رواية “التائهون” لمعلوف تستعيد صفحات التيه اللبناني

رواية "التائهون" لمعلوف تستعيد صفحات التيه اللبناني

رواية “التائهون” لمعلوف تستعيد صفحات التيه اللبناني

 

أبو ظبي ـ (خاص) ابراهيم حاج عبدي

 

يعود الروائي اللبناني أمين معلوف إلى الماضي البعيد، إلى مطالع وأواسط سبعينات القرن المنصرم، إلى زمن التحولات والأحلام الكبرى ليسرد سير التائهين في الأرض عبر روايته “التائهون” الصادرة، مؤخرا، عن دار الفارابي، بيروت.

 

لبنان هو مسرح الرواية، وسيمثل، هنا، نموذجا لبلد كان يعيش ارهاصات معقدة عندما راح شبح الحرب الأهلية تطل برأسها قبل أكثر من ثلاثة عقود، فدبت الفرقة بين شلة الأصدقاء، أو “حلقة البيزنطيين”، بتعبير الرواية، الذين كانوا رفاقا في الجامعة، ويحلمون بتغيير العالم ويهتمون بالأدب والشعر والفلسفة والموسيقى. لكن القدر فرقهم، فذهب كل واحد منهم في طريقه الخاص.

 

بمهارته السردية اللافتة، يعرف معلوف، عضو الأكاديمية الفرنسية، كيف يخصص لكل شخصية حيزا من البوح والمكاشفة والاسترسال في ردهات الذاكرة لتعود إلى قصص الهجرات القسرية التي أفرغت لبنان من نخبه ورموزه وكتابه.

 

من الصعوبة بمكان اختزال الأفكار والسجالات والمواضيع التي تطرح لدى الحديث عن كل شخصية. في هذه النقاشات والحوارات المعمقة يخبو صوت الروائي ليعلو صوت المثقف الأكاديمي، والمؤرخ الرصين وهو ينظّر للعلاقة بين الشرق والغرب، وهل هي قائمة على الندية ام التسلط؟ ويتحدث عن نشوء دولة “اسرائيل” وما حل بالفلسطينين جراء ذلك، ويحاجج في إشكالية “الهويات القاتلة”، عنوان كتاب سابق لمعلوف، ودور الأديان والنزعات الطائفية والمذهبية الضيقة، ومعنى الأوطان ودلالات المنافي… مستخدما منطقا سليما لا يجزم بقدر ما يفكك المسلمات، ولا يلقّن بقدر ما يشكك في اليقين الجاهز المطمئن، فحقائق الأمس أضحت أوهاما في اللحظة الراهنة، وما اتفق بشأنه الأصدقاء في الماضي غدا اليوم مجرد ذكريات مشتتة؛ غائمة، ولعلهم عرفوا، بعد سنوات، أن ثمة فجوة واسعة بين الصورة الزاهية للعالم، الموضوعة بين دفتي كتاب، وبين الواقع القاتم.

 

وفي موازاة هذه الرؤى الفكرية والفلسفية المعمقة، ثمة، دائما، رهافة الروائي التي تطلعنا على الجوانب العاطفية الدافئة، وعلى لحظات الوجد والحنين والغرام والاغتراب، وتقرّبنا من حالات ومواقف إنسانية تختلس من الوقت ساعة صفاء تذوب معها كل الفوارق والاختلافات، وترفرف الأرواح، مرحا، في فضاءات الألفة والود والشغب الجميل.

 

بين تلك اللغة المعرفية الرفيعة وهذه الشاعرية الرقيقة، يمضي الفائز بجائزة غونكور الأدبية الرفيعة، في نسج شذرات حكايته، بل حكاياته التي تتشعب وتتفرع على نحو لا يستطيع ضبط ايقاعها سوى معلوف، هذا الروائي الشغوف بالدقة والأناة والاجتهاد الهادئ؛ المدروس. يذهب نحو الماضي البعيد ويعود الى الحاضر عبر انتقالات زمنية رشيقة تكسر تلك البنية الحكائية للرواية التقليدية.

 

إنه ينجز نصا خاصا عبر أسلوب، هو موضع تقدير بحد ذاته، يفصح عن مضمون، بل مضامين وتساؤلات تتصل بملامح هذا العالم المضطرب الذي يسير مترنحا نحو المجهول. عالم ارهقته الحروب والنزاعات والصراعات والثورات الخائبة… وما كان أولئك الاصدقاء سوى تلاميذ نجباء في مدرسة الحياة، رضخوا لخيارات شتى فتاهوا في الأرض، بيد ان مرض الحنين لا برء منه، فلماذا تكون شخصيات هذه الرواية استثناء؟

 

لن يصل بطل معلوف الى قناعة معينة، رغم كل الود الذي يبديه إزاء أصدقاء الأمس، وإزاء البلد، وإزاء الأمكنة والذكريات، ليعلن في مكاشفة وجدانية هامسة: “جميع العبارات الودودة التي يستحضرها قلمي هي قبلات موت”.

 

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث