يوسف وهبي.. فنان الشعب يروي مذكراته

يوسف وهبي.. فنان الشعب يروي مذكراته

القاهرة- ولد في 17 يوليو عام 1903 بمحافظة سوهاج – صعيد مصر -، عملاق الفن الراحل يوسف وهبي؛ وفي 17 أكتوبر عام 1982 رحل عن عالمنا. وما زال حتى يومنا هذا يتوقف الجمهور والنقاد أمام عطائه ، ليستمدوا منه رحيق زمن الفن الجميل، عندما كان الفن غاية، وليس مجرد وسيلة للشهرة أو جمع المال.

وترك يوسف وهبي، بصمة مبدع تشع إشراقاً في شرفات عالم زاخر بالنجومية في تاريخ السينما العربية، وحين قرر أن يسطر سيرته قرر أن يروي حياته بفضائلها ونقائصها ، ولك أن تتخيل أن يكتب في مذكراته أنه كان صديقًا لفيرا فرجاني نجمة السينما الإيطالية وشاركها فراش نومها وأدمن معها المخدرات من أجل دور بطولة، ولم يبق يبخل من سرده للتفاصيل الدقيقة لتلك العلاقة مع فنانة متقلبة المزاج إلى حافة الجنون..

وكذلك روى حكايته مع لويزا الأمريكية التي أحبها وتزوجها فقط عندما اكتشف أنها عذراء، وغيرها من القصص التي تثير دهشتك وتجعلك تتساءل :كيف تمكن من تجاوز حدود حواجز الخفر والرجل الشرقي في دواخله ، وألقى بكل ما تحمل النفس من حمم دفعة واحدة عبر سرد كل تلك التفاصيل الدقيفة وكان على عجل ؟ ضمت مذكراته خمسة أجزاء ، نشرت منها دار المعارف ثلاثة أجزاء تحت مسمى “عشت ألف عام”.

أول فيلم ناطق

يوسف وهبي كان سباقاً حين قدم أول فيلم ناطق بالعربية في تاريخ السينما وهو فيلم “أولاد الذوات” وكان من إنتاجه وبطولته عام 1932م ويروي قصة إنتاجه قائلاً: كان الأخ محمد كريم – شيخ المخرجين- شديد الحماس لإنتاج فيلم “أولاد الذوات” سينمائياً. فوجدني أشاطره الحماس واقتنعت تماماً بالفكرة. فما إن أقبل الصيف حتى أعددنا كل شيء، وكان ما شجعني على إنتاجها اختراع السينما الناطقة وما لاقته من إقبال، فأردت أن أقدم للشرق أول فيلم ناطق باللغة العربية مهما كان الثمن . وكان من بين ما اختار الأخ محمد كريم لتقوم بأدوار أبطال الفيلم الممثلة بهيجة حافظ بدور الزوجة المصرية وسراج منير للزوج، وأبقى اختيار ممثلة الزوجة الأجنبية لحين وصولنا لباريس، فقد كان الدور يحتم أن تكون فرنسية.

سبقت زميل الصبا إلى أوروبا مع زوجتي على أن يلحق بي مع أبطال الفيلم بعد شهرين عندما ينتهي من إعداد السيناريو إعداداً كاملاً، عندها وصلتني من شقيقي إسماعيل رسالة يعرض فيها أن أقوم بتأجير قطعة الأرض مواجهة لكوبري أبو العلا وكانت مساحتها سبعة عشر فداناً من أراضي الوقف، مقابل تسعمائة جنيه سنوياً، من أجل إنشاء مدينة كاملة تحوي مسرحاً صيفياً وسينما وملهى ليلياً واستوديو ولونابارك.

ويضيف وهبي: كنت أعرف المكان تماماً. وراقتني الفكرة خاصة أنني كنت معتزماً بناء أول استوديو بالشرق، فأبرقته موافقاً وأرفقت موافقتي بشيك قيمته أربعة ألف جنيه – وهو مبلغ مهول حينها – لدفع الإيجار والبدء في التنفيذ فورا، وفي الوقت نفسه كنت أعمل في مسار آخر مع عملية الإنشاء ، بأن قمت بالعمل على تنقيص وزني حتى فقدت منه تسعة كيلو جرامات وعقبها سافرت إلى باريس، واستعنت بأحد مكاتب جلب الفنانين، وبعد عُرِضَت عليّ عدة ألبومات ووقع اختياري على النجمة الفرنسية كوليت دافي، وتعاقدت معها. واستأجرت استوديوهات أكلير الناطقة.. وحددت يوم بدء العمل، وأبرقت لأخ كريم مُبَلغاً بذلك.

ويواصل وهبي: حضر محمد كريم مزوداً بألفي جنيه ومعه أبطال الفيلم بهيجة حافظ مصحوبة بزوجها السيد محمود حمدي، وحسن البارودي، والسيدة دولت أبيض، وحين دارت الكاميرا لتسجيل أول قصة ناطقة سينمائية باللغة العربية، تبيّن أن الفنانة بهيجة حافظ التي لم تكن معتادة بطبيعة الحال على الإلقاء والحوار السينمائي، كانت كثيرة الأخطاء مما كان يضطرنا إلى إعادة اللقطة الواحدة عشرات المرات، حتى مضت ثلاثة أيام ونحن لا نكاد ننجز إلا نذر يسير من أحداث الفيلم، مما سبّب لنا إرباكاً، حيث إن إطالة فترة التمثيل أدى إلى ازدياد فترة التأخير، وهو الأمر الذي أدى إلى مضاعفات النفقات؛ حيث إن إيجار الاستوديوهات الناطقة كانت باهظة التكاليف في ذلك الوقت، فضلاً عن أن مضاعفة كمية الشرائط التي تفرضها علينا بسبب كثرة إعادة تمثيل اللقطات، مما تسببب في وضعنا في حرج مالي ، كما أن بقاء أبطال الفيلم في باريس لفترة أطول كلفنا الكثير أيضاً، عندها فلم يجد الأستاذ كريم بداً من إخطاري بأنه قرر للأسف الاستعانة ببطلة من المسرح معتادة على استيعاب الحوار المباشر. فأرسلنا ببرقية إلى الفنانة الكبيرة أمينة رزق لتؤدي نفس الدور الذي كان مقرراً له أن تقوم به الفنانة بهيجة حافظ، وبقينا عشرة أيام إضافية، وتوقف العمل لكي ننتظر وصول الفنانة أمينة رزق، في غضون ذلك طلبت الفنانة الفرنسية بزيادة الأجر بسبب طول فترة الانتظار، وكذا فعل بقية الفرنسيين العاملين معنا في الفليم مما أوقعني تحت عبء النفقات.

نجاح كبير

وويروي وهبي: بعد أن بلغ حجم ديني ثلاثة آلاف جنيه. لم أجد بداً من الاكتفاء بما سجلناه من المشاهد الناطقة على أن نتمم بقية المشهد بشكل صامت بالقاهرة، وتركت صديقى المخرج كريم في باريس لطبع الفيلم وإعداده، وبالأحرى تركته مرهوناً إذ كان يتحتم عليّ أن أبعث له لسداد فواتير لمعامل التحميض وطبع النسخ اللازمة للعرض .كان لا مفر من بيع قطعة أرض مما تبقى من حصتي مما ورثت عن أبي من أراضٍ بمنطقة السنبلاوين ، لكن هذا كان يستلزم وقتاً! فكلفت أخي إسماعيل بالبحث عن مشترٍ. أما أنا فقد كان عليّ أيضاً أن أعد الموسم التمثيلي بكل لوازمه ومناظره.

ذهبت وقابلت أحد أصحاب البنك، وشرحت له ما أعانيه من ضيق وسألته إذا كان في مقدوري التنازل عن جزء. أو كل ما ورثته من أسهم. فبدت معالم السرور والانشراح على وجهه يخيل إلى أنه كان يتمنى أن يستحوذ على رأس المال كله، فأعماله المصرفية قد ازدهرت.لم يتردد أن ينقذني مبلغ ألف جنيه مقدماً وفي الحال لحين إتمام عقد البيع وما إن غادرت البنك حتى بعثت بحوالة تلغرافية للأخ كريم بنصف المبلغ.وعندما بدأ عرض فيلم أولاد الذوات بسينما “رويال” قابله الجمهور بحماس ساحق واعتبر ظهوره كأكبر حدث فني في تاريخ النهضة التمثيلية منذ أن عرف الناس التمثيل في البلاد العربية وعندما بدأ عرض الفيلم في القاهرة شددنا الرحال إلى البلاد العربية.

ويضيف وهبي: لقد در عليّ فيلم “أولاد الذوات” أرباحاً استطعت بها أن أتمم مشروع مدينة رمسيس فشيدت أول مسرح وأول دار في مصر في الهواء الطلق. وأقمت مسرحاً آخر استأجرته السيدة منيرة المهدية. وحوت مدينة رمسيس استوديو للسينما ودارين للتمثيل وأول سينما في الهواء الطلق ولوناً باركاً ومحطة إذاعة.ومتاحف. ومقاهي عديدة وملاهي فلكلورية تحوي أساطين الغناء البلدي والرقص وحدائق للنزهة وفيلا لسكنى.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث