فكرة إسبانية على أرض مصرية للغذاء الصحي

فكرة إسبانية على أرض مصرية للغذاء الصحي

فكرة إسبانية على أرض مصرية للغذاء الصحي

القاهرة- في ما يحاول الكثير من الشباب المصريين الهجرة إلى خارج مصر، جاءت الإسبانية، آسونثون مولينوس جوردو منذ ثلاثة أعوام، لتدشن فكرة جديدة، في قلب القاهرة، المدينة التي تضج بالعشوائيات والتشويش والفوضى.

 

الفكرة حالمة، ربما تكون محاولة للعودة إلى الطعام الصحي في عصر يعاني من التلوث وتضارب المعلومات في ما يخص الطعام ووسائل إنتاجه والحصول عليه.

 

ورغم أن مولينوس، اختارت لتنفيذ مشروعها منطقة “أرض اللواء” العشوائية والمزدحمة بالسكان، إلا أن التجاوب الملحوظ، من الأهالي والزوار الذين استقطبهم معرض “آرت اللوا”. وطيلة شهر نوفمبر، أعاد الأضواء لفكرة المنتج الصحي الذي يعود بالنفع على الإنسان بشكل عام.

 

 

 

“المطعم اللي مش مصري”. كان هذا عنوان المشروع الذي يدور حول مفاهيم الأمن الغذائي والاستقلال الغذائي في ما يخص المناطق العشوائية في القاهرة. المفارقة أن المشروع يطرح سؤالاً مهماً، وهو كيف أن مصر التي كانت تعرف بـ “لاحتياطي الغذائي للإمبراطورية الرومانية” أصبحت تعتمد الى حد كبير على الطعام المستورد؟.

 

النمط الغذائي

“خسرنا قد ايه من الأكل وبنقدم أيه للسوق العالمي من الأكل”، كان هذا الشعار الذي يزين مطعم مولينوس في الدكان بمساحة آرت اللوا، وتميز المطعم الصغير بشكل ومنظر المطاعم المحلية فى المنطقة الشعبية المعروفة. ويطرح هذا المشروع المسائل العديدة المؤدية الى أزمة الغذاء الحالية. التي أبرزها ضياع التربة الخصبة وارتفاع أسعار الطعام بشكل عام، وتأثيرهما على النمط الغذائي المصري.

 

واعتمدت مولينوس علي تمويل مشروعها من خلال جائزة تسلمتها من مؤسسة اسبانية تهتم للفنانين الذى يعتبرون في مرحلة وسطى من الشهرة، واختارت منطقة أرض اللواء، لأنها مثل غيرها من المناطق أقيمت بدون أي تخطيط حضاري أو بنية تحتية عامة مستبدلة التربة الخصبة بالمباني والأرض المرصوفة. ومن التناقض أن سكان هذه العشوائيات هم بشكل أساسي فلاحون تم نزعهم من أرضهم فأصبحوا غير قادرين على إعالة أنفسهم بواسطة ما تنتجه الأرض.

 

وقامت الإسبانية مولينوس، التي تعيش في القاهرة من 2009، بشراء محاصيل زراعية من أفضل الاماكن التي تقوم بتصدير المحاصيل المصرية إلي الخارج وتقوم بابتياعها بسعر زهيد يتراوح من 5-20 جنيه للوجبة كاملة. وبالرغم أن سعر الوجبة أقل بكثير من تكلفتها الحقيقية، كان هدف المطعم أن يدرك الناس الفوارق بين الطعام الصحي وغير الصحي والتوصل إلي حلول كثيرة ومن ثم الضغط على الحكومة من أجل تحسين سياسة الطعام المصري.

 

الدستور والزراعة

“مصر ليست دولة فقيرة”، هكذا أشارت المواطنة الإسبانية التي كان والدها وجدها من الفلاحين، مضيفة أن رؤوس الأموال والثورة تركزت في أيدى قلة و أن المصريين الآن في مرحلة كتابة الدستور. ولابد أن يفكر المسئولين في الأمور العامة التي تهم كافة الناس مثل الصحة والتعليم والزراعة، بدلاً من الانشغال بالأمور الشخصية مثل ارتداء النقاب من عدمه الذى يهم المرأة وحدها. وترى مولينوس أن دعوتها ليست مبادرة سياسية، هي لم تستطع التواصل مع الحكومة او المسؤولين، ولكنها تدرك أن المصريين لديهم الحل ولكن هناك تجاهل من قبل المسؤولين. 

 

وترفض مولينوس من يقول أن طريقة المرأة المصرية خاطئة. مؤكدة ان ” المرأة المصرية تعرف كيف تطبخ جيداً. ولكن المحاصيل والمحتويات الزراعية أصبحت تحتوى على كيماويات ومياه قليلة المستوى، وكل ذلك الإهمال يؤثر على جودة المحاصيل”. بالإضافة إلى أن مصر تنتج نوعين من المحاصيل أحداهما ذو جودة مرتفعة للتصدير العالمي، وآخر للاستخدام المحلي.

 

اهداف متنوعة

“تصور العلاقة بين الطريقة التي يتم بها إنتاج الطعام وتأثيره على الغذاء المصري”، بهذه الكلمات تشرح مولينوس هدف المشروع الرئيسي بشكل عام. مشيرة أن الأهداف الفرعية للمشروع تختلف من أسبوع إلي آخر طوال فترة العمل. مضيفة أن الهدف خلال الأسبوع الأول والثاني هو لفت الانتباه الى الاختلافات الجذرية بين الإنتاج المصري للأسواق المحلية والدولية.

 

وتتابع مولينوس، التي تطهو الطعام بنفسها بمساعدة بعض صديقاتها، بأنه خلال الأسبوع الاول من شهر نوفمبر تم جلب أفضل أصناف المنتجات المزروعة في مصر والمخصصة للسوق العالمي والتي نادراً ما تكون متاحة للسكان العاديين. أما في الأسبوع الثاني فطلبت من مجموعة من النساء أن تختار مكونات مناسبة لميزانيات بيوتهن ويتم على أساسها طهى أفضل الأطعمة الصحية الملائمة.

 

وبشان خطة العمل في الأسبوع الثالث، أوضحت مولينوس أنه سيتم استخدام المنتجات التي تنمو في التربة الخصبة في دائرة قطرها 200 متر مربع حول المطعم. وسيتم زيادة المنطقة المخصصة بمقدار 200 متر مربع يوميا حتى تصل الى كيلومتر واحد في اليوم الرابع من الأسبوع. موضحة أنه في الاغلب لن يجدوا شيئاً سوى الأعشاب البرية وأعقاب السجائر أو قطع العلكة التي تم التخلص منها. وتأمل مولينوس ان تجد حديقة صغيرة تشترى منها بعض الخضروات. وسيكون الأسبوع الرابع بمثابة تمرين في الزراعة التنقيبية. حيث مولينوس ستبحث عن الطعام تحت الأرض عبر القيام بسلسلة من الحملات التي نبدأها من المنطقة الواقعة خلف المطعم. وستتم هذه السلسلة من الحملات بمصاحبة مسح (للأعلى) مستكشفا أسطح الجيران حيث يربي الناس الدجاج والبط والأرانب والحمام للبيع والاستخدام المنزلي.

 

وبشأن هدف المشروع في الاسبوعين الثالث والرابع، أضافت مولينوس أن المطعم سيعمل بطريقة يمكن اطلاق لفظ “شبحية” عليها بما أننا سنكون نبحث عن الطعام في تربة خصبة لم تعد تزرع. وكأننا نعمل عبر “حركة غريزية” ورثناها من منطق الفلاحين الذي كان قيد الاستخدام حتى وقت قريب فأننا سنقوم بالمبادرة بسلسلة من النشاطات تثبت صعوبة الحصول على الموارد الأكثر أساسية: الترب الخصبة والماء.

 

الوطن أولاً

وتحولت الساحة أمام مطعم مولينوس إلى حلقات نقاشية تدور عن الأمن الغذائي المصري، وهناك من جاء من أجل انخفاض سعر الوجبات التي يقدمها المطعم رغم ان تكلفة الوجبة أكثر بكثير. ويقول أحمد تهامي، زائر للمطعم، ان هذا المطعم فتح لنا قضية الأمن الغذائي المصري مرة أخرى، ويجب علينا أن ننسي القضايا الفرعية التي ننشغل بها ونركز على القضايا المهمة التي تهم الوطن. واتفقت معه في الرأي، سمر محمود، كلية آداب، مضيفة أنها تتمنى ان يكون هناك مسؤولين مصريين وطنين ينشغلوا بالقضايا الداخلية كالأمن الغذائي دون البحث عن الشهرة ومصلحتهم.

 

يٌذكر أن آسونثون مولينوس جوردو فنانة أسبانية، عرض لها الكثير من الأعمال على نطاق واسع في إسبانيا من ضمنها Herreriano وCAB و La Fabrica، وتدرس حاليا كورس في الأنثروبولوجيا الثقافية والاجتماعية. وكان لها مشروع آخر في مصر كان المتحف الزراعي العالمي (WAM) ،وهو عمل تركيبي شبيه بالمتحف يعيد أنتاج جو المتحف الزراعي المصري القديم في القاهرة ولغته البصرية ويمثل مساحة من القضايا المعاصرة المتصلة بالهندسة الوراثية للطعام.

 

وبعد أن فتحت الفنانة الإسبانية قضية الأمن الغذائي المصري، بكل بساطة من خلال مشروع لا يتجاوز مساحته ال20 متراً. هل نجد مسؤولين مصريين ينفقون أموالهم ومكافآتهم في السؤال الذي لا يزال يزيّن جدران مطعم مولينوس؟

 

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث