هموم فلسطينية على هامش النكبة

هموم فلسطينية على هامش النكبة

هموم فلسطينية على هامش النكبة

في الصيف الماضي، زار عائلتنا أصدقاء دراسة لوالدي قادمين من رام الله. “من فلسطين، من فلسطين” راحت أمي تردد بصوت مرتفع كأنها هي نفسها غير مصدقة. ذاك أن فلسطين، فهي ما نشاهده في نشرات الأخبار ونتحدث عنه في السياسة. أما أن تصبح فلسطين ضيفة في بيتنا، قادمة مباشرة من رام الله وليس من الاردن أو أحد مخيمات لبنان، فتلك معجزة نادرة!.

التقى طلاب الأمس بكثير من الضحك والدموع ونبش للذكريات واستعادة أسماء زملاء رحل بعضهم وتبوأ بعضهم الآخر مواقع قرار وقيادة… لا تخلو من شقق وسيارات وأرصدة في مصارف خارجية.

لم يطل الحديث عن الفساد. فذلك مما لا يرغب الأصدقاء في مواجهته، حتى إنهم لم يسموه باسمه أصلاً… كأنه “ذلك المرض” الذي أصاب قضيتهم في صميم رومنسيتها. اتفقوا على أنه “من مغريات السلطة” وكفى.

كيف هي الحياة في فلسطين؟ هل سيقدر لنا أن نزورها يوماً؟ تلك هواجس الأسئلة التي بدت اقرب إلى التطفل على حياة أشخاص غابوا 30 عاماً وعادوا ينكشفون ويتعرون أمام بعض الفضوليين. الإجابات بدورها لم تبتعد عن العادية والبداهة الا لجهة ارتباطها بـ “فلسطين” أو بالأحرى بصورة رسمناها وتعلقنا بها. فهي الممنوعة عنا، ليست في مخيلتنا مدرسة وبيتاً ومهنة وسوقاً، إنها فلسطين وكفى.

وهكذا، كلما ذكرت المرأة القادمة من رام الله مدينتها، أو الشارع الذي تقطن فيه، أعدناها إلى “فلسطين”. صوبنا وجهتها إلى ذلك الكل المتخيل والمستحيل.

إنها فلسطين المشتهاة بصفتها وحدة متماسكة، لا ضفة وقطاع وقرى ومدن. بل “فلسطين” القضية المجردة من أي هم دنيوي، والتي نشأت على حبها أجيال منكوبة بنكبتها. لكنها، مثل أمي، أجيال نشأت أيضاً على جهل فلسطين وناسها والتغاضي عن همومهم الصغيرة مقابل مطالبتهم، بالبقاء مجرد فكرة عن ذواتهم وصورة الأبطال التي نريدها لهم.

تحدثت المرأة القادمة من رام الله، كيف فعلت المستحيل لتستخرج جواز سفر لوالدتها المسنة والمقيمة في أحد مخيمات لبنان لتأخذها في زيارة لـ “فلسطين”.

ذهبت بها عبر الأردن ودارت معها في قرى الطفولة المهجورة، وأقامتا في منزل فسيح مع حديقة. فإذا بالوالدة، وبعد أقل من أسبوعين تطالب بالعودة إلى “الدار” وكانت تعني بيتها في المخيم. صعقت الابنة ولم تفهم كيف لمن أمضى عمراً يقتات على حلم العودة إلى دياره يطالب بالعودة إلى أزقة اللجوء حيث لا تدخل شمس ولا تصل مياه.

تلك أيضاً واحدة من نقاط سوء التفاهم المتبادل بين الفلسطينيين أنفسهم بين الداخل والشتات، بين من يعيش فلسطين ومن يحمل فلسطينه معه فيرفع لها شعار حق العودة لكنه يفصل ذلك الحق عن احتمالات تطبيقه وتحويله واقعاً معاشاً. فهذا بدوره مما تسره والدة عجوز لابنتها، وليس مما ترغب الأجيال في مواجهته. 

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث