الشرق الأوسط: حرب الأوهام.. مصر ليست ثورة ثانية

الشرق الأوسط: حرب الأوهام.. مصر ليست ثورة ثانية

الشرق الأوسط: حرب الأوهام.. مصر ليست ثورة ثانية

ويضيف الكاتب لقد وهم الكثيرون حين اعتبروا ما جرى في مصر مع حركة الضباط الأحرار في 1952 ثورة، بينما لم تعدُ أن كانت انقلابا عسكريا خلق مرحلة جديدة بمصر بعد الملكية، والمشاحة في التوصيف أمرٌ تلح به وتدفع إليه النتائج التي يؤدي إليها والتصورات التي يبنى عليها.

 

وشتان بين الوعي بالواقع وبأحداثه ونماذجه المتجددة دائما وأبدا وبين الاقتصار على استجرار ماض مختلف لأمة مختلفة ومحاولات إسقاطه على واقعنا الحالي وإن تعسفا، ذلك أن الاعتماد على التشبيه وحده سهلٌ ميسورٌ لا يتطلب بحثا وتتبعا ودراسة وتمحيصا كما ينبغي لأحداث كبرى تشهدها المنطقة.

 

كما توقّع كاتب هذه السطور وغيره منذ أحداث 30 يونيو (حزيران) فقد اتجهت جماعة الإخوان المسلمين إلى التصعيد والعنف الذي تحدثت عنه بعض التقارير الدولية، وكذلك الحقوقية داخل مصر، وقد تناقلت بعض القنوات ومواقع التواصل الاجتماعي عشرات المقاطع التي تؤكد بما لا يدع مجالا للشك إمعان الجماعة في استخدام العنف مع سبق الإصرار والترصد بمعنى أنه منهجٌ معتمدٌ وليس حوادث عابرة أو أخطاء فردية.

 

يريد البعض القابل للانخداع غالبا أن يصدق الناس أن جماعة الإخوان المسلمين قد تخلّت عن العنف نهائيا وهذا حديث الأماني لا الحقائق والوقائع والأحداث، ففضلا عن الأحداث المصورة صوتا وصورة والتي تعج بها القنوات ومواقع التواصل الاجتماعي المشار لها أعلاه، فإن الجماعة لم تتبرأ يوما من جرائمها السابقة.

 

إن من قتلتهم واغتالتهم الجماعة بشرٌ معروفون ومواطنون مصريون وبعضهم كانوا مسؤولين كبارا، منهم رؤساء وزراء وقضاة، بل بعضهم كان من أفراد الجماعة وتمّت تصفيته عند اختلافه معها، والجرائم بحق هؤلاء جميعا ليست من صنع فرد بل جماعة، فهي بالتالي مدينةٌ باعتذار عن جرائمها لأسر الضحايا المغدورين وللشعب المصري كلّه، ولا يجوز أن يمرّ الأمر على طريقة قلب الصفحة والبدء من جديد وكأن شيئا لم يكن.

 

يريد هذا البعض من الجميع تصديق الجماعة حين تتغنّى بالديمقراطية وتتحدث عن المشاركة السياسية وتهتف بالسلمية وهي تخزّن الأسلحة في رابعة العدوية وغيرها، وكأن قول الجماعة هو الحكم الفصل الذي ينهي كل نزاع أو خلاف، لكن كثرة من دارسي تاريخ الجماعة القديم والحديث لا يرون أي صدقية لادعاءاتها هذه، ويكفي هنا استحضار مواقف الجماعة منذ مطلع 2011 وحتى اليوم بما فيها سنةٌ كاملةٌ في الحكم ليعلم أنها أبعد ما تكون عن الصدق، في وعودها السياسية كما في خطاباتها العامة، فكيف يمكن لأي تحليل يراد به الجدية أن يكتفي بتصديق ما تقوله الجماعة من دون تدقيق وتمحيص، ونقد وتصحيح.

 

مصر مقبلةٌ على أيام شداد تختار فيها بين المضي نحو خارطة المستقبل وبين الوقوع في وحول العنف الذي تسعى إليه جماعة الإخوان وتحث عليه كوادرها وحلفاؤها من الجماعة الإسلامية، هذه الجماعة التي مجّد قياداتها قتلة السادات على مرأى ومسمع من قيادات الإخوان واعتبروهم شهداء أبرارا لا مجرمين قتلة.

 

تعتمد الجماعة في مواجهتها مع الدولة والشعب المصري على حرب الأوهام التي تخلقها لدى أتباعها في داخل مصر وفي خارجها، وهي تعتمد على الاستراتيجية التي تقول اكذب واكذب حتى يصدقك الناس.

 

من يراقب المواقف المتباينة تجاه ما يجري في مصر اليوم يكتشف أن بعض المنتسبين للنخبة من مثقفين وإعلاميين ونحوهم بحاجة إلى أن يقرأوا أكثر في تاريخ الجماعة وخطابها، وإن أعياهم ذلك فيمكنهم الاستعانة ببعض الكتابات التي أصدرها منشقون عن الجماعة ليعرف مدى خطورتها وخطورة تنظيماتها والآليات شديدة الديكتاتورية التي تدار من خلالها.

 

إن الذين يسيطرون على مقاليد القرار في قيادة الجماعة هم من الصقور المتطرفين وبعضهم سجن مع سيد قطب منتصف الستينات في تنظيمه الذي كان يهدف لقلب نظام الحكم بالقوة المسلحة، وبعض رموزهم الذين يحاولون أن يصنعوا منه «مانديلا» يحفظ عن ظهر قلب أخطر كتب سيد قطب «معالم في الطريق» بكل ما يحمله ذلك من دلالات التطرف والإقصاء.

 

إن واحدة من عناصر حرب الأوهام التي تعتمد عليها الجماعة هي حرب الإشاعات، فهي تطلق الإشاعات ضد الحكم الجديد بمصر بلا عد ولا حصر، وتهاجم الفرقاء السياسيين وتحاول تشويه الجيش، وتغمز من قناة مؤسسة الأزهر وتطلق تصريحات دينية معادية للكنيسة القبطية وللأقباط عموما، وهي تقول بكل وضوح من لم يكن معي فهو ضدي، وتحارب كل خصومها على هذا الأساس.

 

ومن عناصر حرب الأوهام التي تستخدمها جماعة الإخوان خطاب الخرافة، وهو خطاب لطالما برعت فيه الجماعة، وهو خطاب يعتمد على الأحلام والكرامات وأحاديث آخر الزمان، وهم يخلطون هذه الثلاث في خلطة تقنع أتباعهم وتؤثر على بعض العامة، فجبريل يتنزل عليهم في تقاطع «رابعة العدوية» والرسول الكريم يصلي خلف الرئيس المعزول، وهم مجددو الزمان وحاملو راية الإسلام، ومثل هذه الخزعبلات التي تنطلي على قليلي العقل مزجي البضاعة من العلم والفهم.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث