مكافحة السوق السوداء كابوس للتبغ الفلسطيني

التبغ الفلسطيني يعاني من السوق السوداء

مكافحة السوق السوداء كابوس للتبغ الفلسطيني

تتيح زراعة التبغ في فلسطين فرص عمل لعدة أسر بأكملها وتساهم في تقليص معدلات البطالة والفقر.

 

غير أن الضغوط تتزايد على هذه الصناعة. ذلك أن إنتاج التبغ وغيره من مكونات الاقتصاد الريفي التي ظلت فترة طويلة خارج دائرة النظم الحكومية الرسمية صار محل اهتمام من السلطة الفلسطينية في وقت تسعى فيه لتعزيز إيراداتها وتخفيف عبء الديون التي تثقل كاهلها.

 

وفي الأشهر الماضية بدأت السلطة الفلسطينية في اتخاذ إجراءات صارمة بحق الفلاحين الذين يعملون على تعبئة وبيع السجائر الملفوفة يدوياً في القرى واتهمتهم بالتهريب بل إنها بدأت في إلقاء القبض على بعض العاملين بهذه الصناعة.

 

وتشدد الحكومة على أن بناء اقتصاد حديث يعتمد على سيادة القانون لكن معارضيها يقولون إن الخطوات الرامية للقضاء على تجارة السوق السوداء هي مثال آخر على عدم تنفيذ السلطة الفلسطينية لسياسات تحمي الوظائف وتساعد على انتشال الفلسطينيين من براثن الفقر.

 

وقال المزارع محمد عمارنة (65 عاماً) “انتصرنا على البطالة” مضيفاً أن زراعة التبغ قضت على البطالة تقريباً في عدد من القرى المحلية.

 

وشكا عمارنة من أن “الحكومة لم توفر لنا أي بديل لهذا العمل ومن ثم (فإن هذه هي الطريقة الوحيدة لكي) نستطيع أن نحيا حياة طبيعية كريمة”.

 

وكافح رئيس الوزراء الفلسطيني السابق سلام فياض – الذي ترك منصبه هذا الشهر – لمواجهة معدلي الفقر والبطالة المتزايدين اللذين بلغ كل منهما نحو 25 بالمئة. واستقال فياض بعد شكاوى واسعة النطاق من سياساته الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة.

 

وجرى تشكيل حكومة جديدة بالفعل. وفي مؤتمر صحفي عقد مؤخراً وصف محمد مطصفى نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية التحديات الاجتماعية بأنها مروعة للغاية.

 

وقال “ستعمل الحكومة على مراجعة السياسة الاقتصادية في اتجاهين… الأول تحسين مستوى حياة المواطنين ولا بد من مراجعة السياسة المالية وتطوير البيئة الاستثمارية وإقامة مشاريع تخلق فرص عمل”.

 

وأضاف مصطفى أن السلطة الفلسطينية ستعزز إيراداتها بالحصول على المساعدات المالية التي تعهدت بعض الدول بتقديمها وتحصيل الضرائب.

 

لكنه أقر بأن 70 بالمئة من إيرادات السلطة الفلسطينية تأتي من مصادر لا تستطيع السيطرة عليها سواء من الخارج أو على حدودها التي تجمع فيها إسرائيل الرسوم الجمركية نيابة عنها. وأوقفت إسرائيل تحويل الرسوم في أوقات خلافها مع الحكومة الفلسطينية.

 

وتسعى السلطة الفلسطينية منذ سنوات لإنشاء مؤسسات سياسية واقتصادية تكون جاهزة لإقامة دولة مستقلة يتطلع إليها الفلسطينيون منذ فترة طويلة ولكنها عانت من السيطرة الإسرائيلية على الأرض والمياه والتنقلات الداخلية للأفراد والتجارة الخارجية.

 

وتزيد هذه القيود من أعباء الفلسطينيين الذين يعانون من ديون حكومية تبلغ قيمتها 4.2 مليار دولار فضلا عن فواتير المرافق غير المدفوعة في مخيمات اللاجئين وعدم السيطرة على الرسوم الجمركية التي لا يتم تحصيل معظمها عند الحدود. وتعادل هذه الديون 40 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي وتفوق الموازنة السنوية التي تبلغ قيمتها 3.8 مليار دولار.

 

ويصل معدل البطالة بين الشباب الفلسطيني إلى 40 بالمئة.

 

وعلى مشارف قرية يعبد يقف نور الدين عطاطرة (22 عاماً) وثلاثة آخرين من مزارعي التبغ في صف وراء جرار يقطر محراثاً محلي الصنع يحرث الأرض ويرش المياه على الأرض الجافة.

 

وقال عطاطرة الذي يرتدي وشاحا فلسطينيا ملطخا بالطين “أنا حاصل على شهادة جامعية في العلوم السياسية ولكن لا تتوافر أي وظائف”.

 

وقال عطاطرة “على مدار أجيال عملت أسرتي في هذه الأرض ولا أخجل من العمل مزارعا. ولكن إن لم تسمح الحكومة لنا بهذا العمل أيضا فإننا نخشى حينذاك أن تصبح الأرض مهجورة ويستولي عليها المستوطنون في يوم ما”.

 

وذكرت السلطة الفلسطينية أن التبغ يجب ألا يباع إلا عبر القنوات المشروعة.

 

ويقول بعض المزارعين إن السلطة الفلسطينية تحاول الحد من مبيعاتهم حتى للشركات المرخصة لأنها تريد من شركات السجائر أن تستورد مزيدا من التبغ نظرا لأن ذلك يعزز إيرادات الجمارك.

 

لكن الوضع الاقتصادي المتدهور لا يزيد إلا من جاذبية التبغ المحلي الرخيص.

 

وتشير الإحصاءات الرسمية إلى أن حوالي 25 بالمئة من المراهقين الفلسطينيين يدخنون ويرى الكثيرون أن سعر عبوة السجائر التي تحمل علامات تجارية عالمية مثل مارلبورو والبالغ 25 شيقلاً (سبعة دولارات) هو سعر مرتفع للغاية.

 

ويقل سعر السجائر المنتجة في يعبد والقرى المحيطة كثيراً عن الماركات العالمية إذ يبلغ أربعة شواقل فقط (1.10 دولار) مما يجعله أكثر ملاءمة للفلسطينيين.

 

ويقول محللون إن المسؤولين يمكنهم بذل المزيد من الجهد لتخفيف الأعباء المالية التي تثقل كاهل الفلسطينيين العاديين.

 

وذكر المحلل الاقتصادي المستقل ناصر عبد الكريم أن الحكومة تفتقر إلى السيادة والسيطرة على التجارة والسياسة النقدية ولكنها تتمتع ببعض النفوذ في السياسة المالية حيث تحدد الجهات التي تفرض عليها الضرائب وطريقة إنفاقها.

 

وأضاف أن الحكومة لم توفر الحماية المناسبة لفئات المواطنين الأكثر تضررا في الوقت الذي تزيد فيه مستويات التفاوت في الدخل.

 

وأشار إلى أن حكومة فياض كانت تستحق بعض اللوم بسبب هذا الوضع إذ كان ينبغي عليها أن تساعد على إعادة توزيع الثروات وتكافح تهميش المزارعين والمصنعين.

 

وساهم نمو قطاعي الخدمات والبناء بدعم من المساعدات الخارجية في ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي تسعة بالمئة في عام 2010. غير أن البنك الدولي يتوقع نموا بنسبة خمسة بالمئة فقط هذا العام بسبب تزايد الديون الحكومية المستحقة للشركات الخاصة.

 

وجلس بعض المزارعين في فناء تكسوه الزهور يلفون السجائر بأيديهم التي صارت خشنة من شدة العمل الشاق ويتذمرون من الحكومة.

 

وقال أبو أيمن وهو ينفخ دخان سيجارته “اعتادوا الحصول على المساعدات الأجنبية لدرجة أنهم نسوا ما يمكننا إنجازه بأنفسنا”.

 

وقاطعه آخر قائلاً “ما الذي يمكن أن تتوقعه غير ذلك من عصابة أوسلو؟” في إشارة إلى اتفاقيات السلام المؤقتة الموقعة مع إسرائيل في تسعينات القرن العشرين. ويعزو الكثير من الفلسطينيين ضعف اقتصادهم إلى الملاحق الاقتصادية لهذه الاتفاقيات.

 

ومن الشركات الرائدة في قطاع التبغ الفلسطيني شركة سجائر القدس وهي شركة عامة تعمل من منطقة صناعية شرقي المدينة وتعاني من ضرائب ثقيلة على مبيعات السجائر تصل إلى 9.5 شيقل (2.6 دولار) للعبوة بما يعادل نحو ثلثي سعر بيعها بالتجزئة.

 

غير أن بعض القرويين الذين يمدون الشركة بمئات الأطنان من التبغ سنويا يقولون إن شركة سجائر القدس تشتري أقل من نصف محصول التبغ المحلي نظرا لأن الحكومة تشجعها على استيراد التبغ الأجنبي مما لا يترك لها خيارا إلا بيع منتجاتها الفائضة في السوق السوداء.

 

ويقول صالح جميل رئيس مجلس قرية زبدة المكلف بتنسيق السياسة الزراعية المحلية مع الحكومة إنه ليس هناك برلمان يمثل الفلسطينيين رسميا وإن رئيس الوزراء يضع السياسات باستصدار قرارات بها.

 

وبعد أن فازت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في الانتخابات التشريعية في عام 2006 خاض الفلسطينيون اقتتالا قصيراً أسفر عن تجميد البرلمان الجديد.

 

وأثر الانقسام الداخلي أيضا على الانتخابات المحلية مما أذكى حالة من الشلل في رسم السياسات.

 

وضرب جميل بيده على الطاولة واحمر وجهه وهو يقول إن الناس قد لا يزيدون إلا فقرا وإذا لم تتوقف الحكومة فإن صبر الشباب قد ينفد وتصل رياح الربيع العربي إلى الأراضي الفلسطينية بسبب السيجارة.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث