لَسْنَا صُورًا مَنْسُوخَةً لِنُقَبِّلَ يَدَ رَجُلٍ وَاحِدٍ

لسنا مُتماثلينَ، أو متشابهينَ، أو نُسَخًا مكرَّرةً، لقد خلقنا اللهُ مختلفينَ، فأصابع اليد الواحدة في الجسدِ الواحدِ مختلفةٌ، ولسنا آلاتٍ أو برامجَ. بل كُلٌّ لَهُ لَيْلاَهُ التي يُغَنِّي لها.

لَسْنَا صُورًا مَنْسُوخَةً لِنُقَبِّلَ يَدَ رَجُلٍ وَاحِدٍ

 

احمد الشهاوي

فلماذا يأتي شركاءٌ لنا في الوطن والدم والاسم والدين، يطلبون مِنَّا أن نكونَ صورًا مَنْسُوخَةً، في برنامج واحدٍ، نقرأ كِتَابًا واحدًا، وَنُقَبِّل يَدَ رَجُلٍ واحدٍ، رغم أنَّ اللهَ خَلَقَنَا – جميعًا – أحرارًا مُنْذُ الميلاد. لسنا أبناءً لطاعةٍ مُطْلَقَةٍ، ولا نحتاجُ إلى مُرْشدٍ؛ ليقودَنَا إلى أرواحنا وعقولنا ونفوسنا.

 

        لنا آراءٌ مختلفةٌ ومتباينةٌ ومتفاوتةٌ ومتضادةٌ ومتضاربةٌ، وهذه سُنَّةُ الحياة مُنْذُ خَلَقَ اللهُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها.

 

        هل عندما أُقَرِّر أن أكونَ مُخْتَلِفًا، فهل أنا مُجْرِمٌ، أَوْضَالٌ، أو زنديقٌ، أو كاَفِرٌ، أو خَارِحٌ من الدِّين أو من الصَّفِّ؟

 

        سنحيا مختلفينَ، وسنموتُ مختلفينَ أيضًا، وتلك طبيعةُ البَشَر، إِذْ لهم حُرَّيةُ الاختيار والتعبير، ومن يَقفُ ضِدّ ذلك، هو بالفعل يخالفُ سُنَنَ الطبيعة (ولا يزالونَ مُخْتَلِفِينَ. إِلاَّ مَنْ رَحم رَبّك ولذلك خَلَقهمُ) – هود 118: 119- ،وَكُلٌّ يعرفُ الصَّوابَ مِنَ الخَطَأ، الحقَّ مِنَ البَاطِلِ، أن يعترضَ على سُلْطَةٍ ما، سواء أكانت سياسية أم دينية؛ فليست إحداهِما معصومةً من النَّقْدِ والنظر إليها بعينِ الارتيابِ والسُّؤالِ والشّكِّ والمساءلةِ.

 

        ليس هُنَاك مُسَيْطِرٌ عَلَى العَقْلِ وَالقَلْب حَتَّى لو كان النبيُّ مُحَمّد عليه الصلاة والسَّلام (لَسْتَ عليهم بِمُسَيْطِر)، فَكُلُّ إنسانٍ – على هذه الأرضِ – لَهُ حُريَّةُ المشيئةِ في الاعتقادِ والاختيارِ، وَأَظُنُّ أَنَّ القرآنَ مَليىء بالنُّصوصِ التي تُؤَيِّدُ ذلكَ صَرَاحَةً، لأنَّهُ كِتَابٌ يُعْلِي من شأن الحوارِ وَالحُريَّةِ، فإذا كَانَ الله سبحانه وتعالى لم يجبر أحدًا على فِعْلِ شىءٍ، بل تَرَكَ الأَمْرَ مَفْتُوحًا، فقط بَيَّنَ الثوابَ والعقابَ، الجنَّةَ والنَّارَ، بِلاَ إكراهٍ أَوْ إِجْبَارٍ. إِذْ لا كهنوتَ في الإسلامٍ، بينما نجدُ التنظيماتِ والجماعاتِ الإسلاميةَ تُصِرُّ على تكفيرِ من يختلفُ مع أهدافها، وَتُخْرِجُهُم مِنَ الدِّين باعتبارهم ضَالِّينَ مُرْتَدينَ، في حين أَنَّها لا تَعْقِلُ وَلاَ تُبْصِرُ.

 

        فلماذا تريدُ تلك الجماعاتُ تَعْطِيلَ العَقْلِ، وَمَنْحِهِ إجازةً من التفكيرِ، وَمُصَادرة الحقوق التي منحها الإله الخالق لعبيدِهِ؟

 

        وَمَنْح نفسها الامتيازات بأنَّها المؤمنةُ والكاملةُ والقويمةُ والتي لا يأتيها الباطلُ أبدًا، وأنها الربُّ الأعلى. ولعلَّ هذا هو سِرُّ الإعلاناتِ المتكرِّرةِ في المجتمع بشأن استحلالِ الدمِ، والتكفيرِ. كَأَنَّ تلك الجماعات تريد لنا أن نَعُودَ إلى عُهودِ الكهنوت الديني والسياسي، التي كانت سائدةً ومنتشرةً في العُصورِ الوُسْطَى، إِذْ شهدت مَشَانِق للشُّعراءِ والكتَّابِ ومصادرة كتبهم، وحرقها إذْ هي لا تعرفُ الحكمة والموعظة الحسنةَ، والجدالَ ودفعَ السيّئةِ بالتي هي أَحْسَن، وعدم سَبِّ المختلفِ الذي صار لها خِصْمًا وَعَدُوًّا.

 

        إِنَّ أصحابَ السُّلطةِ الدينيةِ الذين يرتزقونَ بالدِّين ويتاجرون بِهِ وفيهِ، دَوْمًا يُقْصُونَ ويَعْتَدُونَ، وَيَنْفُونَ وَيُلْغُونَ وَيَضْطَهِدُونَ، لأنَّهم لا يفقهونَ ما معنى “آداب الحوار”. فهم لا يعترفون بالاختلافِ في الرأي، إِذْ يُؤْمنونَ أنَّ من حَقِّ الحاكم (الديني بالطَّبع) أن يَقْتُلَ ثُلثَ الأمّةِ لِيَتمَّ إصلاحُ حل الثلثينِ، وفي حال مصرنا، فنحن أمام قتل ملايين الأرواح، التي في الحقيقة يراها هؤلاء أرواحًا ضَالَّةً، وللأسف أنَّني كنت في جَدَلٍ سَابقٍ مع أحدهم، فرأيتُ أنه قد “يَكْرَهُ” آيةً في القرآن الكريم؛ لأنَّها لا تتوافقُ مع أفكاره المتشدِّدة، مثل (لا إكراه في الدين قد تبيَّنَ الرّشْدُ من الغيّ)، بل يحرِّفُون هدفها، رغم أنَّ المعنى وَاضِحٌ وَمُباشرٌ، كما أنني كُنْتُ أستشهدُ في إحدى المناظرات بالإمام جلال الدين السيوطي في أَنَّه وضع ما يزيد على عشرين كتابًا أو مُصَنَّفًا في العِشْق العربي، رغم أننا – جميعًا – نعرف أنَّه أحد مفُسِّري القرآن الكريم، والذي تعتمد أغلب جماعات الإسلام السياسي وغيرها تفسيره مرجعًا أساسيًّا، فكان ردُّه وهو أستاذٌ جامعىٌّ أزهريٌّ عليَّ غريبًا صادمًا وصل إلى حد السِّبَاب للسيوطي، إِذْ قال نصًّا: “إنَّه حاطبُ ليلٍ”، وهو يعني عند العرب: أنه لا يبالي ماذا يحمل وعمَّن، أي أن الرجلَ يخرجُ ليلاً فيحتطبُ، فتقع يده على أفعى فتقتلُه. هذا مَثَلٌ يُضْرب لطالب العلم، إذا حمل من العلم ما لا يطيقُه، قتله علمه، كما قتلت الأفعى حاطبَ ليلٍ؛ أي لا ينقُد ما يحدث به، ويطلب العلم بلا حجةٍ ولا دليلٍ كمثل حاطب ليل يحملُ حزمة حطبٍ وفيه أفعى تلدغه وهو لا يدري، وأيضًا أنه يجمع الغَثَّ والسَّمين في كتبه، معتمدًا على النقل، مبتعدًا عن الرأي، وأن الثّقةَ فيه ضعيفةٌ، فما كان منِّي في هذه المناظرة أن قُلْتَ له: وماذا عن مُنْجَزِكَ أَنْتَ؛ كيْ تَصِفَ السُّيوطيَّ بهذا الوصف.

       

        الشَّاهِدُ، أن هؤلاء يمكن أن يفعلوا أيَّ شىءٍ في سبيلِ فرضِ أفكارهم وآرائهم، ولم أشأ أن أقولَ لَهُ: إنَّه هو “حاطبُ ليل وجارفُ سيل”.

 

        فهؤلاء لم يتقوا الله في النصِّ القرآني، أو حتَّى في بعض علمائه وفقهائِهِ، الذين لا تتوافق آراؤهم مع ما تركوا للأمة الإسلامية من مراجع ومصادر صارت من الأمهات.

 

        إِنَّ هؤلاء يمنحون سلطةً لأنفسهم، تفوق حتَّى سلطة النبي مُحمد عليه الصلاة والسَّلام، الذي كان رسولاً وليس حاكمًا فقط، يَنْزلُ عليه الوحي، وينشر الدين الجديد، وهناك معارضون له، لكنهم كانوا يتمتعون بكامل الحرية، ولم يكن يرد أحدٌ عليهم سوى القرآن الكريم الذي نزلت فيهم آياتٌ كثيراتٌ، تؤكد – كُلُّها – حُريَّةَ الرأي والاعتقاد والاختلاف والتعبير., ولم يُصْدِر الرسول عليه الصلاة والسلام ضدهم عقوبةً ما، بل تركهم وشأنهم؛ لأنَّ القرآن قال لَهُ ذَلِكَ.

 

        هل يعلم هؤلاء أَنَّ الرسول قد أقام الشُّورى، ولم يوزّع مناصبَ دولته الوليدةِ على أهل بيتِهِ، وأنَّه كان يستشيرُ، ويستمعُ إلى الآخر المعارض المنافق، وقد كَفل لمعارضيهِ الكُفَّار الحرية، فهل يستكثرُ هؤلاء على المعارضة المؤمنة المسلمة الحريَّة، لأنهم يخالفونهم الرَّأي.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث