ليبيا تكافح من أجل إزالة مخلفات الحرب من المتفجرات

ليبيا تكافح من أجل إزالة مخلفات الحرب من المتفجرات

ليبيا تكافح من أجل إزالة مخلفات الحرب من المتفجرات

 

طرابلس- تمكن الثوار الليبيون في حوالي ستة أشهر فقط من الإطاحة بنظام معمر القذافي الذي استمر 42 عاماً، ولكن بعد مرور حوالي عامين، مازالت جهود التصدي للآثار المترتبة عن هذا النزاع الأهلي مستمرة. 

 

إذ يعتبر الاستخدام الواسع النطاق للألغام الأرضية المضادة للأفراد والمركبات أحد موروثات هذا النزاع قصير الأجل. وطبقاً لما ذكره منعم عليوان، مدير المركز الليبي للأعمال المتعلقة بإزالة الألغام (LMAC)، فقد تم زرع عشرات الآلاف من الألغام الأرضية في العديد من المناطق في ليبيا من بينها بنغازي ومصراته والزاوية وسرت وزليتين والبريقة والجبل الغربي. 

 

وعلاوة على ذلك، اختفى ما يقرب من 100000 لغم من مخزونات القذافي في 2011، وفقًا لتصريحات أحد الخبراء الليبيين في مجال الألغام. 

 

وحسب المركز الليبي للأعمال المتعلقة بإزالة الألغام ومخلفات الحروب، وهو جهة حكومية مسؤولة عن تنسيق مكافحة الألغام لأغراض إنسانية، فقد تمت إزالة الألغام من 4639 “موقعاً” في ليبيا منذ بداية النزاع. وقد تمت إزالة أكثر من 500000 من مخلفات الحرب من المتفجرات التي تشمل الألغام الأرضية والقذائف والقنابل والصواريخ الموجهة، وفقًا لدائرة الأمم المتحدة للإجراءات المتعلقة بالألغام التي تعد الآن جزءاً من القسم الاستشاري للأسلحة والذخائر التابع لبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا. 

 

ولكن مازالت هناك مئات الآلاف من مخلفات الحرب من المتفجرات متبقية من النزاع الأخير ونزاعات أخرى سابقة. ويصعب تحديد حجم المشكلة، نظراً لعدم القيام بأي مسح على مستوى البلاد من قبل.

 

 

 

الوفيات 

تم الإبلاغ عن 108 حالة وفاة بين الليبيين منذ مارس 2011، فضلاً عن 161 حالة إصابة في 135 حادثة ناتجة عن مخلفات الحرب من المتفجرات، حسب دائرة الأمم المتحدة للإجراءات المتعلقة بالألغام. كما تم الإبلاغ عن عدد من حالات الوفاة تراوحت بين 10 و12 حالة بين المتطوعين الليبيين في مجال إزالة الألغام ومخلفات الحرب الأخرى من المتفجرات. وقد بدأ معدل الإصابات ينخفض – حيث تم تسجيل إصابتين فقط حتى الآن هذا العام – ولكن لايتم الإبلاغ دائماً عن جميع الحوادث، ولذلك من الممكن أن تكون الأرقام أعلى من ذلك بكثير. 

 

ويقول الخبراء أنه بخلاف الدول الأخرى الملوثة بمخلفات الحرب، فإن الخطر الأكبر على المدنيين في ليبيا ينبع من الذخائر غير المؤمنة التي يمكن أن تشكل الأساس لصناعة العبوات الناسفة الارتجالية (IEDs) التي بدأ مؤخراً استخدامها في ليبيا. وتجدر الإشارة إلى أن الجماعات المسلحة استولت على مخزونات الأسلحة والذخائر التابعة للحكومة الليبية أثناء النزاع، كما تم ترك العديد من الذخائر غير الصالحة للاستخدام الناجمة عن عمليات قصف قوات الناتو. 

 

واليوم، من المرجح وجود الملايين من قطع الذخيرة والأسلحة المتفجرة غير المؤمنة في ليبيا مما يجعل انتشار الأسلحة يشكل مصدر قلق كبير في البلاد. 

 

وحسب نداء الأمم المتحدة لعام 2013، الذي لخص الاحتياجات المالية للشركاء التنفيذيين في ليبيا العاملين في مجال إدارة الأسلحة ومشاريع إزالة الألغام، فإن “مكافحة الألغام تمثل الأولوية القصوى منذ عام 2011. كما أن جهود إدارة الأسلحة والذخائر تلقى اهتماماً متزايداً لأنها أساسية لضمان أمن ليبيا وجيرانها على المدى الطويل.”

 

 

 

ألغام تعود إلى الحرب العالمية الثانية 

 

في عام 2011، كانت الحكومة الليبية واحدة من الحكومات القلائل في العالم التي تزرع ألغام أرضية مضادة للأفراد كجزء من معركتها ضد انتفاضة شعبية. 

 

وقد ظهرت في نهاية مارس 2011 التقارير الأولى عن استخدام القوات الموالية للقذافي للألغام في شرق البلاد، ثم في منطقة جبال نفوسة في الشمال الغربي من ليبيا، وأخيراً حول طرابلس والمدن الساحلية في الغرب. 

 

وطبقاً لما ذكرته منظمة هيومن رايتس ووتش، تم استخدام خمسة أنواع من الألغام الأرضية من قبل قوات القذافي وهي: تاب 1 البرازيلية، وإم 3 وإم 3 إيه 1 البلجيكية، والنوع الصيني 72 إس بي المعدني إيه تي، والنوع 84 الصيني. 

 

وقد خلفت الغارات الجوية التي شنها حلف الناتو على القوات الموالية للقذافي مخلفات حرب من المتفجرات أيضاً تشمل القنابل التي لم تنفجر وصواريخ غراد وذخائر عنقودية من القذائف الصاروخية. 

 

وحتى قبل ذلك، كانت الأراضي الليبية ملوثة بالألغام الأرضية نتيجة للحملة العسكرية أثناء الحرب العالمية الثانية في شمال أفريقيا، ونتيجة للصراع مع مصر عام 1977، والحرب بين ليبيا وتشاد خلال الفترة من عام 1980 إلى 1987، خاصة في المناطق التي تقع على الحدود مع تشاد ومصر وتونس. 

 

وتقول التقارير التي تعود إلى عهد القذافي أن 6,749 شخصاً لقوا مصرعهم وأصيب 5096 آخرين بسبب الألغام الأرضية خلال الفترة من 1940 إلى 1995، حسب مجلة مكافحة الألغام. 

 

وعلى الرغم من استمرار أنشطة إزالة الألغام، فقد أشارت تقديرات وزارة الخارجية في عام 2003 إلى وجود ما لا يقل عن 15 مليون لغم أرضي مدفون في الأرض.

 

 

 

الزنتان 

أثناء نزاع عام 2011، تضررت المنطقة المحيطة بالزنتان في شمال غرب ليبيا – معقل الاحتجاجات المناهضة للقذافي – بشكل خاص من الألغام الأرضية، خصوصاً الجزء الشمالي من المدينة. 

 

وقد فقد وليد عمر تحية – وهو مقاتل ثوري من الزنتان – ساقه في يوليو 2011 عندما مرت سيارته فوق لغم أرضي، وهو الآن يستخدم ساقاً صناعية قام بتركيبها في سلوفينيا حيث تم علاج العديد من المقاتلين الليبيين بعد تعرضهم لعمليات بتر الأطراف. 

 

كما أصبح أطفال المدينة ضحايا لتلك الألغام، حيث فقد أحمد أبو قاسم اشتيوي البالغ من العمر 8 أعوام يده اليمنى في يوليو 2011 عندما اقترب من لغم أرضي مضاد للأفراد في الجزء الشمالي من المدينة. وبعد عام واحد، لقي علي مصطفى البالغ من العمر 10 سنوات مصرعه في نفس المنطقة، حسب عمر عبد السلام معتوق، المتحدث باسم المجلس المحلي. 

 

وقد وقعت غالبية الحوادث في مختلف أنحاء البلاد بسبب لعب أو عبث أطفال أو شباب بأغراض خطرة غالباً بدافع الفضول، ولكن مخلفات الحرب من المتفجرات يمكن أيضاً أن تصبح غير مستقرة لأسباب أخرى تشمل التغيرات في الطقس. ومن أجل الحد من الإصابات، تم تنفيذ حملات توعية في وسائل الإعلام والمدارس على نطاق واسع من أجل زيادة الوعي بالمخاطر.

 

 

 

إزالة الألغام بطريقة غير احترافية 

 

قال أحد عمال الإغاثة لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن الليبيين كانوا من البداية على دراية تامة بالخطر الذي تشكله مخلفات الحرب من المتفجرات، ولكنهم يفتقرون إلى المهارات اللازمة لإزالتها. وخلال الأشهر القليلة الأولى من النزاع، بدأ الثوار إزالة الألغام الأرضية لمنع سقوط ضحايا من المدنيين. وقد تم تشكيل أول مجموعة من الثوار المتطوعين في مايو 2011 في الزنتان، حيث كانوا يستخدمون فقط أجهزة الكشف عن المعادن وأيديهم العارية. 

 

وفي تصريح لشبكة الأنباء الإنسانية، قال عبد الحكيم رئيس الفريق المتطوع لإزالة الألغام في الزنتان أن “الزنتان تعرضت للهجوم من الجانب الشمالي وكانت المنطقة مليئة بالناس حتى أثناء القتال. ولقد اضطررنا للاستجابة الفورية للخطر الكبير الذي يتعرض له السكان المحليون.” 

 

ولقد تجمعت العديد من الفرق المتطوعة في نوفمبر 2011 فيما يعرف بالمركز الليبي للأعمال المتعلقة بإزالة الألغام. واستمر عملهم التطوعي منذ ذلك الحين على الرغم من أنه لا يخلو من الانتقادات التي تشمل الادعاء باستخدام اللاجئين الأفارقة في أنشطة المركز.

 

 

 

التحديات 

توجد عدة عوامل تعوق العمل في مجال مكافحة الألغام لأغراض إنسانية وإدارة الأسلحة والذخائر. وتشمل تلك العوامل التوترات بين وزارات الداخلية والخارجية والدفاع حول الجهة التي تتحمل مسؤولة عن هذا العمل. ويتمثل جزء من هذا التحدي في هيكل الإدارة المؤسسية الناشئ لهذا القطاع والذي يشمل كيانات حكومية مختلفة. وتشمل تلك الكيانات المركز الليبي للأعمال المتعلقة بإزالة الألغام الذي يعمل تحت إشراف وزارة الدفاع، وأفرع عديدة من الجيش الليبي، والدفاع الجوي الليبي، ووزارات الداخلية والخارجية والتعليم (التوعية بالمخاطر). ويحاول مكتب دعم اتخاذ القرار التابع لمكتب رئيس الوزراء أن ينشئ هيكلاً وطنياً لإدارة الأسلحة والذخائر وإزالة الألغام في ليبيا، ولكن هذه العملية تسير ببطء. 

 

وعندما انتهي النزاع الليبي، قامت الولايات المتحدة الأمريكية باستثمار “الجهود الأكبر … في التاريخ” لتعقب حوالي 20000 من أنظمة الصواريخ المضادة للطائرات المحمولة على الكتف والمعروفة باسم منظومات الدفاع الجوي المحمولة – التي يعتقد أن القذافي قام بتخزينها على مدار عقود من الزمان – خشية أن تقع في أيدي “الإرهابيين.” 

 

وقامت الولايات المتحدة أيضاً بتمويل المنظمات غير الحكومية التي تقوم بأعمال إزالة الألغام، ولكن كما اشتكى أحد عمال الإغاثة، كان التركيز واضحاً على منظومات الدفاع الجوي المحمولة وليس على التهديدات الأخرى ضد المدنيين والمتمثلة في مخلفات الأسلحة المتبقية. 

 

ولقد حاولت الجهود المبذولة من قبل دائرة الأمم المتحدة للإجراءات المتعلقة بالألغام والمنظمات غير الحكومية المعنية بإزالة الألغام أن تسد تلك الثغرة. وقامت العديد من المنظمات غير الحكومية – ومن بينها المجموعة الاستشارية للألغام (MAG) ومؤسسة سانتا باربرا ومنظمة هانديكاب إنترناشيونال ومنظمة دان تشيرش إيد والمجموعة الدنماركية لإزالة الألغام واللجنة الدولية للصليب الأحمر- بنشر فرق إزالة الألغام في ليبيا بعد الثورة كجزء من الفريق المشترك لتنسيق الإجراءات المتعلقة بالألغام. ولدى بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا تكليف محدد من مجلس الأمن الدولي بمساعدة الحكومة في التصدي لهذا التهديد. 

 

وفي تصريح لشبكة الأنباء الإنسانية، قال عليوان، مدير المركز الليبي للأعمال المتعلقة بإزالة الألغام، أنه كان حريصاً على أن توفر المنظمات غير الحكومية الدولية التدريب للسكان المحليين على المعايير الدولية لإزالة الألغام. كما تم ضم خبراء من الأمم المتحدة للمركز الليبي للأعمال المتعلقة بإزالة الألغام، وقامت المنظمات غير الحكومية بتدريب بعض الليبيين العاملين في إزالة الألغام، كما قامت اللجنة الدولية للصليب الأحمر بالاشتراك مع وزارة الصحة الليبية والهلال الأحمر الليبي بتدريب حوالي 120 طبيباً ليبياً على كيفية علاج الجروح التي تسببها الألغام وطلقات الرصاص والشظايا وغيرها من الأسلحة. 

 

ولكن القدرات المحلية على إزالة مخلفات الحرب من المتفجرات والتعامل مع الآثار المترتبة عليها لا تزال محدودة. فالمجموعة الواسعة من المتفجرات التي جمعتها حكومة القذافي على مدى أربعة عقود وتم استخدامها على نطاق واسع أثناء القتال عام 2011 تمثل تحدياً كبيراً حتى لخبراء إزالة الألغام. 

 

فقد فريد بافي، المتخصيص في إزالة الألغام الذي يعمل لدي منظمة دان تشيرش إيد، إحدى يديه في نوفمبر 2011، في حين لقي كايدو كيردو عامل إزالة الألغام الأستوني مصرعه في عام 2012. ووفقاً لمنظمة دان تشيرش إيد، فإن العاملين كانا يتعاملان مع لغم صيني (من النوع 84 من الذخائر المنثورة) الذي لم يتعامل معه أي من فرق إزالة الألغام في العالم من قبل.

 

 

 

نقص التمويل 

وعلى الرغم من أن الاحتياجات أكبر من ذلك بكثير، فقد قدمت الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية الشريكة نداءً لجمع 393 مليون دولار (وهو النداء الذي تم تنقيحه في يوليو بعد صدوره في شهر ديسمبر) لتمويل مجموعة متنوعة من المشاريع طوال عام 2013 لإدارة الأسلحة والذخائر والاستمرار في إزالة مخلفات الحرب من المتفجرات وتثقيف الناس بشأن الأخطار وعلاج ضحايا مخلفات الحرب من المتفجرات، وبناء القدرات المحلية وإجراء مسح شامل لحجم مشكلة مخلفات الحرب من المتفجرات للمرة الأولى. 

 

وتواجه تلك المنظمات حالياً عجزاً قيمته 19,7 مليون دولار. 

 

ويقول عمال إغاثة أن الجهات المانحة تعتبر إزالة الألغام مشكلة ينبغي على الحكومة الليبية الغنية بالنفط أن تكون في وضع يمكنها من دفع ثمن تكلفتها، ولكن الحكومة تشكو من أن ملايين الدولارات المجمدة منذ القذافي ليست متاحة للحكومة بشكل كامل بعد.

 

 

 

التطلع إلى الأمام 

من المرجح أن تظل ليبيا ملوثة بمخلفات الحرب من المتفجرات لسنوات عديدة قادمة.

 

وتقول وثيقة نداء الأمم المتحدة أن “الخطر الناجم عن الأسلحة والذخائر ومخلفات الحرب من المتفجرات الخارجة عن السيطرة في ليبيا تشكل خطراً ضخماً يتطلب تظافر الجهود لعقود قادمة ودعماً مالياً كبيراً تصل قيمته إلى مئات الملايين من الدولارات.” 

 

والجدير بالذكر أن ليبيا لم توقع في عهد القذافي على “معاهدة أوتاوا” لعام 1997 لحظر الألغام المضادة للأفراد، على الرغم من أنها أنشأت في عام 2005 البرنامج الوطني لإزالة الألغام واستصلاح الأراضي لتطهير المناطق المتضررة. 

 

وتدعو الآن بعض منظمات المجتمع المدني الليبية إلى تنفيذ المعاهدة على الرغم من أنها من غير المرجح أن تمثل أولوية عاجلة للحكومة الانتقالية الليبية. 

 

وإذا قامت ليبيا بالفعل بالتوقيع على المعاهدة، فستكون مطالبة بتدمير مخزونات الألغام المضادة للأفراد خلال أربعة أعوام وإزالة الألغام المضادة للأفراد من المناطق المتضررة خلال عقد من الزمان.

 

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث