عندما يَهْزِمُ أهلُ السَّلف الفلاسفة

عندما يَهْزِمُ أهلُ السَّلف الفلاسفة

عندما يَهْزِمُ أهلُ السَّلف الفلاسفة

بقلم: أحمد الشهاوي

 هل عصر الحرية الأجمل – الذي لم أعشه على أرض مصر- قد وَلَّى وَأَدْبَرَ، قَبْلَ أن يأتي، وَذَهَبَ إلى غير رجعةٍ؟

 هل نعيشُ الآنَ عصرَ ملوك الطوائف، كُلّ طائفةٍ لها كتابُها، ودينُها، وعقيدتُها، ومذهبُها، وناسُها، وَمُفْتُوها، ولن يلتقيَ هؤلاء الملوكُ أبدًا على كلمةٍ سَوَاء؟.

 هل لابد من البحث عن مُنْقذٍ؛ كيْ لا نذهبَ إلى الضَّلالِ والِفْتَنَةِ، خُصُوصًا أنَّني أرى مُقَلِّدينَ وليس فقهاء، يحسبون أنفسهم حُمَاةَ الديارِ والأهلِ والدِّينِ، وهم في الحقيقةِ لا يمتلكون المؤهلات التي تؤهلهم للزود عن شىءٍ.

 وهؤلاء المقلِّدون في كُلِّ عصرٍ، ينعمونَ بالسُّلطةِ، ويتقربونَ من أُولي الأمر مِنَ الحكَّام، والسَّلاطينِ، والملوكِ، ويمارسونَ لعبتهم المُفَضَّلة التي تتكرَّر في كل عصرٍ، لكنَّها تختلفُ فقط في أسماء الممارسين، وأسماء الحُكَّام.

 ومع هؤلاء المقلِّدين، عادةً، ما يتمُّ التنكيلُ بذوي العقل في الرأي، من فلاسفةٍ وشعراء ومتصوفةٍ، إِذْ يتم اضطهادهم؛ لأنَّهم ذوو أُفقٍ مفتوحٍ، ولا سقفَ لرؤاهم، وهو أمرٌ لا يُعجِبُ المتزمتينَ المنتفعينَ، الذين لا يعرفونَ كيف يَشُقُّونَ طريقَهُم إلى المعرفةِ والعلمِ، ويضايقهم أن يروا غيرهم يُنْتِجُون ويعلو شأنهم بسبب أفكارهم، وليس بسبب تَقَرُّبهم من سلطانٍ جائرٍ ظالمٍ.

 لا يتساوى الذين يَسْعَوْنَ إلى المعرفةِ، مع الذين يَسْعَوْنَ إلى باب السُّلطان. ففي الأول نرى رجالاً شجعانًا يُؤسِّسون ويبنون، ولا يُؤثرون السَّلامة، وفي الثاني نرى حاصدينَ للمالِ والشُّهرةِ الزائفةِ.

 في الأوَّلِ نرى عقولاً قَلِقَةً تُفَكِّرُ وتحلم بجمهوريةٍ فاضلةٍ، وفي الثاني نرى من يريدون التخلُّصَ من كل يدٍ تبني، وَعَقْلٍ يرى، وقلبٍ يُبْصِرُ، وقد رأينا أشكالاً شَتَّى للتخلُّص من الذين نختلفُ معهم تبدأُ بالنَّفي والإقصاء والحذف من الصُّورةِ، ولا تنتهي إلاَّ بالقَتْلِ بعد التكفيرِ، وإصدارِ فَتَاوى حتَّى يكون القَتْلُ مُبَرَّرًا، ومطابقًا للشريعةِ الإسلاميةِ من وجهةِ نظرهم الضيِّقةِ، والمُغْلَقَةِ، حيث يريدون أن يعيش الناسُ في جَوٍّ كُلُّهُ كَدَرٌ، واضطرابٌ، وضغينةٌ، وحقدٌ. فالإساءة عند هؤلاء أجدى من الإحسان، والتحريض طعامهم، واتهام الآخرين بالإلحادِ والزندقةِ والكُفرِ شرابهم، والقتل لديهم أيسر السبل للحوار والجدل.

 ففي جَوٍّ يكثرُ فيه التشكيكُ في العقائد، ويعمُّ الاضطرابُ، لا يمكن لفيلسوفٍ أو شاعرٍ أو صوفيٍّ أن يَشْتَغِلَ أو يكتبَ؛ إِذْ أَنَّ رُوحَه مُهَدَّدةٌ، وحياته قاب قوسين أَوْ أَدْنَى من القتل، الذي لَهُ صُورٌ شتَّى عِنْدَ أصحاب تيار الإسلام السياسي.

 ولا تتبدَّى معالم وهن وضعف وَسُقُوط وهزيمة وطنٍ إلاَّ مع استشراءِ التخوين والتكفير، وبثّ الفتن، وليس سقوط الأندلس ببعيدٍ عن أذهاننا، حيث تمَّ إفساح المجال أمام الفقهاء والمحدثين، الذين كانوا يدسُّون أنوفهم في كُلِّ أمر يخُصُّ دولتهم التي سرعان ما انهارت، وقد حاول كثيرون من فلاسفةِ ومفكِّري الأندلس أن ينقذوا الدولةَ من السُّقوط لكنَّ الوقت كان قد فات، ولا ينسى التاريخ ما تعرضوا له من عذاباتٍ وآلامٍ وقتلٍ، وحرقٍ لكتبهم ومنهم ابن باجه الذي قُتِلَ مسمومًا، وابن طفيل، وابن رشد وابن خلدون وابن حزم، ومالك بن وهيب الإشبيلي، الذي أَضْرَبَ عن إعمال ذِهْنِهِ، والتكلُّم في الصناعةِ الذهنيةِ “لِمَا لحقه من المطالبات في دمه بسببها”.

 ويا ويل أمةٍ ينتصرُ فيها أهل السَّلف على الفلاسفةِ، وينسحب المبدعونَ الخلاَّقونَ الأحرارُ من المشهدِ، مؤثرينَ السَّلامة، ذاهبينَ إلى سماء الصَّمت.

 فلا شىءَ ينهضُ إلاَّ بالنَّظر إليهِ، ومساءلتهِ، ونقدِهِ، وتقليب مسائلِهِ، وإعادة صَوْغِهِ، والإسهام في بنائِهِ، لأن “لكل مُتَحَرِّكٍ مُحَرِّكٌ” كما يقول أرسطو، وأن حُبَّ المرء الحر للحقيقةِ أعظم من أيِّ حُبٍّ آخر.

 لا أريد للفكر المثالي أن ينهزمَ في بلادي أمام اللِّحى، ولا أن يفشلَ الفلاسفةُ والشُّعراءُ والكُتَّابُ في النهوض بهذا الوطن، أمَام أفكار الرمال القاحلة العقيم، ولا أن ينعزلَ العَقْلُ في قوقعةِ الفراغِ الممتلئةِ بالترهاتِ وهوامشِ الأشياءِ، فلم يُضِع تقدُّم هذه الأمة إلاَّ انتشار كراسات الهوامشِ والشُّروحِ على أمهات المتونِ والمراجعِ، وتلك هزيمةٌ نكراءُ ما نزال نعاني منها لقرونٍ أخرى مقبلة.

 فمازلتُ أحلم بإنسانٍ كاملٍ في مُدنٍ لا مرئيةٍ، تكونُ تامَّةً لا نقصانَ فيها، هي الفاضلةُ، تتصالحُ فيها الفلسفةُ مع الواقعِ المعيش، وما وراء الأشياء مع الأشياء، وما وراء الطبيعةِ مع الطَّبيعة.

 أعرف أن كُلَّ إنسانٍ حُرٍّ يخلُق جمهوريته الفاضلةَ في ذاتِهِ، ويتحصَّن بجوهرِهِ، لكنَّه لا يريدُ أن يعيشَ غريبًا، أو متوحِّدًا، أو بعيدًا عن حُلم الجمهوريةِ الأسمى والأكمل والأتمّ لأهلهِ وناسهِ وعشيرتِهِ ومن لا يعرفُ من بشرٍ يشاركونه الحلم والجغرافيا والتاريخ، والولاء للهواء والماء والتراب والنَّار.

 فسعادة المفرد، تُؤدِّي – حتمًا- إلى سعادةِ المجموعِ في إطارِ فرحِ الجمهوريةِ بالتحقُّقِ و”صواب التدبير”.

 فلا تتأسَّسُ المدينةُ إلاَّ على العقلِ، وإنْ تأسَّست على غيرِهِ، فهي مدينةٌ جَاهِلةٌ، يسودُهَا التغلُّب (الديكتاتورية).

 وأنا – ومعي كُلُّ عقلٍ حُرٍّ- أحلُمُ بمدينةٍ جماعيةٍ (ديمقراطية)، تبتعدُ عن المدن الإمامية (الدينية، الكهنوتية،….)، يعلو فيها الفيلسوفُ على الإمام، أو المرشد، أو أهل السَّلف.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث