زيارة الجربا لدرعا تدشن المنطقة العازلة

زيارة الجربا لدرعا تدشن المنطقة العازلة

عمّان ـ (خاص) من شاكر الجوهري

 

تزايدت مؤخرا حالات مقتل اردنيين داخل الأراضي السورية، وسقوط قذائف المدفعية السورية العائدة للجيش النظامي السوري داخل الأراضي الأردنية، وضبط محاولات تهريب أسلحة من الأراضي السورية، إلى داخل الأراضي الأردنية، بعكس ما هو مفترض.

 

وتزامن ذلك مع تطور علاقات الأردن مع الائتلاف الوطني السوري المعارض، الذي زار رئيسه أحمد الجربا العاصمة الأردنية عشية عيد الفطر، وتوجه منها إلى الأراضي السورية المحررة، لتفقد الوضع هناك.. وطلب أثناء التقائه ناصر جودة، وزير الخارجية الأردنية الموافقة على افتتاح مكتب تمثيلي للمعارضة في عمّان.

 

 

هل من رابط استراتيجي بين كل هذه التطورات الجزئية..؟

المنطق يؤكد ذلك..

وقبل الدخول في تفاصيل ما يبدو أنه تحول استراتيجي في الموقف الأردني، حيال مستقبل وتطورات الموقف في سوريا، فلنتوقف سريعا أمام ارتفاع عدد القتلى الأردنيين داخل الأراضي السورية، وعلى نحو باتت أخبار القتل، أو “الإستشهاد”، وفقا لوصف ذوي الضحايا، و”جبهة النصرة السلفية” التي ينخرط السلفيون الأردنيون في صفوفها..

خلال الأيام القليلة السابقة على عيد الفطر، أعلن “استشهاد” الأردنيين التالية اسماءهم، بحيث ندر أن لا يعلن عن استشهاد المزيد من الأردنيين في اي يوم من تلك الأيام:

محمد الغلبان (35 عاماً).

عمار محمد الرشدان الكلوب (32 عاما).

أمجد خليل علي الشيخ الزناتي.

محمد زكريا الخطيب.

محمد عبد الله محمد علي الزور.

حسين خضر.

هؤلاء قتلوا خلال الأيام القليلة التي سبقت عيد الفطر من شهر آب/اغسطس.

أما خلال شهر تموز/يوليو، فقد قتل 36 اردنيا داخل الأراضي السورية.

وبالطبع، فإن كل هؤلاء كانوا جميعهم يقاتلون في صفوف “جبهة النصرة”.. أي بمعدل قتيل (شهيد) كل يوم.

 

تواصل وأماكن التسلل

التسلل إلى داخل الأراضي السورية ليس بالأمر السهل، خاصة من الجانب الأردني، حيث أن الحدود مراقبة بواسطة أجهزة حديثة ومتطورة، تغطي كامل المناطق الحدودية بين البلدين، والتي يبلغ طولها أكثر من ثلاثمائة كيلو متر، تكشف للجهات الرقابية دخول أو حركة أي انسان أو حتى حيوان بري عبر الحدود..!

 

 

ومع ذلك يتواصل التسلل.. وتؤكد تقارير غير مشكوك في صدقيتها، أن عملية التطوع في صفوف “جبهة النصرة”، تجري بشكل شبه علني في عدد من المساجد الأردنية.. حيث يتم تسفير المتطوعين إلى تركيا، ومن هناك أصبح يتم التسلل إلى داخل الأراضي السورية، بعد أن كثرت حالات اعتراض الأمن الأردنية للمتسللين من الأردن إلى سوريا مباشرة.

 

ويتم تداول اسماء عدد من المساجد الأردنية يتم فيها التطوع للقتال في سوريا.. منها “مسجد مهاوش العبد اللات”.

 

ويتواجد في المسجد مسؤولون يراقبون المهتمين والمتحمسين ويلتقطونهم، حيث يتم دراسة مدى استعدادهم، ثم يتم بعدها نقلهم إلى إربد، حيث يلتزم بمساجد معينة هناك، ويبيت لدى شاب سوري هارب من مخيم الزعتري، حيث يقوم الشاب بدراسة وضع المرشح لـ “الجهاد”.

 

قذائف وتهريب اسلحة سورية للأردن

في المقابل، يتوالى سقوط القذائف السورية داخل الأراضي الأردنية، وإن ندر تسببها بسقوط ضحايا، كما يصعب الإعتقاد بوجود تقصد في ارسالها إلى الدخل الأردني.

لكن الظاهرة الأبرز هي ارتفاع وتيرة محاولات تهريب الأسلحة من سوريا إلى الأردن.

في الثاني من آب/اغسطس الجاري، أعلن أنه تم ضبط كمية كبيرة من الأسلحة والمخدرات قادمة من سوريا، وذلك على يدي قوات حرس الحدود في المنطقة الشمالية.

وقد شملت المضبوطات كمية كبيرة من الاسلحة الفردية والاتوماتيكية والذخائر والحبوب المخدرة. وتم توقيف سبعة اشخاص في هذه القضية.

وفي الثامن من ذات الشهر (اليوم السابق على عيد الفطر)، أعلن عن قبض قوات حرس الحدود في المنطقة الشمالية على شخصين سوريي الجنسية اثناء محاولتهما ادخال كمية كبيرة من الأسلحة الرشاشة إلى الاردن قادمين من سوريا.

وقد تم تسليم المتهمين في الحالتين إلى جهات امنية مختصة للتوسع في التحقيق معهم ومعرفة فيما اذا كانت هناك أية اتصالات بينهم وبين آخرين في الأردن لإتمام عملية ادخال تلك الأسلحة، وما هي الغاية والأسباب التي دفعتهم إلى ادخالها للاردن.

وفي اليوم التالي تم القبض على عدد آخر من الأشخاص يحاولون تهريب الأسلحة والمخدرات من سوريا للأردن.

الذين يضبطون اثناء محاولتهم التسلل من الأردنيين إلى داخل الأراضي السورية بغرض الإلتحاق بالثورة السورية، يحالون إلى محكمة أمن الدولة، التي تحكمهم عادة بالحبس لخمسة عشر سنة، مخفضة إلى النصف.

 

زيارة الجربا لعمّان

ولم يعلن حدوث أي تغيير على ذلك بعد.. على الرغم من التطور الإيجابي في علاقة الأردن مع الإئتلاف الوطني السوري المعارض، وهو الواجهة السياسية للثورة السورية المسلحة.

يوم الإربعاء الماضي، وعشية عيد الفطر، الذي صادف يوم الخميس التالي، أعلن في عمان رسميا أن أحمد الجربا، الرئيس الجديد للإئتلاف، المقرب من السعودية التقى في عمان ناصر جودة، وزير الخارجية الأردني، في مكتبه بوزارة الخارجية.

بعد ساعات قليلة من هذا اللقاء.. وتحديدا في منتصف ليلة الإربعاء/الخميس، كان الجربا يقطع الحدود إلى داخل اراض سورية تخضع للثوار في محافظة درعا، حيث جال في المحافظة برفقة العقيد أحمد فهد النعمة، رئيس المجلس العسكري في درعا.

هل يعقل أن تتم هذه الزيارة دون معرفة وموافقة السلطات الأردنية، التي توجه الجربا للأراضي السورية منها، وعاد إليها..؟!

وقد رافقت، أو سبقت الجربا شاحنات نقلت كميات كبيرة من الطرود التي تحوي مواد غذائية جرى توزيعها بحضوره على الأهالي الذين يعانون الحصار من قبل النظام.

المؤكد أن اللقاء الذي تم مع جودة، تطرق إلى اللمسات الأخيرة لهذه الزيارة..

 

نتائج وأبعاد الزيارة

المعلن عما جرى في اللقاء جاء فيه:

أولا: أكد جودة موقف الأردن بقيادة الملك عبدالله الثاني، الداعي إلى أهمية التوصل إلى حل سياسي يضع حدا للعنف ويوقف نزيف الدم ويحفظ كرامة الشعب السوري، ويضمن أمن سوريا وأمانها ووحدة ترابها بمشاركة كافة مكونات الشعب السوري.

وأشار جودة إلى أن الأردن مستمر بتوجيهات ملكية في رعاية الاشقاء السوريين وتوفير الملاذ الآمن لهم والخدمات اللازمة بالرغم من الاوضاع الاقتصادية التي يمر بها الاردن، انطلاقا من دور الاردن التاريخي في خدمة الاشقاء، معربا عن أمله بأن تنتهي هذه الازمة بأقرب وقت ممكن ويتمكن السوريون من العودة إلى وطنهم.

ثانيا: الجربا عبر بدوره عن امتنان السوريين جميعا  لكرم الضيافة وحسن الجوار من قبل الأردن والأردنيين، بخاصة في هذه الظروف الإقتصادية الصعبة التي يمر بها الإقتصاد الاردني، مؤكدا تقديرهم للملك وحكمته للوصول إلى حل سياسي يحقن دماء السوريين ويلبي طموحاتهم المشروعة، مشيرا الى عمق العلاقات التي تربط الشعبين الشقيقين الأردني والسوري وتميزها على مر العقود.

ثالثا: أعلن الائتلاف الوطني السوري أنه يسعى إلى فتح مكتب تمثيل رسمي له في عمان يعنى بالعلاقات السياسية وشؤون اللاجئين السوريين الذين تجاوز عددهم في المملكة نصف مليون لاجىء.

وكشفت عضو الائتلاف ريما فليحان، أن الجربا “أجرى خلال زيارته الأخيرة لعمان محادثات مع المسؤولين سعيا لفتح مكتب تمثيل رسمي للإئتلاف فيها يعنى بالشؤون السياسية والعلاقات وشؤون اللاجئين”.. مشيرة إلى أنه “حتى الآن لا جديد على هذا الصعيد”.

 

تدشين الشريط الحدودي الآمن

يلفت النظر في هذا المقام ما يلي:

أولا: توافق الجربا وجودة على “أهمية التوصل إلى حل سياسي يضع حدا للعنف ويوقف نزيف الدم ويحفظ كرامة الشعب السوري، ويضمن أمن سوريا وأمانها ووحدة ترابها بمشاركة كافة مكونات الشعب السوري”..

وهو الأمر المحال التوصل إليه بوجود نظام بشار الأسد..!

ثانيا: تجاهل الخبر الرسمي الذي صدر عن اللقاء، سواء على لسان جودة أو الجربا، أي ذكر لـ الأسد..! خاصة حين تحدثهما عن مختلف مكونات الشعب السوري..

إذا هو حل سياسي يستثني نظام الأسد.. وهو حل سياسي يترتب على انتصار الجيش الحر، ويستثني “جبهة النصرة”..!

ثالثا: أن القوات الأردنية سهلت ووفرت الحماية للجربا، على الأقل حين توجهه من الأراضي الأردنية إلى الأراضي السورية، ولدى عودته منها للأردن..

الشريط الحدودي الآمن، أصبح قائما على هذا النحو أو ذاك..

رابعا: تزامن وترابط الموقف الأردني الجديد مع التوافق الأردني ـ السعودي بشأن الملف المصري.

لقد كان الملك عبد الله رئيس الدولة الوحيد الذي زار القاهرة مهنئا بتنحية الجيش للرئيس محمد مرسي.. على المستويين العربي والدولي.

ويستنتج من ذلك، أن الشريط الحدودي الآمن، بين الأردن وسوريا، سيكون آمنا للجيش الحر، وغير آمن لـ “جبهة النصرة”..!

خامسا: إن الأردن لا يمكن أن يتورط في خطوة أولى على طريق العداء العملي المعلن، اتجاه النظام السوري دون أن يكون واثقا من تتالي الخطوات اللاحقة حتى النهاية من قبل الأطراف الإقليمية والدولية الفاعلة.. ذلك أنه غير مؤهل لأسباب ذاتية، واقليمية لمغامرة طويلة الأمد.. تتمثل اساسا في معادلته الداخلية، المؤهلة للإنقسام الخطر.

سادسا: إن الإنحياز الأردني إلى المشروع السعودي يستند إلى جملة عوامل:

 

أولا الرغبة القوية في أن يشكل الأردن أحد لبنات تيار الإعتدال الجديد في العالم العربي.. لأسباب سياسية واقتصادية معا.

أن هذا التيار معني بتحقيق تسوية نهائية سريعة للقضية الفلسطينية.. والأردن معني بهذا أيضا.

بدء تغير الموقف الأميركي حيال الأزمة السورية، بعد أن دمرت سوريا على نحو يجعلها بحاجة إلى عقود قبل أن تتمكن من معاودة الوقوف على ارجلها.

تعبيرا عن ذلك، اعتبر الرجل الثاني في وكالة الاستخبارات المركزية “سي آي ايه CIA” مايكل موريل في حديث لصحيفة “وول ستريت جورنال” مؤخرا أن الحرب الأهلية في سوريا وتفاقمها أكبر تهديد على أمن الولايات المتحدة.. كونها “على الأرجح أكبر مشكلة في العالم اليوم بسبب المنحى الذي تأخذه الحرب فيها”.

ويفصل موريل أكثر قائلا الخطر هو أن يتجاوز النزاع حدود سوريا، أو أن ينهار نظام الرئيس بشار الأسد وتتحول البلاد إلى ملجأ جديد للقاعدة..

لذا، فإن واشنطن لا بد أن تنظر إلى ضرورة احتواء تنظيم القاعدة قبل أن تترسخ جذوره في سوريا، وهذا لا يمكن أن يتم بغير طريقة واحدة، تعجيل سقوط نظام الأسد، استنادا للجيش الحر، الذي سيتولى تصفية وجود “القاعدة” على التراب السوري.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث