روائيون يتخفون وراء أبطالهم

روائيون يتخفون وراء أبطالهم

القاهرة – ما علاقة الكاتب بشخصيات رواياته؟ وإلى أي مدى موقفه الشخصي يأتي متطابقا مع يرد على لسان شخوصه الروائية؟ لطالما شكل التساؤل جدلا عاصفا بين الكتاب والنقاد، إذ يرى البعض أن الكاتب يقدم نماذجا اجتماعية موجودة بغض النظر عن موقفه الشخصي من الآراء المطروحة، فقد يتفق أو يختلف معها؛ في حين يرى البعض أن ما تقوله الشخصية الروائية التي يطرحها المبدع تعبر بالضرورة عن وجهة نظره، وتنطق بأفكاره.

الناقد د. شاكر عبد الحميد يرى أن المؤلف مسؤول عن اختياره لنماذج الشخصيات الأدبية التي وضعها على الورق، ومسئول أيضاً عن الكلام الذي يطلقه على لسان الشخصية؛ يقول : ” لكن ما يحكم على العمل الأدبي ليس الحوار المباشر بين كيانات الشخوص، بل القالب الكتابي الفني بمجمله وكذا عملية تداعي التقصي: على نحو هل هي الكتابة تمت بشكل مباشر أم تقريري؟ هل هي كتابة فنية أم جافة ؟ لذا فلابد أن نحدد نوعية المحاكمة للعمل الأدبي؛ هل نحكم عليه حكماً دينياً؟ أم من منطلق نقدي بحت؟ وفي ذلك يختلف جميع النقاد في نظرتهم للعمل الأدبي الواحد”.

ومن وجهة نظر الناقد د. علاء عبد الهادي، أن المبدع مسئول عن أي عمل يكتبه، غير أنه في الوقت ذاته ضد تدخل مقص الرقيب بالمنع والحذف وفهو من أشد المؤمنين بحرية التعبير ؛ لذا يقول بأن الأعمال الفنية لابد أن تناقش في إطار شكلها الفني بعيداً عن أي توقف شكلي وحوارات وفقرات مبتسرة منتقاة من النص الأدبي.. وينبه بأنه ضد التابوهات المحرمات والمقدسات، غير أن الكلمة ترفض مفهوماً أكثر عمقاً إلا أنها هنا تنحصر في هذا المعنى، وضد أن يستمر أحد بالوقوف أمام الشكليات ويتجاهل قضية العمل الأدبي ومضمونة، وآرائه.

وتساءل عبد الهادي مستنكراً هل نجيب محفوظ كافر أو ملحد ؟ لأنه كتب كثيرا عن أمثال هذه النماذج؟ وهل كان هو منحلاً فقط لأنه تناول بعض حالات الانحراف الاجتماعي كالانحلال مثلاً ؟ بالطبع هذا الادعاء لا ينطبق على الكاتب لا يصح ولا يعقل أن نطلقه .

في حين يعتبر الروائي إبراهيم عبد المجيد أن المبدع سواء كان روائياً أو حتى سينمائياً، لا يقدم فكرة نظرية بل هو يرسم ملامح حياة عاشها بخياله لحظة تجلي النص بمخيلته، فتداخل عبر شخوصها بالحوار، ربما يكون تعرف عليهم عبر لقاء أو سمع عنها عرضاً في حديث عابر ؛ لذا فمن مسلمات الكتابة الأدبية أنه يكون في بعض الأحيان -أثناء العملية الإبداعية- قد تنفلت بعض الشخصيات من عملية حصر المبدع وتستقل بذاتها، فلا يستطيع فنياً كبح جماحها، ولو أراد نسفها، يكون قد دمر العمل الأدبي بكامله .. موضحاً أن الأدب من الحياة نفسها، ومن الطبيعي أن يكمن في شخصيات العمل الأدبي ما هو طيب وما هو شرير، ومن هو متدين وما هو ملحد، ودور الكاتب ينحصر فقط في تحقيق التوازن بين تلك الشخصيات.

بينما يرى الروائي محمود الورداني، بقطعية عدم مساءلة المبدع عن أنماط سلوك ومداخلات شخصياته الحوارية البتة، فالكاتب عنده وإن كان ينشأ هذه الشخصيات على الورق، إلا أنه في الوقت ذاته يتأثر بالنماذج الموجودة حوله، وكذا العلاقات التي تجمع بينها في الحياة، فنجد مثلاً شقيقين إلا أنه لكل وجهة هو موليها وميوله هو متبعها، ويمكن تلمس ذلك أعمال نجيب محفوظ، ودور الأديب أو المبدع أن ينطق هذه الشخصيات بما يتناسب والمسار العام للرواية بشكل منطقي.

ويوضح الورداني: لكي يتم فهم الرواية بشكل حقيقي يجب ألا تجتزأ بأن تنتزع بعض الألفاظ من سياقها عن متن العمل الأدبي، دون الالتفات إلى الاتجاه العام للعمل الأدبي والذي قد يكون في بعض الأحيان عكس اتجاه هذه النصوص المنزوعة تماماً. وفي مثل هذه الحالة لا يحق لأي جهة محاكمة النص أو الكاتب، إلا أن هناك مسألة يجب التنبه لها، وهي إن كان النص يسير باتجاه تحقير المقدسات والأديان والمعتقدات أو النيل من منظومة العادات والتقاليد الاجتماعية التي تم التراضي عليها اجتماعياً في وقت ما، فهنا في هذه الحالة فقط، يجب مساءلة الكاتب من قِبل جهات الاختصاص والنقاد وغيرها من الجهات الأخرى.

رؤية الكاتب أيدلوجيا

الكاتبة الروائية سلوى بكر تقول: شئنا أم أبينا يبقى العمل الأدبي أشبه بحالة أيديولوجية خاصة، تتفاعل فيما بينها أفكار الكاتب، وهي الأفكار التي يقدمها بأساليب ونماذج متباينة؛ فتارة تنطق بها شخصيات العمل، وتارة تعبر عنها حالة السرد الروائي أو لغة روائية وثالثة ترد على لسان الراوي، وكل هذه الوسائل ما هي سوى أدوات يوصل بها الكاتب للآخرين أفكاره، وعادة ما يقدم الكاتب رؤيته حول سلبية شيء ما أو فكر معين من خلال شخصيات سلبية والعكس صحيح فالشخصيات الإيجابية هي التي يراد لها تحمل فكره وتتفق مع طرحه.

وفي رأيها أنه ليس صحيحاً أن الكاتب لا علاقة له بشخوص أعماله؛ فكل شخصيات العمل الأدبي تحيا كما يريد لها الكاتب ووفقاً لرؤياه للعالم؛ لذا يجب ان يسائل الكاتب عنها، ولكن وفقاً للمعايير الأدبية؛ لأن الشخوص والعالم الأدبي بمجمله عالم متخيل؛ لذا يحاسب بمعايير الخيال لا الواقع؛ فالكتابة تحاسب بكتابة مضادة لها في معانيها ومحتوها ومفاهيمها ويترك للأفكار تصارع الأفكار دون تدخل الرقيب ، شريطة أن لا يخدش عقائد الآخرين.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث