أموال الخليج تحمي اقتصاد مصر من الانهيار

أموال الخليج تحمي اقتصاد مصر من الانهيار

أموال الخليج تحمي اقتصاد مصر من الانهيار

القاهرة – وجهت الأزمة السياسية في مصر ضربة لآمال في إقالة الاقتصاد من عثرته بسرعة لكن مساعدات الحلفاء الخليجيين ستقي البلاد من الانهيار المالي على الأرجح.

 

وأدت مصادمات بين أنصار الرئيس الإسلامي المعزول محمد مرسي وقوات الأمن إلى مقتل ما لا يقل عن 830 شخصا منذ الأربعاء الماضي في أسوأ أحداث دموية في تاريخ مصر الحديث، وكانت الحكومة التي تولت مقاليد الحكم بعد الإطاحة بمرسي الشهر الماضي تأمل في إصلاح بيئة الأعمال وجذب استثمارات عبر تحسين الوضع الأمني وإزالة العقبات اللوجستية وضخ أموال جديدة. وكان ذلك كفيلا بخفض حدة التوترات الاجتماعية بتوفير الوظائف وتحسين مستوى المعيشة.

 

لكن أعمال العنف الأخيرة ربما أحبطت هذه الآمال لأشهر مقبلة على الأقل. وإذا استمر تدهور الأوضاع قد يتباطأ الاقتصاد بشكل أكبر عن نسبة النمو الهزيلة في الربع الأول هذا العام والتي بلغت 2.2 في المئة. وهذه النسبة لا تسمح بخفض البطالة التي بلغت نحو 13 في المئة حسب الأرقام الرسمية.

 

وقال سايمون كيتشن الخبير الاستراتيجي في بنك إي.اف.جي هيرمس “إذا شهدت إرهابا وتفجيرات على نطاق واسع فلن تتعافى السياحة أو الاستثمار الداخلي وستتواصل هجرة رؤوس الأموال”، لكن بعد خلع مرسي وعدت السعودية والكويت والإمارات مصر بمساعدات وقروض وشحنات وقود بإجمالي 12 مليار دولار. وصل من هذا المبلغ خمسة مليارات فعليا بسرعة غير معتادة تشي بالأهمية التي توليها دول الخليج لاستقرار مصر، وهذا يعني أن أزمة ميزان المدفوعات أو انهيار المالية العامة للدولة التي لاحت في عهد مرسي لم تعد واردة.

 

الفيصل يؤكد دعم مصر

وأشار الأمير سعود الفيصل وزير الخارجية السعودي الاثنين إلى أن السعودية أكبر مصدر للنفط الخام في العالم مستعدة لتقديم مليارات إضافية لمصر إذا لزم الأمر، وقال الفيصل “أما من أعلن وقف مساعدته لمصر أو يلوح بوقفها فإن الأمة العربية والاسلامية غنية بأبنائها وإمكانياتها ولن تتأخر عن تقديم يد العون لمصر”، ويتوقف كثير من الأمور على ما إذا كان الصدام بين الجيش والإسلاميين سيتطور إلى صراع مسلح. وحتى إذا لم يحدث ذلك فمن شأن أعمال العنف الأخيرة أن تضر الاقتصاد لأشهر مقبلة.

 

وقد لا تتعافى السياحة قبل العام المقبل على أحسن تقدير. وفي عام 2010 زار مصر 14.7 مليون سائح حسب بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. وفي أعقاب ثورة 2011 تراجع عدد السائحين إلى 9.5 مليون قبل أن يرتفع العدد إلى 11.2 مليون خلال 2012. وتسهم السياحة مباشرة بنحو سبعة في المئة من الناتج المحلي الإجمالي لمصر طبقا للهيئة العامة للاستعلامات، وعلى خلفية أعمال العنف الأخيرة علقت شركات سياحة أوروبية مجددا رحلاتها إلى مصر وحذرت الولايات المتحدة مواطنيها من السفر إلى مصر.

 

عودة الحياة للشركات الأجنبية

واستأنف مستثمرون أجانب كبار مثل جنرال موتورز وبي.ايه.اس.اف الألمانية للكيماويات والكترولوكس السويدية للأجهزة المنزلية أعمالهم جزئيا أو كليا في مصر هذا الأسبوع بعد إغلاق لعدة أيام، وستباشر هذه الشركات أعمالها على الأرجح إلا إذا تفجرت أعمال العنف على نطاق واسع لاحقا. لكن وجود درجة من الاضطرابات والتوترات السياسية ولو منخفضة في الأشهر المقبلة قد يضر بالاقتصاد بصورة غير جوهرية إذ قد يصبح المشترون الأجانب أكثر حذرا في التعامل مع الصادرات المصرية.

 

وقد تكون جهود وضع المالية العامة لمصر الهشة بشكل كارثي على طريق مستدام واحدة من ضحايا أعمال العنف الأخيرة. فقد ورثت الحكومة المدعومة من الجيش عجز موازنة بلغ 3.2 مليار دولار شهريا منذ يناير/كانون الثاني أي نحو نصف الإنفاق الحكومي، وتتوقع هذه الحكومة البقاء حتى مطلع العام المقبل فقط ليتم استبدالها بعد الانتخابات المقررة وبالتالي ليس لديها تفويض شعبي باتخاذ إجراءات كبيرة لتقليص عجز الموازنة. ومع انشغالها بالصراع مع الإخوان تقل قدرتها على الدفع باتجاه إصلاحات اقتصادية ذات حساسية سياسية على الأرجح.

 

وقال جون سفاكياناكيس رئيس قسم استراتيجيات الاستثمار بمجموعة ماسك السعودية “إذا تواصل العنف سيقل الدعم السياسي للحكومة باتجاه السيطرة على عجز الموازنة من خلال خفض الدعم”، لكن العجز عن إصلاح المالية العامة قد لا يصبح مشكلة كبيرة إن استطاعت مصر جذب موارد من دول الخليج الثرية المصدرة للنفط ومعظمها يرى أن سحق الإخوان المسلمين أولوية جيوسياسية لأنهم يرون في الجماعة تهديدا طويل الأمد لممالكهم.

 

وبلغ احتياطي النقد الأجنبي المصري 14.9 مليار دولار نهاية يونيو/حزيران قبل وصول أي من المساعدات الخليجية المعلنة في يوليو/تموز. وبدون تدفق المساعدات تراجع الاحتياطي بما بين مليار وملياري دولار شهريا. وبالتالي فقد تغطي هذه المعونات عجز الميزان الخارجي حتى مطلع 2014.

 

مساعدات خليجية معلنة

والمساعدات الخليجية المعلنة إلى الآن تغطي عجز الموازنة بضعة أشهر فقط. لكن الثقة الناتجة عن هذه المعونات تساعد الحكومة في تمويل القسم الآخر من العجز بالاقتراض. وتراجع العائد على أذون الخزانة الحكومية بعد خلع مرسي لكنه ارتفع مجددا بسبب أعمال العنف الأسبوع الماضي. لكنه يظل أقل بنقطتين مئويتين أو أكثر عن أعلى مستوى بلغه في عهد مرسي.

 

الأهم أن مصر تستطيع كما قال الأمير سعود الاعتماد على مليارات إضافية من الخليج إذا أدت أزمتها السياسية إلى هجرة جديدة لرؤوس الأموال أو تأجيل الانتقال للحكم المدني، وهذا كفيل بتعويض أي خسائر محتملة على مصر في حال قيام الاتحاد الأوروبي أو الولايات المتحدة بخفض المساعدات الاقتصادية والعسكرية للقاهرة اعتراضا على أحداث القتل.

 

وكان الاتحاد الأوروبي وهيئات مالية دولية وعدت مصر العام الماضي بمنح وقروض قيمتها خمسة مليارات يورو (6.7 مليار دولار) على عدة سنوات ولم تصل سوى نسبة هامشية من هذه الأموال وحجب الكثير منها بعد فشل القاهرة في تحقيق الإصلاح الديمقراطي. وتمنح واشنطن مصر سنويا مساعدات عسكرية قيمتها 1.3 مليار دولار ومساعدات اقتصادية 250 مليون دولار فقط.

 

قطر بعد الإخوان

وأنفقت قطر التي تتمتع بعلاقات جيدة مع الإخوان نحو أربعة في المئة من ناتجها الإجمالي لدعم مصر قبل سقوط مرسي. وتشير التقديرات الأولية إلى أن القاهرة قد تحصل على 40 مليار دولار أخرى فضلا عن التعهدات المعلنة الشهر الماضي إذا أرادت السعودية والإمارات والكويت تقديم مساعدات توازي المساعدات القطرية. وقد بلغ فائض الموازنة السعودية 103 مليارات دولار في عام 2012 وحده.

 

لكن حتى إن حدث ذلك فالاعتماد الضخم على المساعدات يمثل رهنا لمستقبل مصر لأن معظم هذه المساعدات قروض يتعين سدادها في نهاية الأمر، بيد أن هذه الأموال تمنح القاهرة مساحة للمناورة. وقال فريق التخطيط الاقتصادي بالحكومة الاثنين إن الحكومة ستعمل على جذب استثمارات أجنبية جديدة لاسيما من الدول العربية لتمويل الموازنة واستيراد السلع الأساسية.

 

ووعدت الحكومة بالإسراع في تفعيل الشراكات بين القطاعين العام والخاص خاصة في شق الطرق والصحة وبناء المستشفيات ومنح أولوية للمشاريع الاستثمارية التي تؤثر على الحياة اليومية للمواطن. وقد تجعل أموال الخليج من هذه المشروعات واقعا، وتبرهن مرونة البورصة المصرية على أن المساعدات الخليجية حافظت على آمال التعافي الاقتصادي. فرغم أن سوق الأسهم تراجعت أربعة في المئة تقريبا منذ اندلاع العنف الأسبوع الماضي فهي لا تزال مرتفعة 21 في المئة عن مستواها في يونيو/حزيران.

 

ومنذ الأسبوع الماضي اتسعت الفجوة بين السعر الرسمي للجنيه وسعره بالسوق السوداء أمام الدولار- والتي اختفت تقريبا في الأسابيع الأولى بعد عزل مرسي. لكن الفجوة تظل أقل من اثنين في المئة بينما وصلت إلى سبعة في المئة أو أكثر في عهد مرسي.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث