين، وأن أكثر الفئات العمرية إقبالا على الانتحار تترواح ما بين الخامسة عشرة والخامسة والعشرين، وتمثل نسبتهم 66.6% من إجمالي عدد المنتحرين في كل الفئات.

تأتي بعد ذلك نسبة المنتحرين من المرحلة العمرية مابين 25 إلى 40 سنة حيث يطغى عليها النسبة الأكبر لإنتحار الرجال ومعظم حالات انتحار الرجال في هذه المرحلة العمرية ترجع إلى الظروف الاقتصادية وعدم المقدرة على الإنفاق على أسرته.

وأوضحت الإحصائية أن طرق الانتحار تختلف بين النساء والرجال، فنحو 90% من النساء يستخدمن في انتحارهن الأقراص المنومة أو سم الفئران أو إلقاء أنفسهن من أماكن شاهقة أو في النيل، بالإضافة إلى لجوئهم إلى حرق أنفسهم.

أما الرجال فينتحرون بالشنق أو قطع شرايين اليد أو إطلاق النار أو الحرق وتختلف طرق الانتحار حسب الوضع الاجتماعي والأدبي، فالعاطلون يشنقون أنفسهم ورجال الأعمال يطلقون النارعلى أنفسهم، بينما يلجأ تلاميذ المدارس إلى قطع شرايين اليد أو الشنق.

 

جثة معلقة

تزخر ملفات القضايا في أقسام الشرطة المصرية بقصص وحكايات مؤلمة عن المنتحرين كواقعه الشاب حسام شحاتة (33 سنة) والذي أقدم على الانتحار بشنق نفسه بحبل غسيل في غرفته، وذلك بعد فشله في العثور على وظيفة، وتبين من المعاينة أن الجثة معلقة بحبل بلاستيك ملفوف طوقه حول العنق والطرف الآخر بسقف غرفته بالدور الثالث علوي بمسكن والده بحي المطرية ولا توجد ثمة إصابات ظاهرة.

وبالعرض على الطبيب الشرعي أكد أن سبب الوفاة حدوث اختناق وكسر بفقرات العنق ولا يوجد شبهة جنائية، وتبين من التحقيقات أن خلافا نتج بين المنتحر وأسرته نتيجة فشله في العثور على وظيفة وشعوره بالعجز في تدبير المال اللازم لاحتياجاته الشخصية فقرر الانتحار.

 

حرق نفسه من أجل مسكن

وأمام مبنى التلفزيون المصري في منطقة ماسبيرو بالقاهرة أقدم كمال محمد السيد “45 عاما” بإشعال النار في نفسه بسكب البنزين على ملابسه من زجاجة كانت بحوزته، إلا أن الأهالي أنقذوا حياته ونقلوه إلى مستشفى قصر العيني واتضح أن السبب وراء محاولته الانتحار هو ضيق ذات اليد، حيث أنه يسكن في حجرة واحدة مع زوجته وأولاده بمنطقة الزاوية الحمراء، إلا أن صاحب المنزل قام بهدم المنزل، ولم يجد مكانا آخر يأويه هو وزوجته وأولاده، وعندما حاول طرق أبواب المسؤولين لم يفيدوه بشيء فقرر الانتحار.

 

سعيد انتحر من أجل الوظيفة

وفي محطة مترو كوبري القبة أصابت الدهشة كل من يتواجد على الرصيف بشاب في العقد الثالث يقفز فجأة أمام جرار القطار القادم من المرج باتجاه حلوان فلقي مصرعه على الفور بعد أن تمزق جسده إلى أشلاء على قضبان المترو، وتبين من التحقيقات أن الشاب يدعى سعيد جوهر”27 سنة” وقد تخرج قبل خمس سنوات من كلية التجارة ولم يستطع الحصول على عمل مناسب يوفر له حياة كريمة، وفي الفترة الأخيرة ساءت حالته النفسية بعد علمه بزواج الفتاة التي أحبها بشاب آخر ميسورالحال.

وفى إمبابة لم يجد جلال عبد اللطيف “41 سنة” حلا للتخلص من الضائقة التي ألمت به وشعوره بالعجز عن تلبية احتياجات أسرته في ظل ارتفاع الأسعار وتسريحه هو وآخرين من العمل بعدما أغلقت الشركة التي كان يعمل بها في 6 أكتوبر أبوابها، فلم يجد سوى الإنتحار بقطع شرايين اليد.

حيث أقنع زوجته بالذهاب لزيارة شقيقته ومعها الأطفال وأنه سوف يلحق بهم، ولكنه تأخر فعادوا إلى المنزل في المساء ليجدوه قد أغلق على نفسه الحمام، وبعد فتح الباب عنوة وجدوه ميتا وشرايين يده مقطوعة، وأفادت الزوجة في تحقيقات النيابة بأن زوجها مر بحالة نفسية سيئة بسبب تراكم الديون وشعوره بالعجز وقلة الحيلة وأن لا أمل في المستقبل.

 

البلطجية سبب انتحاره

وفي حي المرج بالقاهرة توفي حسين حلمي “55 سنة” متأثرا بحروق خطيرة من الدرجة الأولى أودت بحياته، وذلك بعد أن قام بإشعال النار بنفسه أمام المارة، في السوق المقابل لمحطة مترو المرج الجديدة اعتراضا على سطوة البلطجية على السوق في ظل الغياب الأمني ومطالبة بلطجي له بدفع 50 جنية يومياً وعندما رفض قام بضربه وإلقاء البضاعة التي يبيعها في وسط الطريق تحت أقدام المارة.

 

انكسار الحلم

الدكتورة يسرى عبد المحسن استاذة الطب النفسي بكلية طب جامعة القاهرة تؤكد أن الأحوال التي تمر بها مصر تلعب دوراً كبيراً في تزايد ظاهرة الإنتحار عن أي فترة سابقة.

 وقالت: “لا يمكن إغفال التأثير النفسي السلبي لواقع الاضطرابات والتدهور الاقتصادي وتفشي البطالة وارتفاع الأسعار عند رصد ظاهرة الانتحار في مصر الآن، لاسيما إذا ما عدنا بالذاكرة قليلا إلى ارتفاع سقف الأحلام والطموحات بين المصريين عقب قيام ثورة 25 يناير، وخلع حسني مبارك وتقديمه للمحاكمة وقدوم الأخوان لكرسي الحكم وما صاحب ذلك من توقعات بنهضة اقتصادية”.

وأضافت “فضلا عن التصريحات المتتالية من المسؤولين عن أرقام بالمليارات لفلوس تستردها مصر من رموز النظام السابق، ومشاريع  تدر عوائد بالمليارات أعلن عنها الرئيس محمد مرسي وجماعة الإخوان المسلمين ضمن ما تردد عن مشروع النهضة، ما زاد من حجم الطموح والتطلع للمستقبل لدى كثير من المصريين قبل أن يفيقوا على انكسار الحلم وصدمة التدهور الاقتصادي وغلاء الأسعار، وهو ما يمثل عبئا كبيرا على الحالة النفسية لفريق من المصريين، وبعضهم لم يستطع مواجهه أزماته فاختار قرار الانتحار”.

وأسردت خبيرة الطب النفسي قائلة: “لكل منتحر أسبابة ودوافعه النابعة من ظروف بيئية وشخصية محيطة به وتراكمات نفسية مر بها لدرجة أنه وصل لقناعة بداخله أنه لم يعد يستطيع الاستمرار في تلك الحياة، فيقدم على اتخاذ القرار بالخلاص منها، مشددة على أن أصحاب محاولات الانتحار هم في حقيقة الأمر مرضى نفسيين بالاكتئاب والانفصام، وقد أهمل المجتمع ومن قبل الأسرة رعايتهم، والإنتباه للمتغيرات النفسية التي طرأت عليهم وأدت إلى اتخاذهم قرار الإنتحار”. 

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث