الأزمة المصرية تكشف ضعف النفوذ الأمريكي

الأزمة المصرية تكشف ضعف النفوذ الأمريكي

الأزمة المصرية تكشف ضعف النفوذ الأمريكي

إرم – خاص

استنتج تقرير استراتيجي تناول مجريات الإحداث المصرية الأخيرة، أن الولايات المتحدة الأمريكية تخسر نفوذاً تاريخياً مارسته لعقود في المنطقة عامةً، ومصر خاصة. وأشار التقرير إلى أن هذه الخسارة  تجسدت في تراجع الهيبة والمكانة، وفقد القدرة على المناورة والتأثير والضغط، خاصة بعد انحياز الادارة الامريكية  السافر للإخوان المسلمين وجماعات الإسلام السياسي، التي تنظر لها معظم حكومات وشعوب المنطقة بعداء وعدم ثقة، لعلاقتها المباشرة بتهديد الأمن والاستقرار ، ونشر التطرف والإرهاب، وهي المهددات الرئيسة التي تحذرها المنطقة، المحاطة بالأعداء من كل جانب.

 

واستعرض التقرير ما خلص إليه مراقبون وباحثون ومحللون وسياسيون أمريكيون، الذين اشاروا إلى أن أقرب حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط  وهما (السعودية والإمارات) يسعون الآن لتقويض نفوذها في مصر، بتشجيع الجيش على المضي قدما في مواجهة جماعة الإخوان المسلمين، بما أسهم في تآكل النفوذ الأمريكي داخل القاهرة”. وأضافت “أن عددا من المسئولين الأمريكيين أعربوا عن استيائهم من موقف الحلفاء الإقليميين الخليجيين، رغم أنهم  استبعدوا أن يؤثر ذلك في مستوى العلاقات، لتعويل واشنطن بشدة على دورهم في عدة ملفات مهمة منها التعامل مع إيران، ومحاصرة تنظيم القاعدة، إلى بجانب احتواء الحرب الأهلية الدائرة في سوريا ودعم محادثات السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

 

ومن بين الذين وصلوا إلى هذه النتيجة السيناتور الأمريكي “جون ماكين” عضو مجلس الشيوخ الأمريكي، الذي قال ل CNN إن الإدارة الأمريكية فقدت أي نفوذ لها بمصر. كما ذهبت عدة صحف ومواقع اخبارية امريكية بنفس الاتجاه  ومنها صحيفة لوس أنجلوس تايمز التي  التي قالت بأن الربيع العربي الذي لم ينجح في جلب الديمقراطية، ، أكد على نحو واضح زيف الأوهام بحجم النفوذ الأمريكي على بعض الحكومات العربية التي كان الأمريكيون يظنونها تابعة لهم”. وتساءلت عما حل بنفوذ أمريكا كقوة عظمى، مشيرة إلى أنه إذا كان ثمة مؤسسة في العالم العربي يتوقع أن يظهر فيها النفوذ الأمريكي أكثر من غيرها فهي حكومة مصر التي تتلقى مساعدات أمريكية بقيمة 1.6 مليار دولار كل عام.

 

الشواهد على تراجع النفوذ

وعدد التقرير الشواهد على تراجع نفوذ الادارة الامريكية فذكر منها ردة فعل  الفريق السيسي  على الضغوط الامريكية والثقة التي أظهرها في هذا المجال حيث لم يصدر عنه أي إشارة تؤكد التفاته للتوصيات والنصائح الأمريكية التي وصلته مباشرة من أكثر من مسؤول في الإدارة على رأسهم الرئيس أوباما، وزيري دفاعه، وخارجيته.

 

كما أشار التقرير إلى اضطراب الإدارة الأمريكية، وعجزها عن اتخاذ أي موقف واضح، أو إصدار أي قرار حاسم، وتحاشيها توصيف الوضع بأنه انقلاب عسكري، واعتبر التقرير أيضا أن اصطفاف الدول الخليجية جميعاً ـ باستثناء قطر ـ صفاً قوياً دعماً للحكومة الانتقالية المصرية هو شاهد آخر على التراجع المشار إليه . وقال التقرير إن  السعودية ـ وهي الصديق الأوثق لواشنطن ـ أعلنت أنها ستعوض مصر عن أي أضرار ناتجة عن أي عقوبات أمريكية أو أوروبية.

 

وعدد التقرير بعض العوامل التي ساهمت في إبراز التراجع فذكر منها الخطأ الذي ارتكبته الادارة الامريكية بإعلان انحيازها التام للإسلام السياسي، وهماً منها بإنه تيار الاعتدال القادر على مواجهة التطرف، وأشار التقرير أيضا إلى فشل الإدارة الأمريكية في إقناع أصدقائها الخليجيين بوجهة نظرها بأهمية دعم نظام مرسي، وعدم استجابتهم لضغوطها، متخذين طريقاً مغايراً، وهو ما لم تتوقعه بل فوجئت به.

 

وقال التقرير إن بطء استجابةالإدارة الأمريكية على عزل الرئيس مرسي، نفر منها جميع أطراف الأزمة المصرية، وحد من قدرتها على التأثير على الفاعلين الرئيسيين، فيما تحرك الفاعلون إقليمياً، لمباركة التغيير، وسد الفراغ”. ووفقاً لما قاله آرون ديفيد ميلر الخبير الأمريكي في شؤون الشرق الأوسط فقد “وجه عدد من أعضاء الكونجرس الاتهام إلى إدارة باراك أوباما الذي كان إما متساهلاً مع الإخوان المسلمين، وإما ليس قوياً بما يكفي مع الجيش المصري.

 

واعتبر التقرير أن “محاباة السفيرة آن باترسون الصريحة للإخوان المسلمين، وتصريحاتها المثير للجدل، ساهمت في تجسيد الصورة السيئة للسياسة الأمريكية في المنطقة.

 

تضعضع العلاقة مع المؤسسة العسكرية المصرية

وأوضح التقرير أن الولايات المتحدة باتت لا تملك في علاقتها مع الجيش ما يمكنها من بسط نفوذها عليه، فإصرارها خلال السنوات الأخيرة على عدم تزويده بأنظمة التسليح الحديثة، وتراجع قيمة المعونة العسكرية، حد من قدرتها على التأثير ونقل التقرير عن جفري مارتيني، محلل شئون الشرق الأوسط بمؤسسة “راند” البحثية  قوله “إن تعليق المساعدات العسكرية لن يؤثر كثيرًا، على الجيش الذي يرى أنه في صراع حياة أو موت فداءً للوطن، بما يجعله غير مكترث بوضع أولويات الولايات المتحدة في الحسبان”.

 

وأشار التقرير كذلك إلى اضمحلال “القوة الشرائية للمساعدات المقدمة لمصر  التي تعادل اليوم نحو ثلث قيمتها عام 1986، وحسب إليوت أبرامز، نائب مستشار الأمن القومي للرئيس جورج دبليو بوش، الذي قال  لموقع (ذا ديلي بيست)  بأن  منح الدول الخليجية البالغة 13 مليار دولار تعادل أكثر من 10 أضعاف المساعدات الأمريكية. كما أشار التقرير إلى أن أمن إسرائيل لعب دورا في عدم الاكثراث بالتهديد الامريكي بقطع المساعدات وحسب  دانيال ليفي، مدير برنامج الشرق الأوسط في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، فإن  الفريق السيسى خلص إلى أن الولايات المتحدة “تهوّش” فقط ولن تجرؤ على تعليق المساعدات بسبب معاهدة السلام مع إسرائيل.

 

وأعطى التقرير صورة ايجابية عن مدى تماسك  الجبهة الداخلية المصرية ومساندة الجيش للإرادة الشعبية وانحيازه التام لها في مواجهة الإخوان المسلمين، وهي في غالبية مكوناتها معادية للولايات المتحدة،

 

وقال التقرير إن شخصية الفريق السيسي الذي تلقي معظم دراساته في أمريكا على وعي بطبيعة العقلية الأمريكية، ويجيد التعامل بالطريقة الاستعراضية الأمريكية، مما ساعده على توظيف الإعلام لنشر  قواته بسرعة وكثف استخدام المروحيات ووحدات القتال الخفيفة الأمر الذي أرهق البنتاجون، ليقر في تقرير له بصعوبة مجاراة ما يحدث على أرض مصر من نشر للقوات على مساحة مثل تلك المساحة وبهذا العدد، مع إحكام السيطرة ونسبت صحيفة وورلد تريبيون لمسئولين من أجهزة الاستخبارات الأمريكية، قولهم “إن تقييمنا لـ”السيسي” كان خاطئا، وهو الذي قضى سنوات في المدارس العسكرية الأمريكية، وأنه سيكون أكثر دعما للتعاون مع واشنطن من أسلافه، ولكنه قاوم الضغوط، كما أنه يعرف نقاط الضعف الأمريكي، فكان رد فعله أقسى بكثير من “مرسي” وسلفه “مبارك”.

 

البدائل والخيارات المتاحة لترميم العلاقة

وتناول التقرير أخيرا البدائل والخيارات المتاحة أمام الادارة الامريكية فذكر منها قبول الأمر الواقع والكف عن التلويح بقطع المساعدات، فللأمر عواقبه الوخيمة، أخطرها أن تندفع  مصر للبحث عن حلفاء جدد، وإلى تنويع مصادر التسليح والتدريب العسكري، إضافة إلى أن الغياب الأمريكي عن مصر يعني نفوذاً أمريكياً أقل في الشرق الأوسط بأسره، وإضراراً بالمصالح الأمريكية في المنطقة، وتهديداً لمعاهدة السلام مع إسرائيل، وهذا ما تخشاه بالفعل إدارة الرئيس باراك أوباما، وأثر على تعاملها مع الأزمة. ويذهب في نفس الاتجاه الخبير الأمريكي في شؤون الشرق الأوسط آرون ديفيد ميلر، الذي يرى أن العلاقة مع الجيش المصري في غاية الأهمية للمصالح الأمريكية، أولاً لأنه الممثل الوحيد الموثوق به نسبياً علي الساحة المصرية، وثانياً: لأن في الحفاظ على صفقات السلاح.

 

وأشار التقرير إلى ضرورة قيام واشنطن بتنفيذ  خارطة طريق جديدة لإعادة تطبيع العلاقة مع مصر ضماناً لأمن وأمان الشرق الأوسط، وحدد الخيارات المتاحة لواشنطن في هذا المجال بثلاث نقاط تشمل :

تعيين سفير جديد للقاهرة نظرا لأن آن باترسون قد فقدت مصداقيتها سواء داخل الحكومة المصرية أو خارجها.

ودعم المنظمات غير الحكومية، وزيادة التعاون في مجال التعليم (وهذا ما اعتمدته المجموعة الأوروبية في قرارها الأخير).

والمشاركة  في المزيد من التكنولوجيا العسكرية المتقدمة مع الجيش المصري والأجهزة الأمنية لمحاربة الخلايا الإرهابية في سيناء.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث