رباعيات الخيام في طبعة جديدة

رباعيات الخيام في طبعة جديدة

القاهرة- رباعيات الخيام عمل شعري فذ، تجتمع فيه روح الشاعرية بالحكمة، وتمتزج مشاعر الألم بالبهجة والفرح بالحزن، ويبحث الشاعر الخيام عن مقامات النور، لتسبح روحه في الملكوت الأعلى، ولكن فلسفته العميقة التي تقترب من التشاؤم والإحساس بمرارة الحياة، وفقد الروح تدفعه إلى التأمل في مواقف الحياة، ويهرب إلى عوالم أخرى تدمر روحه ثم يصحو من غفوته ليقترب من الله، ورباعيات الخيام فلسفة عميقة لموقف الإنسان في الحياة.

فقد حُكي عن وفاة عمر الخيام أنه كان يتأمل “الإلهيات” من كتاب الشفاء لابن سينا، فلما وصل إلى فصل الواحد والكثير وضع الكتاب، وقام فصلى ثم أوصى ولم يأكل ولم يشرب، فلما فرغ من صلاة العشاء سجد لله وقال في سجوده: “اللهم إني عرفتك على مبلغ إمكاني فاغفر لي فإن معرفتي إياك وسيلتي إليك”، ثم أسلم نفسه الأخير.

نشأ الحكيم عمر الخيام في نيسابور، وكان رجلاً فاضلاً تضلع في علمي النجوم والحكمة، وقضى حياته في الاشتغال بهما، وكان عزيزاً إلى نفوس السلاطين مكرماً لديهم، وسافر إلى أكثر بلدان العالم في ذلك العهـد، حج البيت في مكـة وأقام في مـرو، وبلغ بلخ ونجارى، وهبط بغداد ونزل أصفهان، ولكن عمـر الخيام بالرغم من تلك الأسفـار، قضى معظم حياته في نيسابور مسقـط رأسـه ومـراح شبابه، وكانت نيسابور في ذلك العهد عاصمة خراسان غنية بالخيرات، خصبة التربة، كثيرة الماء، وافرة المحصول، سهولها ناضـرة، تكتشفها جبال عالية، وكان فيها ست جامعات، وكان فيها مرصـد بناه الوزير نظام الملك.

عاش عمر في تلك المدينة طالباً وعالماً، يزيد قدره على مر الأيام ويذيع صيته، عاش محباً للحياة ومناعم الحياة، يتقلب في أوساط العلماء وتآنس إلى عشرته العظماء، وكان قد درس العلوم الإلهية والفلسفية والمنطق والطبيعة شأن إخواته في الجامعات الإسلامية في ذلك العهد، ولكنه لم يقتنع بذلك، فدرس الطب ومهر فيه، حتى دعاه السلطان ملك شاه من مرض ولي العهد سنجر، ودرس الرياضيات وأخصها الجبر، وطبّق علوم الرياضة في الفلك، فدعاه ملك شاه مع جمع من العلوم إلى إصلاح التقويم، فأخرجوا التقويم الجلالي الذي يبدأ من يوم النيروز “16 مارس سنة 1079 – 10 رمضان سنة 471هـ”، ولا يبدأ مبدأ هذا التقويم عيداً من أعياد الفرس إلى اليوم، وألّف عمر الكثير من الكتب العلمية، لكنه لم يعش للآن إلا في رباعياته.

أفكار متناقضة

أما عيشة الخيام، عاش عمر الخيام عيشة الشاعر الحكيم أكثر مانعي على الحياة، أشد ما علقت نفسه بما نال منها، لذلك نرى في شعره نزعة تشاؤم شائعة، ما أسعد الرجل الذي لا يعرفه أحد، ما أهنا الإنسان الذي لم يهبط الوجود، لخلقت؟ وكيف لا أستطيع الرحيل حتى أردت؟

وأكثر ما يبكي الشاعر “عمر” على قصر الحياة: الأيام تمر مر السحاب ثم يلقي بنا في طباق الأرض فيستوي النازل والثاوي فيها من سنين، مادامت الحياة بهذه القصر، فعلام الألم ومثوانا التراب، ومجلسنا على العشب الذي غذته أوصال الغابرين، وأكوابنا من الطين التي اختلطت فيه رؤوس الملوك بأقدام السوقة؟

أحب الخيام شرب الخمر، لأنها تسمو بروحه حتى تصبح في نجوة من الجسد، ولم يقصر حبه على أثرها في نفسه، وإنما أحب طعمها المر ولونها الصافي، وأحب كأسها الشفافة ودنها الملآن، وكان يجد السعادة في مجلس الشراب بين الصاحب والنديم، وكان يوفق إلى هذه المجالس لما اختص به من حلاوة اللسان، وسرعة المخاطر وخفة الروح، وهكذا كان ينسى هموم الحياة أو يتناساها، فلا يفكر إلا في أمر يومه، على أنه كان يخشى أن يحرمه الموت نعمة هذه المجالس في حضرة الأوفياء من أصحابه.

اكتشاف الرباعيات

كانت “رباعيات الخيام” غائبة في بطون الكتب، ضائعة في حنايا المكتبات، حتى وفق الأستاذ “كويل” إلى العثور على أقدم نسخة خطية لها في ذلك العهد في مكتبة بودليان بأكسفورد، فنشر شيئاً عنها وعن حياة عمر الخيام في مجلة كلكتا سنة 1858م، ثم كتب بعد ذلك إلى صديقه الشاعر “فتزجرالد”، وعرض النسخة فدرسها، وأخرج أول ترجمة لها سنة 1859م، ولم تكن تحوي إلا خمساً وسبعين رباعية.وفي سنة 1930، اكتشف أول مخطوط مصور لرباعيات الخيام بخط أحد سكان مدينة مشهد سنة 911هـ، وأول من تنبه إليه الأستاذ “نجيب أشرف”، فاشتراه وأهداه إلى مكتبة بتنا بالهند، وأوراق هذه المخطوطة خالية من ذكر طريقة انتقاله من فارس إلى الهند، وفيه ست ومائتا رباعية مكتوبة بخط جميل، وبه من الصور البديعة ما يجعله تحفة فارسية نادرة.

وفي خاتمة الكتاب، يذكر الشاعر الكبير رامي: ودارت الأيام واكتشفت مخطوطات جديدة لرباعيات الخيام وظهر كتب جديدة عن عمر الخيام، فزدت علماً بالرجل وزدت تعلقاً به وتفهماً لروحه، ووجدت في دار الكتب المصرية من الكتب الفارسية والعربية، التي تناولت ذكر ما لم أوفق إلى إيجاده أيام كنت في أوروبا فراجعت ما ترجمت له من الرباعيات في الطبعة الأولى، وزدت شيئاً غير يسير بما وقع لي منها، وكان جديداً عليّ، ثم وضعت مقدمة أغرز مادة وأكثر إيضاحاً.ثم دارت الأيام ومازالت هذه الرباعيات ترنيماً روحياً أرددها خالياً بالميل أو سامراً بالنهار، فهفت نفسي إلى إخراج طبعة جديدة، أبعث فيها نفحات الخيام إلى عشَّاق تلك الروح السارية عبر السنين.

الجدير بالذكر أن ” رباعيات الخيام ” ترجمة أحمد رامي صدرت في طبعة جديدة عن وكالة الصحافة العربية بالقاهرة وتقع في نحو66 صفحة من القطع الكبير.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث