اليزيديون.. عشّاق النور والجمال

اليزيديون.. عشّاق النور والجمال
المصدر: إرم ـ من إبراهيم حاج عبدي

هناك على سفوج جبال شِنْغَال (سنجار)،وفي سهول نينوى الوديعة، قريبا من الحدود العراقية مع سوريا، يعيش اليزيديون منذ قرون في وئام مع الطبيعة. يعانقون شروق الشمس بقلوب وجلة، ويتناغمون مع موسقا الطبيعة كما لو أنها تجليات مقدسة. هي طائفة دينية مسالمة لها معتقداتها الخاصة، ويمتد توزعها الجغرافي نحو سوريا وتركيا وإيران وروسيا. هم يتباهون بقوميتهم الكردية، يعشقون النور ورحابة السماء وخرير الجداول، ويتآلفون مع أسرار الكون وتناسق الفصول بطهرانية نادرة. يعيشون في جبالهم الزرقاء ويؤدون شعائرهم وطقوسهم في معبدهم المعروف باسم “لالش”. تعرضوا لاضطهاد ديني، شأنهم في ذلك شأن الكثير من الطوائف والأقليات عبر التاريخ. لكن “الزلزال الإرهابي” الذي اجتاح مناطقهم في الايام الأخيرة فاق كل تصور.

يتجاوز عدد اتباع هذه الطائفة المليون يزيدي، وقد اشيع انطباع ساذج عن أنها من عبدة الشيطان، أو النار، غير ان هذا الانطباع هو اختزال مبسط لمعتقداهم الدينية التي تنطوي على ابعاد فلسفية وصوفية وميثولوجية عميقة، تعود بجذورها الى الفلسفة الزرادشتية، وثنائية الخير والشر، وتندمج فيها شذرات من حضارات وثقافات الشرق المختلفة.

لم تنصف هذه الطائفة لا من قبل المؤرخين ولا من قبل الساسة والحكومات، فقد تعرضوا لحملات إبادة شنتها عليهم الكيانات السياسية المحيطة بهم، وأولهم العباسيون، كما تفيد المصادر التاريخية، إذ رأوا فيهم امتداداً للدولة الأموية وانتساباً ليزيد بن معاوية.

يقول الباحث السوري محمد حبش أن “اليزيديين كانوا مسلمين يؤدون الشعائر ويذهبون للحج ويمرون ببغداد، وقد جرد الخليفة المعتصم 224 هجرية حملة للقضاء عليهم أيام الأمير اليزيدي مير جعفر الداسني، وانتهت بهروب اليزيديين إلى الجبال، وانقطاعهم عن النسك الإسلامي، وبالتالي دخول عناصر كثيرة من الثقافة الزرداشتية والموروث الآشوري والسرياني في ثقافتهم.

وتواصت تلك الحملات ضدهم مثل حملة حسن باشا واحمد باشا وسليمان باشا 1752 م ومن ثم حملة نادر شاه الفارسي التي تواصلت للفترة من 1732-1743 م ثم حملات الباشوات العثمانيين مرة أخرى 1560 م بناء على فتوى من مفتي الأستانة أبو السعود العمادي بقتلهم، وأخيراً حملات الأنفال في العراق أيام صدام حسين.

وكان من أشهر علماء الإسلام الذين أدركوا مظلومية اليزيديين الإمام عدي بن مسافر 467-557 هجرية، وهو فقيه شافعي شهير، اختار سبيل الصوفية في التربية والإرشاد والسلوك حتى قال عنه الشيخ عبد القادر الجيلاني: لو كانت النبوة تنال بالمجاهدة لنالها عدي بن مسافر.

انتقل من بعلبك إلى الموصل وأقام هناك في جبال الهكارية بين اليزيديين ووجدوا فيه إمامهم ومعلمهم نظراً لميوله الأموية الواضحة ولنسبه الى مروان بن الحكم، وطريقه الصوفي الناظر في المقاصد والتجليات أكثر من النصوص الظاهرة.

لم يتهم أحد من الفقهاء عدي بن مسافر في علمه ودينه، وهو في الفقه الشافعي أحد أعلام الفقهاء، وفي التصوف أحد أئمة السالكين، ومع وصوله إلى لالش اتخذه اليزيديون مرجعاً وإماماً وأصبحت كلماته زاداً روحياً وعرفانياً لليزيديين، وهو اجتهد أن يعود باليزيدية إلى نسك الإسلام الأولى، ولكن كان يصده في محاولاته المحيط السياسي العباسي الذي كان لا يزال يعيش عقدة الخوف من عودة الأمويين.

وتوضح المصادر التاريخية أنه وبعد رحيل عدي بن مسافر الذي عاش تسعين عاماً صار قبره كعبة لليزيدية يحجون إليها، وضمت إليه قبور خلفائه من بعده، واشتهر أيضاً كهف شكفتا هنديا الذي كان يزوره هنود يؤمنون بالأفكار إياها، وقام ناشطون يزيديون بالدعوة لإقامة نسك ديني خاص بهم في جبال لالش بالموصل حيث تجد فيها الطواف والسعي ورمي الجمار في إشارة واضحة إلى إنشاء حج محلي بديل عن الحج الذي انقطع السبيل للوصول إليه.

ولليزيدية طقوس خاصة في حجهم إلى قبر عدي بن مسافر الذي يكون بين 23-30 من سبتمبر كل عام حيث يخلع الحاج نعليه في الجبل المقدس كما أجروا على الجبل أحكام البلد الحرام من تحريم الصيد وقطع الشجر وسموا ماء النبع عند قبر عدي ماء زمزم، وقد تطورت اليزيدية فيما بعد ورغم تحريمهم للكتابة والقراءة في شأن الدين اعتمادا على علم الصدر وهو ما زاد من انتشار الأمية في تلك الجبال، ولكنهم ظفروا فيما بعد بكتابين اثنين اعتبرا مرجعهم الديني وهما كتاب الجلوة ومصحف رش (المصحف الاسود).

أسلاف “أبناء الشمس”، كما يلقب اليزيديون، عاشوا على أرضهم التاريخية لعهود خلت قبل أن تظهر هذه “السلالة التكفيرية الغريبة” التي تعادي كل ما يمت الى الحياة والجمال والنور بصلة، ولان هذه الطائفة حافظت على طقوسها المعتدلة المتسامحة، كان لا بد لهذه السلالة الداعشية أن تعكر صفو هدوئها، غير أن نداء الحياة أقوى من “نعيق الموت”، وستعود هذه الطائفة الى معبدها في لالش، لتعبر من جديد عن معنى الذوبان في سحر الطبيعة، ومعنى السمو الروحي والإنساني.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث