المتلاعبون بعقول المصريين!

لست أدري إلى أين يذهب بنا هؤلاء

المتلاعبون بعقول المصريين!

بقلم: محمد حبوشة

يقول هنري شيلر في كتابه الشهير “المتلاعبون بالعقول” إن تضليل عقول البشر هو على حد قول باولو فرير “أداة القهر” فهو يمثل إحدى الأدوات التي تسعى النخبة من خلالها إلى “تطويع الجماهير لخدمة أهدافها الخاصة”، وذلك باستخدام الأساطير التي تفسر وتبرر الشروط السائدة للوجود، بل وتضفي عليها أحيانا طابعا خلابا، يضمن المضللون من خلاله التأييد الشعبي لنظام اجتماعي لا يخدم في المدى البعيد المصالح الحقيقية للأغلبية.

 

 وعندما يؤدي التضليل الإعلامي للجماهير دوره بنجاح تنتفي الحاجة إلى اتخاذ تدابير اجتماعية بديلة، لأن التضليل هنا يعني التأثير في شخص “هيئة أو جماعة” بطريقة تنطوي على التمويه أو التلاعب الذي يضيع الحقائق.

ومن هنا لست أدري إلى أين يذهب بنا هؤلاء “المتلاعبون بالعقول” في فضائيات الانفلات الدينى الرهيب الذي أصبح أشد خطرا من الانفلات الأمني في الشارع المشحون بالغضب، وإلى أي مدي يمكن أن يجذب محركو الدمي الكبار في السياسة والإعلان ووسائل الاتصال الجماهيري خيوط الرأي العام، نحو حافة هاوية تلحق بنا الأذى وتأتي على ثورة 25 يناير بعد ما أذهلت العالم لمدة 18 يوما فقط.

لنتأمل مليا المشهد الفضائي الديني الحالي في ما يخص الشارع المصري، فسنجد أن التغطيات الإعلامية في ذلك المشهد تحظى بكم هائل من الارتباك وعدم التوفيق، أو تدقيق المعلومات التي بثتها الفضائيات، والتي عادة ما تأتي غالبيتها على لسان شهود عيان من كل صوب وحدب تباروا جميعا في سرد روايات لا تمت الى الواقع بصلة بقدر ما تحمل من وجهات نظر أحادية تتهم “بلطجية وفلول النظام أو بقايا الحزب الوطني” وهم من أعداء الدين والوطن -كما يحلو للبعض ـ غير عابئين بالتداعيات المذهلة الناجمة عن هذا التضليل باسم الكتاب والسنة.

لقد أصبح الوضع خطيرا للغاية بعد أن صارت القنوات الفضائية الدينية تؤسس لفكرة أنها تحمل الحقيقة وحدها، وما سواها هو نوع من الضلال والبهتان الذي يبعد عن جادة الدين، وبالتالي يؤدي بالضرورة لفساد الأمة إذا انصاعت إلى غيرها من قنوات لا تبعث الزور والبهتان من جانب أصحاب الضمائر الخربة والنفوس الحاقدة على الرئيس، والمشروع الإسلامي الذي يحمل الخير لمصر والنهضة للأمة بأسرها، مع أن كثير من آراء هؤلاء المشايخ والدعاة تتصف بالانفلات العقائدي الذي يؤكد أننا مازلنا نعيش عصر المراهقة الإعلامية المكتوبة والمرئية والمسموعة بكل متطلباتها وآثارها المهلكة.

  ناهيك عن مراهقة سياسية من جانب شيوخ أدمنوا “التوك شو” والبرامج الحوارية الساخنة التي تلوي الحقائق، وتزيد لهيب الشارع في ظل توابلهم الإعلامية الحارقة التي تضخم من الإنجازات غير الموجودة على الأرض، بدعوى أن النظام يطبق شرع الله في الأرض، بدلا من أن تكون منظومة إعلام هؤلاء أكثر دقة ومصداقية ومهنية، وفوق ذلك الالتزام بالأخلاقيات، وتلك فريضة غائبة في الإعلام الديني للأسف.

 من غير المعقول أن نقرأ خبرا، أو نشاهد حدثا، أو قصة خبرية عن نفس الموضوع بمضامين تجافي الحقيقة التي شاهدناها على الهواء مباشرة، فمن منها يصدق المواطن.. القنوات الدينية، أم القنوات الخاصة والعامة التى تنقل الأحداث مباشرة من قلب الشارع؟

 في غياب مواثيق الشرف الإعلامي، والتي يتمخض عنها دوما آثار وخيمة تأتي على صحة الناس النفسية وهو ما أكده د. عكاشة قائلا: عدم وجود آمان المعلومات والإعلام يصيب صحة المواطن النفسية، ويمرضها مثل غياب أمن الشرطة.

فى ظني وبعد كل ما مضى، يلزمنا إعادة هيكلة الإعلام برمته، وبشكل سريع، ودعونا نتأمل قول المخرج العالمي “بيتر واتكنز”: ما لم نغير نمط حياتنا واستهلاكنا وترحالنا وطريقة نشرنا لما يسمى بالمعلومات تغييرا جذريا سريعا، وما لم ندعم مجتمعنا بالمزيد من القيم الروحية والأخلاقية، فإن عالمنا الذي نعرفه سيتجه ـ على ما أعتقد ـ إلى هاوية مرعبة خلال الأعوام القليلة القادمة، ويقيني أن الأمر لن يستغرق سنوات في ظل تلك الآثار المهلكة، جراء أفعال أولئك المتلاعبون بالعقول على جناح الدين في قلب الفضاء المصري والعربي، والله المستعان.

 

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث