اقتصاد مصر يتنفس

اقتصاد مصر يتنفس

اقتصاد مصر يتنفس

تمنح حزمة المساعدات المالية البالغة 12 مليار دولار المقدمة من الحلفاء الخليجيين الأثرياء القاهرة فرصة لعدة شهور للعمل على تحقيق الاستقرار السياسي وإصلاح المالية العامة وإلا ستواجه البلاد أزمة اقتصادية جديدة.

 

ومن شأن حزم المنح والقروض الضخمة التي أعلنتها السعودية والإمارات والكويت الثلاثاء والأربعاء الماضيين دعم احتياطي النقد الأجنبي والمساعدة في تجنب أزمة بميزان المدفوعات كانت تطل برأسها هذا العام، وبضخ هذه الأموال في خزانة الدولة سوف تستقر الأمور في الإدارات الحكومية وقد يساعد هذا السلطات في التخلص من أزمة نقص الوقود التي أججت غضبا شعبيا عارما وأسهمت في الإطاحة بالرئيس محمد مرسي الأسبوع الماضي.

 

واعتبر جون سفاكياناكيس رئيس قسم استراتيجيات الاستثمار بمجموعة ماسك أن المساعدات البالغة ثمانية مليارات دولار من السعودية والإمارات قد تعطي مصر متنفسا لفترة من أربعة إلى ستة أشهر. وتعهدت الكويت بدعم إضافي لمصر قدره أربعة مليارات دولار، لكن المساعدات وحدها لا تحل مشكلات الاقتصاد المصري الرئيسية المتمثلة في عجز الموازنة المتفاقم وعدم الاستقرار السياسي الذي يبعد رأس المال الأجنبي، وعدم إحراز تقدم ملموس في تحقيق ذلك حتى نهاية هذا العام قد يضع مصر أمام خطر أزمة اقتصادية جديدة وقد يضطرها إلى طلب مساعدات أخرى كبيرة من الخليج مما يفاقم مديونيتها لهذه الحكومات.

 

حل الخلافات السياسية أولاً

وكتب رضا آغا كبير الاقتصاديين لمنطقة الشرق الأوسط بشركة في.تي.بي كابيتال في لندن في تقرير يقول “بدون حل الخلافات السياسية والاجتماعية سيظل تدفق رأس المال الخاص غير مضمون ومخاطر هروب رأس المال كبيرة”، وأضاف أن المساعدات الخليجية هي “كسب للوقت” مؤكدا أهمية وجود دافع يبعد الإخوان المسلمين عن الشارع الآن.

 

ويواصل الإسلاميون من أنصار مرسي التظاهر ضد إطاحة الجيش به. وأطلقت قوات الجيش النار على عشرات منهم الاثنين الماضي، وقد تساهم أموال الخليج أيضا في تقليل الضغوط على القاهرة لإتمام قرض صندوق النقد البالغ 4.8 مليار دولار. وقد يساعد هذا القرض في جذب مقرضين ومستثمرين محتملين لكن شروطه ربما تكون أليمة سياسيا، وبلغ احتياطي النقد الأجنبي في مصر 14.92 مليار دولار نهاية حزيران/يونيو. وباستثناء المساعدات المالية تآكل الاحتياطي بما بين مليار وملياري دولار شهريا. لذا فإن المساعدات الأخيرة قد تغطي عجز حساب المعاملات الخارجية حتى مطلع 2014.

 

مساعدات الخليج

واهتمت أسواق المال بسرعة إعلان السعودية والإمارات والكويت عن المساعدات (أقل من أسبوع بعد خلع مرسي) قدر اهتمامها بحجم هذه المساعدات. فالدول الخليجية الثلاثة التي لم تثق في مرسي وجماعة الإخوان التي جاء منها أعطت إشارة على التزامها بمساعدة مصر ما بعد مرسي، وستساعد الثقة الناتجة عن هذه الإشارة مصر على تجديد أذون خزانة دولارية بنحو خمسة مليارات دولار مستحقة نهاية 2013 وقد تقلل أو تمنع أي تدهور جديد للجنيه في الأشهر المقبلة.

 

وتتوارى المساعدات المدنية السنوية التي تقدمها واشنطن لمصر وقيمتها 250 مليون دولار خجلا أمام المنح النقدية المقدمة من الرياض وأبوظبي والكويت وقدرها ثلاثة مليارات دولار وهي ربع إجمالي المساعدات الخليجية التي تتنوع بين قروض ومنح ومنتجات نفطية، ويمنح الاتحاد الأوروبي مصر نحو 190 مليون دولار سنويا. وأواخر العام الماضي قال إن مصر تستطيع الحصول على مبلغ يصل إلى 6.4 مليار دولار كقروض ومنح لكنه ربطها بإجراء إصلاحات. ويشمل هذا المبلغ حصة الاتحاد الأوروبي في قرض صندوق النقد المحتمل.

 

معونات أمريكية

ويتلقى الجيش المصري أيضا معونة سنوية قدرها 1.3 مليار دولار من الولايات المتحدة. وترتبط هذه المعونة التي بدأت في الثمانينات بمعاهدة السلام بين القاهرة وإسرائيل الموقعة عام 1979، وتعيين حازم الببلاوي- الخبير الاقتصادي الدولي الذي أدار بنك تنمية الصادرات المصري لمدة 12 عاما- رئيسا لوزراء الحكومة المؤقتة قد يزيد فرص حصول القاهرة على قرض الصندوق الذي تأجل كثيرا.

 

وقال سفاكياناكيس “هم يحتاجون موافقة الصندوق لأن الصندوق لديه معايير تخص الإصلاحات الاقتصادية”، وأضاف “هذا يعزز الثقة في أن الحكومة تتعامل مع مسألة الإصلاح المالي ويفتح الباب أمام مزيد من المساعدات المالية من الاتحاد الأوروبي وجهات أخرى”.

 

لكن لتنفيذ شروط الصندوق على الحكومة خفض عجز الموازنة جذريا. وقد تضاعف العجز تقريبا إلى 113.4 مليار جنيه (16.2 مليار دولار) في الأشهر الخمسة الأولى من عام 2013 مقارنة بالعام الماضي، ولا يتضح ما إذا كانت الحكومة المصرية المؤقتة أو التي ستأتي بعد الانتخابات البرلمانية خلال ستة أشهر تقريبا- قادرة على حشد الإرادة الشعبية لخفض الدعم حتى يتراجع عجز الموازنة. وهي خطوة ذات تداعيات سياسية سلبية جدا.

 

لهذا السبب يرى فاروق سوسة كبير الاقتصاديين في سيتي جروب والمتخصص في قضايا الشرق الأوسط أن قرض الصندوق لن يتم إبرامه على الأرجح، ويقول “تبدو صفقة صندوق النقد غير واردة بالنسبة لي في البيئة السياسية الحالية ولحين تعيين حكومة دائمة جديدة”، وقال أيضاً “من المتوقع فوز اتجاه شعبي معارض لبرنامج الصندوق في الانتخابات. لذا أنا غير متفائل بإمكانية إتمام صفقة الصندوق في المدى الطويل أيضا”.

 

وفضلا عن تحسن المالية العامة للدولة تحتاج مصر إلى رأس المال الخاص لإنعاش اقتصادها. وبلغ الاستثمار الأجنبي المباشر 1.4 مليار دولار فقط في الأشهر التسعة الماضية حتى آذار/مارس مقابل مستويات سنوية تجاوزت عشرة مليارات قبل سنوات. والاستقرار السياسي شديد الأهمية لاستعادة رأس المال الخاص، وقد يمنح حجم المساعدات الخليجية حكومة ما بعد مرسي فرصة إطلاق برامج إنفاق قادرة على تحقيق السلم الاجتماعي على غرار ما فعلته السعودية بنجاح بعد انتفاضات 2011 في العالم العربي.

 

وتوقع سوسة أن تركز الإدارة المصرية الجديدة جهودها على استعادة القانون والنظام العام بدعم دور الشرطة وتحسين مستوى المعيشة، وقال “أتوقع أن أرى تحسنا في الخدمات العامة وزيادة في الأجور وفي واردات المنتجات الأساسية كالوقود والغذاء”.

 

تحسين مستوى المعيشة

ولا يتضح ما إذا كانت معالجة العجز وتحسين مستوى المعيشة كافية لتخفيف حدة الانقسامات السياسية التي تفاقمت منذ الإطاحة بمرسي بعدما أغضب كثيرا من الإسلاميين تدخل الجيش وإراقة الدماء هذا الأسبوع في القاهرة، ورغم تأكيد قادة الإخوان المسلمين على أنهم لن يحملوا السلاح قد تتولى ذلك فئات أخرى. ونالت هجمات إرهابية استهدفت سائحين في التسعينات من دخل البلاد من العملة الصعبة. وأدى إلغاء الجزائر انتخابات 1991 التي فاز بها إسلاميون إلى حرب أهلية امتدت عقدا كاملا وقوضت جهود التنمية.

 

ويقول عماد مشتاق الخبير الاستراتيجي في شركة نوح كابيتال ماركتس إن ثمة خطر أن يتطور الاستقطاب في الشارع إلى إضرابات عامة وعنف قد يقوض الاقتصاد، وقال “لدينا مخاوف من استهداف جماعات منشقة مراكز سياحية”، وأضاف “تعلمنا درسا مهما من الجزائر أن الجماعات تستطيع بسرعة العودة للتطرف وأن صناعة الفوضى العارمة لا تتطلب عددا كبيرا من الناس”.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث