بديع ونائلة

بديع ونائلة

بديع ونائلة

عدلي صادق

لعل من فوائد لغة “الإخوان” ومواقفهم، أنهم يضطرون كل من لديه ثقافة إسلامية متواضعة؛ لأن يصحح لهم شططهم وسماجتهم اللغوية والتعبيرية. وفي التصحيح يستفيد وينجو البسطاء ممن كانت لديهم القابلية لابتلاع الطُعم والوقوع في الخديعة!

 

اليوم، بات عزل مرسي، في لغة بديع الزمان الإخواني؛ أفدح وأشد إيلاماً من هدم الكعبة. فربما لم يكن “الأقصى” يكفيه. وبصراحة يحار واحدنا في كيفية التعليق على قول قطعي، بهذا القدر من المروق وقلة الأدب وشدة التعلق بمباهج الحكم ومقاصده: هل يركز واحدنا على الكعبة، وعلى فداحة اقتلاعها حجراً حجراً، أو ينشغل في مقارنة بين مرسي الذي لم يلق سوى العزل، وخليفة المسلمين الثالث عثمان بن عفان، الذي ذبحه معارضون (مصريون وعراقيون بتصنيفات هذه الأيام) فيما سُمي بـ “أولى الفتن” في التاريخ الإسلامي.

 

 وقد كان الرجل في الثانية والثمانين من عمره؟! فعلى كثرة ما قيل في الجريمة، لم يجرؤ وأحد على إرسال مثل هذه المقارنة الصادمة، بل حتى “نائلة” نفسها “بنت الفرافصة”، زوجة عثمان الأخيرة والأثيرة، لم تفكر في تشبيه الحدث المروّع، بأنه أكثر إيلاماً وأعمق فاجعة من هدم الكعبة.

 

ربما لو فعلت “نائلة” ذلك، لتَفهم المعاصرون مبالغتها، لأنها عاشت فيلم رعب تقشعر له الأبدان،  أبطاله مصاصو دماء، يتلطون بأقوال محاربة الفساد والمحسوبية والحق. فقد كانت تلك المليحة (التي ولدت مسيحية في كوفة العراق) تذود عن زوجها وتتلقى عنه ضربات السيوف، لتحمي الشابة زوجاً طاعناً في السن، إذ غلبت في خيارها، تجليات الوفاء والإيمان والتقوى، وواجب حماية الدار، علماً بأنها كانت في تلك اللحظات، زوجة لرجل، قطفت رياحين شبابه، قبلها، سبع زوجات، حتى انقطع ماؤه في عهدها، فيما “نارها” ما تزال تندلع!

 

الباسلة “نائلة” لا تنكسر ولا تهاب مواجهة السيوف. تزجر الرجال والولاة المترهلين لانعدام حميتهم. يُنتـزع خمارها عن رأسها وهي تقاتل. فيصرخ عثمان في لحظاته الأخيرة: “إن حُرمة شَعْرِك، أعظم عندي من دخولهم عليّ”.

 

تُقطع أصابع يديها الاثنتين بالتتابع، ثم يستقر في حِجرها رأس الخليفة أمير المؤمنين، بعد أن حَزَّهُ المارقون. تُغطيه بثوبها وبأصابعها المدماة، ويأتيها واحد منهم لكي تكشف عن وجه الميت ليصفعه. ولما تمكن من ذلك وهي في تلك الحال، صرخت في وجهه: يبَّسَ الله يدك وأعمى بصرك”!

 

لم تقل إن ما حدث، على فظاعته، أفدح من هدم الكعبة. قالت: إنني حزينةٌ، أُصبت بعظيم، وتذوقت ثُكلاً من عثمان بن عفان، ثالث الأركان من أصحاب رسول الله”.

 

 وعندما طالبت “نائلة” بالقصاص، وأرسلت الى معاوية في دمشق، قميص عثمان المُدمى الممزق، مع شعرات من ذقنه قصها الفاعلون، وأرسلت أصابع يديها المقطعة؛ لم تقل إن ما حدث أفدح من هدم الكعبة، مثلما قال بديع الذي ثُكل برئاسة مرسي لا بذبحه، وإنما ذكَّرت بالآية الكريمة من سورة الحجرات: “وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا، فأصلحوا بينهما، فإن بغت إحداهما على الأخرى، فقاتلوا التي تبغي حتى تفيىء الى أمر الله، فإن فاءت فأصلحوا بينهما وأقسطوا إن الله يجب المقُسطين”.

 

عملية قَصّ مرسي من الرئاسة، لا تساوي قص شعرة واحدة من تلك الشعرات الكريمات، التي قصها القتلة من ذقن عثمان فيما هم يحزّون رأسه.

 

لم يفكر إنسان مسلم، في مضاهاة هدم الكعبة بما جرى. و”نائلة” الأبية المؤمنة، لم يخطر لها على بال، زج الكعبة في محنتها، والمقارنة بين قيام البيت العتيق، وقيام زوجها في الحياة وفي الخلافة، مثلما يقارن بديع الزمان الإخواني، أهمية قيام مرسي في الرئاسة وفي الجماعة، بأهمية قيام بيت الله الحرام.

 

 ففي ذروة مقاومتها للتحدي وأثناء نزف دمها، أظهرت المرأة من الشجاعة ومن الحكمة ومن تقوى الله، في العمل والنطق والوصف؛ ما يضاهي حيثيات مليون “بديع” طوال حياتهم.

إن هذا وأتباعه، يفضحهم نُطقهم، لأن الكذب والتزيد، يرشحان من تعبيراتهم، بينما مثيلات “نائلة” يسترها قولها وتغطي الحكمة انكشاف شعرها.

 

أتباع بديع جعلوا حتى للموت عندهم قسمة، وجعلوا الضحايا المسلمين أصنافاً، وفرقوا بين قتيل وقتيل. إذ يُقال: “قتل المُصلين” و”قتل المتوضئين” وكأن قتل غير المصلين لا بأس به، أو كأن قتل الذين نقضوا أو افتقدوا وضوءهم، أخف ألماً وإثماً. لقد كانت تلك اللغة، تنطلي على المصريين في الثلاثينيات. ربما كان يدمع ويخشع لها السامعون: هدم الكعبة. قتل المصلين. مجاهدون متوضئون. قيامة الدين ونصرة رسول الله في الميادين.

 

إن أمر “الدعوة” اليوم، يقتضي تغيير عدة النَصب ولغته، لكي لا تسهل المقارنة بين أية “مظلمة” مهما كانت، وكارثة هدم الكعبة، ولكي لا يُهضم حق “نائلة” في مضاهاة قتل عثمان والتنكيل بجثته، بذلك الهدم الذي يستسهله “المُرشد” بديع الزمان الإخواني!

adlishaban@hotmail.com     

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث