رقصة التنورة.. حكاية من العشق الصوفي في شوارع القاهرة

قصر الغوري بمنطقة الحسين يعتبر المقصد الأول للفن الفلكلوري، والتركي جلال الدين الرومي أول راقص تنورة.

رقصة التنورة.. حكاية من العشق الصوفي في شوارع القاهرة

القاهرة – (خاص) من محمد عبد الحميد

تحظى رقصة التنورة بمكانة خاصة في المجتمع المصري، فهي حاضرة دوما في غالبية الأفراح، سواء كان الحفل في قاعة فندق شهير أو شارع في حي شعبي، حتى السياح الأجانب يحرصون وقت زيارتهم لمصر على التردد على الأماكن التي يعرض خلالها راقصي التنورة فنونهم، لاسيما في  قصر الغوري بمنطقة الحسين.

وتعد رقصة التنورة جزء من نسيج الفلكلور المصري الاستعراضي  كونها تعتمد على إظهار مهارات الراقص في استخدام وتشكيل التنانير لتوصيل معاني روحانية للجمهور المتلقي هي في مجملها رسالة عشق صوفية إلى الله.

 

الأصل تركي

ويشير الفنان محمود عيسى مدير فرقة التنورة التراثية التابعة لوزارة الثقافة المصرية إلى أن أصل رقصة التنورة يرجع إلى الفيلسوف والشاعر التركي “جلال الدين الرومي”، والذي يعد واحداً من أقطاب الصوفيين في القرن الثالث عشر، وهو أول راقص تنورة.

وكان يهدف من خلال تأديتها إلى الروحانية والتعبير بالجسد عن حالة العشق التي عليها العابد الصوفي، والرغبة في التقرب إلى الله حيث يعتقد مؤدوها أن الحركة في الكون تبدأ من نقطة وتنتهي عند النقطة ذاتها.

لذا يعكس الراقص هذا المفهوم في رقصته فتأتي حركاته دائرية متواصلة كأنه الكوكب الذي يسبح بحمد الله في فضاء الكون. 

وتحولت الرقصة إلى فن شعبي يتم تأديته بملابس خاصة مزركشة، وبمصاحبة الآلات الموسيقية الشعبية مثل الربابة والمزمار والصاجات والطبلة إلى جانب أدعية وابتهالات دينية.

مما دعا وزارة الثقافة المصرية إلى الحفاظ عليها في كيان مستقل، فتأسست فرقة التنورة التراثية في شباط/فبراير عام 1988، وهي تتبع الهيئة العامة لقصور الثقافة وقوامها الآن خمسون راقصاً.

ثم عمدت إلى إقامة حفلاتها بشكل دائم في قصر الغوري وتحظى الفرقة بمكانة متميزة على مستوى العالم بعد مشاركتها في العديد من المناسبات خارج مصر ضمن برنامج التبادل الثقافي الخارجي والمهرجانات الدولية.

 

الحب الصوفي

ويقول علاء عبد الرازق 23 سنة – أحد هؤلاء الراقصين للتنورة -: التنورة ليست حركات يؤديها اللفيف أو الراقص  ليكتسب رزقه، وإنما هي حالة من الحب الصوفي والتقرب من الله تعالى.

وفيها يقوم اللفيف أو الراقص الأساسي بالدوران حول نفسه مرات ومرات، ومن حوله يلتف “الحناتية” وهم بقية الراقصين المحيطين به وكأنهم كواكب السماء، وبدورانهم معا يرمزون إلى سر من أسرار الحياة متمثلا في تعاقب الفصول الأربعة الصيف والخريف والربيع والشتاء بفعل حركة الشمس ودورانها حول نفسها.

منوها إلى أن حركة الراقصين لابد وأن تتناغم مع أداء المنشد الديني المصاحب لهم وابتهالاته، والتي هي مزيج من الدعاء إلى الله عز وجل ومديح النبي محمد صلى الله عليه وسلم وكرامات الأولياء الصالحين، إلى جانب أناشيد أخرى مستمدة من التراث المصري الشعبي تعلى من قيم الصداقة والحب والسلام بين الناس.

ولفت إلى أن حركة دوران الراقصين تكون دوما عكس عقارب الساعة، وهي تشبه حالة الطواف حول الكعبة وحين يقوم “اللفيف” برفع يده اليمنى إلى أعلى ويده اليسرى إلى أسفل فهو يشير إلى الأرض والسماء، وعندما يفك الراقص الرباط الذي حول صدره فهو يرمز لرباط الحياة.

وتظهر حركة دورانه حول نفسه وهو رافعاً يده اليمنى يرمز من خلاله إلى أن العابد عليه أن  يتخفف من ذنوبه إذا ما أراد الصعود إلى السماء، كما أن تنوع إيقاع رقصة التنورة ما بين البطيء والمتوسط والسريع الهدف منه الرمز  للحالة التي يكون عليها الإنسان في مراحل عمرة المختلفة.

 

مقاسات ثابتة

وعن سر قماش التنورة المزركش والذي دائما ما يكون محور اهتمام المشاهدين لاسيما وأن الراقص يحمله في يديه لفترة طويلة وفي أثناء الدوران تنتفخ التنورة ويتضاعف حجمها.

وتصنع التنورة من قماش الترجال والشيفون وهي نوعية محلية تستخدم بكثرة في محلات بالقرب من جامع الحسين وبقلب شارع الخيامية بالقاهرة الإسلامية.

وللتنورة مقاسات محددة فالقطر سبعة أمتار والطول 105 سم والوزن 15 كغم، ومتوسط تكلفة التنورة الواحدة  1500 جنيه، وتصلح للعمل لنحو عامين على الأكثر وبعدها تستبدل بأخرى، لافتا إلى وجود سير دائري عند الأطراف بداخل التنورة.

كما أنه هو من يعمل على انفراجها وانتفاخها في أثناء حركة الراقص فتكون شكل بلوني جميل يعبر عن شكل الكواكب في السماء.

 

تدريب متواصل

ويقول راقص آخر للتنورة ويدعى رمزي كمال – 29 سنة -: ليس أي فرد يصلح أن يكون راقص تنورة، فلابد وأن يتمتع أولا بمواصفات جثمانية محددة أبرزها الرشاقة بأن يتناسب وزنة مع طوله بغض النظر عن كونه قصيرا أم طويلا، كما من المهم جداً أن يكون محبا وعاشقا لهذا النوع من الفن كي يستطيع المثابرة على التدريبات المستمرة يومياً.

ويبرز الراقص الماهر في قدرته على الرقص لأكثر من ساعة دون أن يشعر بالإجهاد أو بضيق في التنفس، فبدون تلك الموهبة يصبح رقصه نشاز لاسيما في أثناء رقصة بالفانوس، والتي تتطلب قدرا كبيرا من المهارة والإبداع الحركي.

وكذلك في الرقص بثلاث تنورات في وقت واحد دون أن تسقط أي منهم على الأرض أو تفلت من يديه.

ومن قوانين اللفيف قبل صعوده للمسرح أن يمتنع عن الأكل قبلها بساعتين على الأقل، كما يقلل من شرب الماء.

ومن المهم أن يعيش حالة من الانسجام النفسي والروحاني في جو من الهدوء كي يتمكن من الأداء ببراعة، فالحالة النفسية وصفاء الذهن التي يكون عليها اللفيف قبل العرض تنعكس بوضوح لحظة أدائه على المسرح.

كما يجب على الراقص ألا ينظر إلى الجمهور ويتعامل مع الأمر كما لو كان يرقص بمفرده في مكان خال فلا ينتبه لأصواتهم ولا لتصفيقهم كي لا يخرج من الحالة الروحانية التي  يكون عليها، مشددا على أن ليس هناك سن محدد يعتزل عنده الراقص ويبتعد عن المسرح.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث