الليبرالية .. رؤى وتصورات لسياسيين عرب

الليبرالية .. رؤى وتصورات لسياسيين عرب
المصدر: القاهرة – من حازم محمود

صدر عن “مركز المحروسة للنشر والخدمات الصحفية والمعلومات” بالتعاون مع مؤسسة فريد ريش ناومان من أجل الحرية بالقاهرة كتاب “الليبرالية في العالم العربي” رؤي وتصورات لسياسيين عرب، للمؤلفين د. رونالد مينار دوس، وأحمد ناجي.

في المقدمة يرى د. رونالد: أن الليبرالية تواجه في العالم العربي بعدد من التحديات المتعددة، وللآسف ليس من بلد عربي واحد يخضع لحكم حكومة بإمكانها الإدعاء عن وجه حق أنها تدعم جدول أعمال ليبرالي أصيل، بل إن في بعض الأجزاء بالمنطقة العكس هو الصحيح حيث حظيت الاشتراكية أو القومية أو الأصولية الدينية وغيرها من الأيديولوجيات تغير الليبرالية بأثر أقوى بكثير عن النموذج الليبرالي.

ويمكن القول: بأن الخطر الأكبر الذي يواجه تشكيل حركة ليبرالية قوية لا يتمثل في هذه البيئة السياسية المنفرة وحسب، بل ينشأ عن ضعف الليبراليين العرب على المستوى الأيديولوجي حيث يتعين على الليبراليين العرب تقبل العيش في بيئة أيديولوجية ينظر فيها إلى أفكارهم ومفاهيمهم علي كونها مناهضة لما تعتبره القطاعات الأعرض بالمجتمع الأفكار والمفاهيم السائدة.

ويلقي محمد تمالدو رئيس شبكة الليبراليين العرب، هذه الكلمة خلال ندوة “التعاون من أجل الحرية” قائلاً: تعمل شبكة الليبراليين بدعم أصدقائهم علي مساعدة الأحزاب والفعاليات الليبرالية من أجل بناء مشروع مجتمعي عربي يقوم على الإيمان بقدرة الإنسان العربي على التحديات ومواجهة الظلم والاستبداد، وإشاعة قيم الحرية والعدل والمساواة وذلك من خلال أعضائها الموزعين على كل من: (مصر – لبنان – الجزائر – تونس – المغرب – الأردن – فلسطين) ؛ لذلك فلا غرابة أن نوجد اليوم لنتباحث حول سبل التعاون من أجل إغناء مفهوم الحرية في محيطنا العربي والتعاون مع أصدقائنا عبر العالم، فالحرية هي المدخل الأساسي لتكريم الإنسان، وهي المفتاح الأول لضمان تطوره وازدهاره ودفعه إلي المزيد من الارتقاء بقدراته وكفاءاته من أجل التكفل بذاته والتطلع باستمرار إلي أوضاع أحسن وأرقى في إطار دولة المؤسسات وسيادة القانون الضامنة لحقوق الفردية وللديمقراطية الفعلية ولتكافؤ الفرص وتساوي الحظوظ.

ويتناول الخبير الاقتصادي حازم القواسمي، الليبرالية في العالم العربي، فيقول: إن نتاج الوعى اليوم في عالمنا هو عدم التفريق بين المسميات المتشابهة مثل الليبرالية والرأسمالية بل والإمبريالية.والاخيرة هي سياسة استبدادية تهدف إلي توسيع السيطرة أو السلطة علي الوجود الخارجي بما يعني اكتساب أو صيانة الإمبراطوريات، مثل الإمبراطورية العثمانية أو الإمبراطورية الروسية أو الإمبراطورية البريطانية.

أما الرأسمالية فهي نظام اقتصادي ذو فلسفة اجتماعية وسياسية تقوم على أساس تنمية الملكية الفردية والمحافظة عليها، متوسعافى مفهوم الحرية. ونجد الفرق واضحاً بين الرأسمالية الاحتكارية والليبرالية الاجتماعية التي تحارب الاحتكار وتضع محاربة الفقر علي أعلي أولوياتها.

ويرى أن المطلوب اليوم في العالم العربي توضيح العلاقة بين الليبرالية والدين، والليبرالية والالتزام الأخلاقي، والليبرالية والبعد الاجتماعي حيث إن الليبرالية لا تعني بالضرورة الابتعاد عن الدين أو نفيه أو رفضه وكذلك لاتعني الليبرالية كما يعتقد البعض -خاطئاً – الابتعاد عن مكارم الأخلاق والانحلال الاجتماعي.

أما عن العوامل التي تقود المجتمعات العربية بعيداً عن الليبرالية، يقول: من هذه العوامل غياب الديمقراطية والاستقرار السياسي، وكذلك عدم الاستقرارين الاقتصادي والاجتماعي، كما أن عدم تعامل الدول الغربية مع فوز حماس في نتائج الانتخابات التشريعية في الضفة الغربية وقطاع غزة، بل ومقاطعتها ومحاصرتها، أدى إلى نفور العرب من الديمقراطية والليبرالية وكل المفاهيم الآتية من الغرب.

يري الكاتب حازم القواسمي أن الشعب العربي بحاجة إلى قيادات ليبرالية عربية واعية وواعدة تنسجم مع مجتمعها وتكون قدوة له، فلا يكفي أن يكون الليبراليون في طبقة النخبة البعيدة عن مجتمعاتهم ويكتفون في الكتابة والمعارضة السياسية النخبوية، بل علي القيادات الليبرالية الانحراط في مجتمعاتهم وإيجاد الحلول لمشاكلهم الحياتية اليومية الاجتماعية منها والسياسية والاقتصادية.

ويجب د.كميل شمعون علي سؤال، ماذا عن الليبراليين في لبنان، إذا اتسم الفكر الليبرالي بانفتاحه على الآخر وقبوله له محترماً فيه سلطان الديمقراطية وما ينتج عنه في صندوق الاقتراع ومبدأ تداول السلطة؟ فإن لبنان عاش منذ استقلاله عام 1943 في جو سياسي وحزب تعددي يتلاقى فيه مع الليبرالية. ولما كان الصراع في أروقة مراكز القرار السياسي العالمي بين الفكر المحافظ أم الليبرالي والمعسكر الشيوعي، جاءت الساحة اللبنانية لتكرس هذا الوضع من خلال أحزاب ترجمة هذه الخندقة.

فكان الحزب الشيوعي اللبناني متمكناً بقاعدة ثابتة تنبض بالرفيق السوفيتي، وتلألات حوله مجموعة من الأحزاب والمنظمات أخذت علي عاتقها حمل لواء اليسار من أقصي تطرفه إلي أنجع اعتداله، في المقابل التقت الفاعليات السياسية المؤمنة بالنظام الرأسمالي بأحزاب عينية من أقصي إيمانها بالرأسمالية الجشعة المتوحشة إلي أنجع اعتدالها مؤمنة برأسمالية حكمية تكون فيها الدولة الراعي الأول والأخير لشئون المواطن وشجونه.

ويري د.أسامة الغزالي حرب أن مفهوم الليبرالية قد ارتبط بالجذور التي وضعها المفكرون الأوروبيون العظام في سياق التطور الأوروبي الحديث، فإن مفهوم الليبرالية في العالم العربي تبلور بالدرجة الأولي من خلال تمايزه عن المفاهيم الأخري التي سادت المنطقة، أي (الإسلامية، ثم الاشتراكية، ثم القومية)، وكذلك من خلال ارتباطه الوثيق بفكر الديمقراطية.وليس من الصعب أن يلاحظ أن المفهوم الواسع لليبرالية جعلها مقترنة بشدة بالفكرة الديمقراطية، في الإدراك العربي العام، وذلك علي عكس ما قد يتصور في السياق الأوربي أو الأمريكي من إمكانية وجود تناقض أو اختلاف بين الليبرالية والديمقراطية.

ويضيف: مثلما عرفت الليبرالية في أوروبا في العصر الحديث لحظات من الإخفاق في مواجهة المذاهب الأخري، فإن الليبرالية العربية مرت بتطور مشابه، فقد تراجعت الليبرالية في أوروبا بعد الحرب العالمية الأولي أمام تحدي القوي الغاشية والنازية ثم الشيوعية. أما في العالم العربي، فقد توارت الفكرة الليبرالية والقوي الليبرالية في مرحلة ما بعد الحرب الثانية أمام تحديات القوي القومية والاشتراكية.

فبعد موجة الانقلابات العسكرية، والثورات منذ أواخر الأربعينيات وأوائل الخمسينيات، ازدهرت الدعوة القومية بقيادة جمال عبدالناصر، كما وجدت المفاهيم الاشتراكية تعاطفاً كبيراً في الفترة نفسها مع انتعاش الاتحاد السوفيتي الذي برز متحديا قوي المعسكر الغربي، غير أن إخفاق القوي والنظم القومية والاشتراكية فقد منتصف الستينيات أدت – من ناحية – إلى بروز القوى الدينية الإسلامية بقوة متصاعدة، خلال السبعينيات والثمانينيات. ولكنه أدي – من ناحية أخري – إلى بدء الانتعاش البطئ والمتراكم للقوي الليبرالية العربية، خاصة في ظل الانفراج والانتعاش الليبرالي في العالم منذ بداية التسعينيات.

ويحاول وائل نوارة، على تساؤل وهو هل الليبرالية ضد الدين؟ ويجيب : تجتهد بعض الجماعات الإسلامية في وصم الليبرالية بأنها مرادفة للإلحاد، رغم أن الليبرالية ما هي إلا مرادفة للحرية والتحرير، تحرير الإنسان وتمكينه من أن يتمتع بحقوقه الطبيعية التي خلقه الله بها، ومنها حقه في أن يعتنق الدين الذي يراه دون ضغط أو إجبار من فرداً أوجماعة أو سلطة حاكمة.

ويضيف: المناداة بالدولة المدنية، ليست مناداة ضد الدين أو التدين ولكن الدولة المدنية، هي دعوة للتحرر من طغيان الدولة المتجبرة، الدولة المتغولة في سلطاتها وسلطانها، الدولة التي تريد أن تتقمص دور الله علي الأرض، فتبدأ في محاسبة الناس علي سلوكهم الشخصي، ماذا يلبسون؟ وكيف يفكرون؟ وفي أي الأنشطة يقضون أوقاتهم؟ ومدي التزامهم بالعقيدة والعبادات، وهكذا إن هذه المعركة، ليست معركة ضد الدين، ولكنها معركة ضد الدولة الإله، والدولة هي في النهاية مجموعة من الموظفين محدودي القدرات، لا يمكننا أن نعهدلهم بحرياتنا أو بالوصاية علي أمور حياتنا الشخصية أو محاسبتنا علي سلوكياتنا الدينية.على من يتولى الحكم أن يتجهد في إصلاح التعليم والصحة والخدمات والعدل والأمن وهذا يكفيه. أما سلوكياتنا وعباداتنا وعقائدنا وأفكارنا، فمن مراقبتها نحن نعفيه، ونعهد بهذه المهمة لصاحبها الأصلي، وحكمه نرتضيه الله سبحانه وتعالى.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث