فيلم “أفضل عرض” رؤية مختلفة للمخرج تورناتوري

فيلم "أفضل عرض" رؤية مختلفة للمخرج تورناتوري

فيلم “أفضل عرض” رؤية مختلفة للمخرج تورناتوري

القاهرة – (خاص) من سامر الحوراني

 

فيلم جديد لمخرج يملك سجلاً سينمائياً لا يستهان به إبداعياً، هو المخرج الإيطالي “جوزيبي تورناتوري” من مواليد 27 مايو 1956م، في جزيرة صقلية. 

 

 

الفيلم يحكي قصة السيد “فيرجل أولدمان” بائع المزاد العلني، والملم بالفنون وتقنيات الرسم وكيفية التمييز بين القطعة الفنية الأصلية، والأخرى المزورة. والذي لعب دوره الممثل الأسترالي “جيوفري راش”.

 

من مشهد افتتاحية الفيلم، ندخل عالم “أولدمان” حيث يكون في بيت قديم لإحدى السيدات، لتقييم القطع الفنية المتواجدة فيها، حين يتوقف فجأة وكأنه اشتم رائحة قطعة فنية غامضة، إذ يعثر على لوحة فنية غارقة بالعفن، فيقول لصاحبة البيت ” إذا كنتم لطفاء معي، سأكون سعيداً بتقبل هديتكم” ومن ثم يضيف ” تبدو وكأنها خشبة متعفنة غير صالحة، ولكن في هذا العفن، وقبل عدة قرون، لا بدَّ وأنها كانت لوحة”!

 

شخصية “أولدمان” هي شخصية الرجل الصارم والصلب، والعاشق للفن.

 

يبدأ المخرج بإدخالنا إلى الجانب الخفي، والغامض بشخصيته.

 

المخرج جوزيبي تورناتوري

 

حين يذهب للعشاء في المطعم، هذا المشهد بالذات، وهو ثالث مشهد في الفيلم، من المشاهد الغنية، والتي تخلق الأسئلة الكثيرة عند المشاهد لمعرفة من هذا الشخص.

 

يدخل المطعم وسط ترحيب من طاقمه. حالما يجلس، ويباشر في الطعام، يبدأ كل من في المطعم بإظهار تعابير الدهشة والريبة والتساؤل من هكذا شخص، رجل في العقد الثالث من عمره، يصبغ شعره، ولا ينزع قفازيه حتى أثناء الأكل، ويأتي لمطعم فاخر .. ليتعشى وحيداً.

 

نكتشف في المشهد التالي، الجانب العاطفي العميق والغريب لشخصية أولدمان، شخص لا يعرف الأنثى، إلا من خلال غرفة سرية في بيته مليئة بأهم اللوحات العالمية للنساء! 

 

تبدأ أحداث الفيلم عندما تتصل بـ “أولدمان” فتاة، وتطلب منه تقييم التحف التي تملكها في منزلها تمهيداً لبيعها في المزاد. 

 

هذه الفتاة “كلير” تعاني من مرض نفسي يدعى ” Agoraphobia” وهو مرض الخوف من الأماكن العامة، وغير المعروفة.

 

تثير الفتاة فضوله بشخصيتها الغامضة، كما تثير بداخله حالة من التعاطف لعزلتها المتواصلة في غرفتها.

 

حين يقع أولدمان في حبها تتغير كل شخصيته.

 

يبوح أولدمان لـصديقه” روبرت” بعلاقته مع كلير، لخبرة روبرت بعالم النساء أكثر منه، والذي عندما يُسأل عن سبب عدم زواجه يجيب بأن الاحترام الذي يكنه للنساء يساوي الخوف الذي يعانيه منهن ومن أن يفهمهن.

 

شخصية ” بيلي ” كانت الشخصية الخفية خلال مسيرة الفيلم. 

 

و”بيلي” هو الصديق الوحيد لـ”أولدمان” وهو المساعد الشخصي، ورجل الظل له.

 

لكن إشكالية “بيلي” أنّ أولدمان لم يعترف به كفنان تشكيلي.

 

لاحقاً، تتعافى “كلير” من مرضها وتذهب للعيش في بيت أولدمان حين يكشف لها سره، ويدخلها إلى غرفته السرية المليئة باللوحات الفنية العالمية التي جمعها طوال حياته. وبعدها يقرر أن يترك مهنة المزايدات ويعيش بقية حياته معها.

 

يسافر أولدمان لمدة يومين لحضور آخر مزاد له في لندن، ويعود ليكتشف أن” كلير” تركت البيت، ولم تترك له سوى لوحة رسمت لأمها كما ادّعت في بداية الفيلم .. يأخذ اللوحة ليضعها مع باقي اللوحات في غرفته السرية، ليصاب بالصدمة، وليكتشف أن اللوحات كلها قد تمت سرقتها، وأن اللوحة التي بين ييديه موقعة من قبل صديقه ” بيلي”.

 

في العودة للأحداث إلى الوراء نذكر المقهى المقابل لبيت كلير، الذي وقف أمامه” أولدمان” في أول موعد له مع كلير، والذي دخله سابقاً عدّة مرات.

 

وكان في كل مرة يدخل المقهى المقابل لبيت “كلير” يقترب من اكتشاف اللعبة التي تحاك له من دون أن يدري، لم يعط اهتماماً للمرأة المعاقة التي كانت جالسة على الدوام في المقهى، والتي سنكتشف في نهاية الفيلم أنها هي صاحبة هذا البيت. 

 

الممثل جيوفري راش

 

إحدى نقاط القوة في الفيلم، كانت في السيناريو، الحبكة المدروسة للأحداث، منذ بداية الفيلم، وتتالي الأحداث، كان هناك تفصيل غامض، نذكر هنا أول قطعة خردة من رجل آلي عثر عليه أولدمان عند “كلير” وكان ملقى على الأرض، بشكل يدعو للشك، إذ أنّ الجانب الملامس للأرض لم يتعرّض إلى الصدأ، وإنما الجانب الغير ملامس للأرض هو الذي تعرض للصدأ، وفي الحالة الطبيعية .. يجب أن يكون العكس !

 

النقطة الآخرى، هي عندما كان أولدمان في الزيارة الثانية للشقة، ليقوم بتقييم القطع الأثرية والفنية، يكتشف أن هناك تغييرات تحدث في المكان، ليسأل الحارس العجوز للشقة “هل هذا المكان مسكون؟”.

 

في نهاية الفيلم يدخل “أولدمان” المستشفى للعلاج من الصدمة التي أصابته جرّاء اللعبة التي انطلت عليه، لكنه حين يتعافى، يسافر إلى مدينة براغ” .. المدينة التي حدثته كلير عنها”، وبالذات مقهى يدعى” ليل ونهار” وكانت كلير تحب الجلوس فيه.

 

ينتهي الفيلم في دخول أولدمان المقهى ليجلس وحيداً، وحين يسأله النادل: هل أنت لوحدك، يصمت للحظات، وليجيبه : لا .. إنني انتظر أحداً.

 

فكرة الفيلم، كلها مبنية على التمييز بين الشيء الحقيقي، والشيء المزور في الفن، وفي الحياة، حتى الأشخاص، والأصدقاء، ونظرتنا للحياة، والمشاعر والأحاسيس الإنسانية الحقيقية والتي تبقى قيمتها مدى الحياة.

 

ظلّ “أولدمان” رغم كل شيء مؤمنا بفكرته التي تقول “هناك دائماً شيء حقيقي مخبأ في كل عمل مزور”. 

 

” عندما يقوم المزور بتقليد أعمال الآخرين، لا يستطيع مقاومة وضع لمسته الخاصة، غالباً يكون تفصيلا صغيرا لا يهم ضربة فرشاة غير متوقعة”.

 

“في كل عمل يخون نفسه، ويكشف شيئاً خاصاً من أحاسيسه”.

 

وأظن أن رهان ” فيرجل أولدمان ” كان على شيء قالته له ” كلير” ولم يدرك تفسيره بلحظتها:

 

“فيرجل ” إذا حصل أي شيء لنا .. أودك أن تعرف أني .. أحبك.

 

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث