مقدمة العمل الأدبي.. إضاءة أم توجيه؟

مقدمة العمل الأدبي.. إضاءة أم توجيه؟
المصدر: القاهرة- من هند عبد الحليم

يؤمن غالبية الكتاب والمبدعين بعدم جدوى كتابة مقدمة افتتاحية للعمل الإبداعي لأن المقدمة بمثابة توجيه القارئ لفهم غاية العمل والرسالة التي يحملها، ولذلك فالغالبية العظمى من المبدعين ينشرون أعمالهم بلا مقدمة على أساس أن العمل الأدبي يحتمل أكثر من تفسير وأكثر من قراءة.

لكن هناك من يرى أن مقدمة العمل الأدبي تقوم مقام النافذة أو المدخل إلى العمل الأدبي، فهي هنا ذات مكانة فنية بما تتضمنه من تحدي منهج المبدع ومنحاه ومدرسته واتجاهه، كما تعين الدارس في فهم الظروف التاريخية والاجتماعية والسياسية والفكرية المحيطة بالكاتب ومدرسته، أو الممهدة له كما تعين في فهم النص ومضمونه، بما تقدمه من تفسيرات داخلية قد تزيل غموضها حول قصيدة ما، أو قد تشرح بعض دلالتها ، فضلاً عما تتضمنه المقدمة من حديث عن معاناة الإبداع الفني، وغير ذلك مما يربط بين الشاعر وعمله، وهي أمور تهم كثيراً دارسي الأدب ونقاده ، وتوجههم.

وقد كتب برنارد شو الكثير من المقدمات لأعماله المسرحية ، وما احتوته من مبادئ وأفكار، وأحداث ووثائق فكرية واجتماعية وسياسية واقتصادية امتدت ما يقرب من 30عاماً في القرن التاسع عشر، حتى عدها البعض كاليوتيوبيا، وبعضها كان بحثاً شاملاً، وبلغ عدد الصفحات فيها 40 صفحة، كما هو في مقدمة مسرحية “الميجور باربرا”، كما جاء بعضها قصيراً كمقدمة “بيجماليون” التي جاءت في ثلاث ورقات، كذلك صدَّر “فيكتور هوجو” مسرحيته “كرومويل” عام 1800 بمقدمة نقدية.

وقد لا يكتفي الشاعر بكتابة مقدمة لديوانه، فيفرد كتاباً للحديث عن تجربته في الشعر وممارسته إياه، ويقدم للباحثين خلاصة موقفه ونظرته إلى الشعر، وأبعاد تجاربه الفنية به، ومن ذلك ما كتبه صلاح عبد الصبور في كتابيه: “حياتي في الشعر”، و”تبقى الكلمة”، وكذلك ما صنعه عبد الوهاب البياتي في “تجربتي الشعرية” الصادر عام 1968 وأمثالهما .

أما كتابة الشاعر مقدمة ديوانه، فأمثلته عديدة منها: مقدمة كل من البارودي عن فن الشعر في ديوانه، وشوقي في ديوانه القديم، حيث يتحدث عن تجربته في الشعر في بادئ أمره، وخليل مطران في ديوانه، ومصطفى صادق الرافعي في ديوانه، والعقاد في مقدمات دواوينه كلها، وفي دواوين: عبد الرحمن شكري، ومحمد مصطفى الماحي، ومحمد الأسمر الذي كتب تمهيداً لديوانه، ومحمود غنيم الذي كتب مقدمة ديوانه “في ظلال الثورة”، والدكتور عبد القادر القط في ديوانه “ذكريات شباب”، ومحمود حسن إسماعيل في ديوانه ” أين المفر ؟”، وفوزي العنتيل من مقدمة الطبعة الثانية لديوانه “عبير الأرض” 1957، والدكتور أحمد زكي أبو شادي في دواوينه: أطياف الربيع 1933، فوق العباب 1935، من السماء 1945، وفيها آراء نقدية قيمة عن الشعر والتجديد فيه، وإيليا أبو ماضي في الجداول بعنوان “الفاتحة” ، وعبده بدوي في “السيف والوردة” وفاروق شوشة في أعماله الكاملة ( 1986).

وربما كان العقاد أبرز الشعراء في هذا المجال بما كتبه من مقدمات لدواوينه، حيث كتب في ديوانه “بعد الأعاصير” مقدمة بعنوان “نقد النقد”، وتحدث عن الفكرة في الشعر ودافع عنها دفاعاً حاراً.

وكذلك الشاعر عبد الرحمن شكري في مقدمته لديوانه الثالث ( 1915 ) ، حيث تحدث عن أهمية العاطفة للشاعر وحاجته إلى الذهن الخصب والذكاء والخيال الواسع.

وقدم كمال نشأت لديوانه “رياح وشموع”، وعبد المنعم عواد يوسف لديوانه “للحب أغنَّي”.

وقدمت نازك الملائكة لديوانها “شظايا ورماد” بمقدمة مهمة شارحة مذهب الشعر الجديد، وصدر للسياب يعد وفاته كتابه “رسائل السياب” حيث نجد مدخلاً فنياً لفهم كثير من جوانب شعر السياب.

وتساعدنا القراءة على فهم دور المقدمة في ديوان الشاعر، إذ تصور جوانب من شخصيته، وتقدم وثيقة ذاتية وإنسانية وفكرية عن صلاته بغيره، كما تكشف عن مواقفه بما يقدم من إيضاحات عديدة عنه، ونفهم من هذه الرسائل شيئاً عن ميلاد القصيدة ونشرها، من ذلك حديثه عن قصيدته الشهيرة “أنشودة المطر” التي كان قد أرسلها إلى سهيل إدريس لتنشر في الآداب البيروتية.

ولم يكتف الشعراء بكتابة مقدمات دواوينهم، حيث يكتب الشعراء أحياناً مقدمات لدواوين زملائهم الشعراء على نحو ما صنع العقاد وشكري، فيكتب عبد المنعم عواد يوسف مقدمة ديوان “مهاجر” لنجيب كيلاني 1986، وكتب أيضا مقدمة ديوان “مرايا المتوسط” للدكتور يوسف نوفل، وكتب مجاهد عبد المنعم مجاهد مقدمة الأعمال الكاملة للشاعر كامل أيوب 2002 ، والعامل المشترك بين تلك المقدمات هو إفصاحها عن منهج الشاعر واتجاهه.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث