العلم .. ذلك المجهول في حياتنا

العلم .. ذلك المجهول في حياتنا
المصدر: القاهرة – من حازم محمود

يقول الباحث أسامة أبو حليمة مؤلف كتاب “تأملات علمية” مازلت أذكر للكاتب الكبير د.يوسف إدريس : إنه عندما كان يشعر بالملل والزهق من القراءة في الأدب أو السياسة، فإنه كان يقرأ كتاباً في الفيزياء النووية، وأنا أصدق د. يوسف إدريس، فالقراءة في العلم تمنح متعة عقلية فريدة، فأنت مع العلم لا تأخذ موقفاً سلبياً أو رافضاً، لا يُصيبك أي توتر، بل أنت دائماً – مع العلم – في نشاط ذهني وتفاؤل بمستقبل الإنسان.قلت لنفسي : لماذا لا أحاول أن أشرك الأصدقاء معي في هذه المتعة.

أعرف أن الكثيرين لا يميلون إلى العلم، وليسوا هم السبب، والعلم أيضاً ليس هو السبب، فالسبب يعود إلى الطريقة التي تعرفوا بها إلى العلم، ففي مدارسنا يُلقَى العلم من أفواه المدرسين كطلقات المدافع الرشاشة، طلقات بالدهشة، إن لم يُثِر العلم الدهشة فلن نستجيب له. العلم ليس معرفة وكفى، بل هو اكتشاف دائم للمجهول في حياتنا، ولكوننا الذي نحيا فيه، نحن نبحر بعقولنا إلى المجرات البعيدة وإلى داخل الذرات، إنه اكتشاف يمنحك المتعة والرضا والسعادة بالمعرفة، ويمنحك أيضاً الإيمان بقدرة الخالق عز وجل وبعظمة خلقه لهذا الكون الأنيق.

وهذا الكتاب هو تجميع لمقالات بجريدة القاهرة التي تصدر عن وزارة الثقافة المصرية، والمقالات هي محاولة للتعرف على بعض منجزات العلم الحديث وتأملها، نُلقي نظرة هنا ونظرة هناك، نتأمل لحظة ونفكر لحظات، نشعر بالامتنان للعلماء الذين بذلوا الجهد الكبير، نعرف ونتعرف إلى ما كان من الصعب أن نعرف، ونرى ما كان من المستحيل أن نراه، فمن كان يتصور أن العالم مليء بالفيروسات والميكروبات والإلكترونات والبروتونات والجينات وغيرها مما لا نرى، ورغم ذلك فكلها أشياء تدخل في تركيب أجسامنا وتؤثر بقوة على حياتنا.

نتعرف على تصور العلماء لبداية الكون، كيف نشأ وكيف تشكّل ؟، ولماذا يتوسع؟، نقترب من خلايا أجسامنا لنرى وحدات الوراثة ونتعرف على الجين وما هو مكتوب عليه لنعرف سر الحياة، نقترب بحذر من أفكار أينشتين ونسبح في بحار الضوء الذي يتصرف كموجه وكجسيم معاً، ونعرف كيف تحسب الطبيعة أعمار كل شيء؟ وما هي فيزياء المستحيل؟ وفي أي موضوعات يفكر العلماء في القرن الجديد، وهي أفكار تبدو كخيال الخيال، نعرف كيف تسمع العين وكيف ترى الأذن؟، ما هو الكوليسترول، وما مدى ضرره أو فائدته؟، نرى المخ وهو يفحص نفسه ونسأل هل يصدأ البشر أيضاً كما يصدأ الحديد؟ وموضوعات أخرى كثيرة.

والسؤال الذي يطرح نفسه دائما، ما هو العلم؟

يجيب ريتشارد فينمان – وهو واحد من ألمع علماء الفيزياء النظرية في القرن العشرين – في محاضرة له، فيقول: إن كلمة العلم تستخدم عادة لتعني واحداً من ثلاثة معان، أو مزيجاً منها، فالعلم يعني أجياناً منهجاً معيناً لاكتشاف الجديد، وهو يعني أيضاً كم المعرفة الذي ينتج عما كشف، وقد يعني الجديد الذي يمكن أن يتحوّل إلى تكنولوجيا.

وقد تبدو التكنولوجيا للكثيرين أنها الأهم، فإن أوضح خصائص العلم هو تطبيقه، فالثورة الصناعية بأكملها كانت ستغدو مستحيلة لولا أن تطور العلم، وما نملكه الآن من إمكانيات لإنتاج مقادير هائلة من الطعام تكفي لسد حاجة هذا العدد الضخم من السكان أو التحكم في الأمراض، هي في أغلبها نتيجة لتطوير وسائل عملية للإنتاج.وهذه القدرة على إنجاز الأشياء، لا تحمل معها تعليمات عن كيفية استخدامها، عما إذا كانت تستعمل للخير أم للشر، فنحن نسعد بتطوير الطب ثم يقلقنا عدد المواليد المتزايد، ونستفيد من معارفنا عن البكتيريا، لكن هناك معمل سرية يعمل فيها رجال لتطوير بكتيريا لا يتمكّن أحد من أن يجد علاجاً لها.

الناحية الثانية من العلم هي محتواه، هي ما قد تم الكشف عنه، هذا هو المحصول، هذا هو الذهب، هو ثمن كل هذا التفكير المنظم والعمل الشاق، فالبحث العلمي لا يجري من أجل تطبيق ما، إنما يجرى من أجل الكشف، من أجل متعة المعرفة، هذا هو الوجه المثير، أنت لن تفهم العلم وتدرك علاقته بالعالم وبكل شيء آخر، إلا إذا فهمت وقدرت مغامرة زماننا الكبرى وكل زمان، أنت لا تعيش عصرك إذا لم تفهم أن العلم مغامرة هائلة وأنه شيء جامح ومثير.

كانوا قديماً يعتقدون أن الأرض محمولة على ظهر فيل يقف فوق سلحفاة تسيح في بحر بلا قرار، ولكن ماذا يحمل البحر؟كان سؤالاً لم يعرفوا له إجابة، هكذا كان اعتقاد القدامى وهو نتيجة للخيال الواسع، وهي فكرة على أية حال وهي فكرة جميلة وشاعرية … لكن ماذا عنها الآن ؟.

هي فكرة مملة، فالأرض كرة تلف وتدور والناس مربوطون فوقها في كل ناحية، ونحن نتقلب أمام نار حامية هي الشمس، أليس هذا أكثر رومانسية وإثارة.

أما الخاصية الثالثة للعلم فهي المنهج، هي الطريقة التي نصل بها إلى المعرفة، هنا تكون الملاحظة هي الحكم النهائي على صحة الفكرة، فما لا يمكن إخضاعه للملاحظة هو شيء غير علمي ، فالعلماء يعالجون الأشياء التي لا يمكن تحليلها بالملاحظة والتي يمكن أن تقاس، وبذا تكتشف الأشياء التي تسمى العلم، ورغم ذلك فهناك الكثير من الأشياء الأخرى لا يصلح معها منهج العلم، ولا يعني ذلك أنها ليست مهمة، فربما تكون في الحقيقة هي الأكثر أهمية، و لكن التعامل معها لا يتم بشكل علمي، أي لا يتم التعامل معها بمنهج العلم، فإذا ما تم تناول مثل تلك الموضوعات بمنهج العلم، فإننا لن نصل حتماً إلى ما يمكن التثبت من صحته أو خطئه، وستظل المعارف مجرد افتراضات أو أبنية معرضة للانهيار المعرفي في أي لحظة ولأي سبب.

الجدير بالذكر أن الكتاب صدر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة بالقاهرة و يقع في 260 صفحة من القطع المتوسط.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث