يوسف شاهين.. نظرة الطفل وقبضة المتمرد

يوسف شاهين.. نظرة الطفل وقبضة المتمرد
إرم ـ إبراهيم حاج عبدي

لم يحظَ مخرج سينمائي عربي بما حظي به المخرج المصري الراحل يوسف شاهين من مواكبة نقدية لتجربته السينمائية التي دامت أكثر من نصف قرن، ومنذ رحيله في 27 تموز يوليو 2008 م”ولد العام 1926” صدرت المزيد من الدراسات والأبحاث التي تسعى إلى إلقاء الضوء على هذه التجربة السينمائية الإشكالية. لكن أغلب هذه الدراسات كرر ما هو معروف عن شاهين، وقارب التجربة بصورة تبسيطية لامست السطح دون أن تغوص في الأعماق والخفايا، ومن هنا فقد يكون كتاب الناقد السينمائي اللبناني ابراهيم العريس “يوسف شاهين: نظرة الطفل وقبضة المتمرد” الصادر عن دار الشروق هو من أكثر الكتب شمولية، وموضوعية في هذا السياق .

يرصد العريس تجربة شاهين بإخفاقاتها وانتصاراتها، بهدوئها وضجيجها وبكل محطاتها النافرة وانعطافاتها الحادة بدءا من أول فيلم وهو “بابا أمين” 1950 وصولا إلى آخر فيلم وهو “هي فوضى؟” 2007. بين هذين الفيلمين ثمة مشوار سينمائي خصب وغني ولافت استطاع العريس أن يعيد ترتيبه في صورة جذابة ومحكمة، فالافت في هذا البحث هو قدرة العريس على إيجاد ترابط منطقي سلس في الحديث عن تجربة شاهين المتعرجة والوعرة، وفهمه العميق لكيفية انتقال شاهين من مرحلة إلى أخرى، بل أن كل مرحلة بدت وكأنها تمهد لمرحلة تالية عبر إشارات خفية، ودلائل لا يصعب على العريس ملاحظتها.

على أن هذه المحطات السينمائية المختلفة والمتباينة والتنوع الغزير لإنتاجه المتأرجح بين نوعيات سينمائية متباينة من الكوميديا الموسيقية إلى الميلودراما، ومن السيرة الذاتية إلى الأيديولوجيا والقضايا القومية…لا يعبر عن تعثر سينمائي لدى شاهين بقدر ما يعبر عن “موسوعية سينمائية” تجلت عبر المضامين والأساليب معاً.

والمؤلف يقر بهذا الخط البياني المتعرج، ويبرره، فمن الطبيعي أن تشهد تجربة طويلة زمنيا، وغنية سينمائيا، كتجربة شاهين كل هذا القدر من التفاوت السينمائي، لذلك نلحظ بان الكتاب يركز على مناقشة التطورات التي طرأت على مسار هذه التجربة التي لم تقف عند مواضيع وأساليب ورؤى محددة، بل اقتحمت آفاق السينما بكل رحابتها، وسحرها، وفتنتها، وحاولت أن تترك بصمة نافرة في تاريخ الفن السابع، فالسينما بالنسبة لشاهين لم تكن مجرد تسلية أو هواية أو وسيلة للعيش، بل كانت السينما كل عالمه لا يتقن شيئا سواها، حتى توحد معها، ولعل صورة الغلاف التي تظهر وجه شاهين ملاصقا لكاميرا التصوير السينمائية تعبر عن هذا الارتباط الروحي والوجداني والمعرفي الذي ربط بين شاهين وبين السينما.

هذه حقيقة يدركها العريس، بل يهتدي بها في صفحات هذا الكتاب الذي يقدم قراءة مغايرة من هذه الزاوية تحديدا، فحياة شاهين لا تنفصل عن سينماه، مثلما أن سينماه لا تبتعد كثيرا عن حياته، فهو “لم يعش حياته إلا لكي يكون في قلب السينما وفي قلب الأفلام”، ووفقا لذلك سيقدم العريس قراءة لكل فيلم على حدة، دون أن تقتصر القراءة على الجانب النقدي البحت، بل هو يضع كل فيلم في سياقه التاريخي، والظروف التي مهدت لظهور هذا الفيلم أو ذاك، وشروط وطبيعة إنتاجه، والأصداء التي رافقته، ومن ثم موقعه وأهميته ضمن التجربة ككل، والأهم من كل ذلك هو نجاح المؤلف في “تحقيب” سينما شاهين، ووضع “تبويب سينمائي” نادر له يشتبك فيه الذات مع الموضوع، ويسير في تلك المنطقة الحساسة التي تتلاشى فيها الحدود بين الذات والآخر، وكأن شاهين خلال مسيرته الطويلة لم يجسد سوى مقولة الكاتب الفرنسي آلان روب غرييه “أنا، بعد كل شيء، لم أكتب في روايات إلا عن ذاتي”. وإذا استثنيا، هنا، التلميحات والإشارات السريعة التي تظهر جوانب من سيرته الذاتية في أفلامه المختلفة التي استعارات، بهذا القدر أو ذاك، صور بيئته العائلية، فإن ثمة ثلاثية صريحة خصصها شاهين لسيرته الذاتية وهي “إسكندرية ليه” (1978)، و”حدوته مصرية” و”إسكندرية كمان وكمان”، والتي أصبحت، فيما بعد، رباعية لدى انجاز فيلم “إسكندرية.. نيويورك”. في هذه الأفلام أراد شاهين مساءلة الذات، وقرر أن “يضع روحه وتاريخه عاريين أمام الكاميرا، وطوّف على حياته الخاصة، وعلى مساره الحياتي والمهني. على رغباته وإخفاقاته، على نظرته إلى السينما والى السياسة والآخر ودائما عبر سبر غور التاريخ الشخصي، تاريخ الرغبات والمشاعر”.

قبل أن يصل شاهين إلى محطة السيرة الذاتية كانت المنطقة قد شهدت تطورات عاصفة لعل أبرزها نكسة حزيران 1967 وما تلا ذلك من رحيل الزعيم جمال عبد الناصر وحرب أكتوبر 1973 م واتفاقية كامب ديفيد التي ابرمها الرئيس المصري محمد أنور السادات مع إسرائيل، وكان شاهين قد حقق، بدوره، شهرة واسعة على صعيد المهنة، وكان قد طرح كذلك أسئلة مؤلمة عبر سينماه على الواقع العربي، ففي طفولته في مدينة الإسكندرية حلم كثيرا بالفن وحقق الفتى حلمه بالدراسة في الولايات المتحدة الأمريكية، وفور عودته دخل مضمار السينما وهو لم يزل شابا صغيرا، فكانت البداية مع “بابا أمين”، و”ابن النيل”، و”المهرج الكبير”، و”سيدة القطار” وغيرها من الأفلام، وفي منتصف عقد الخمسينات جاء فيلم “صراع في الوادي” الذي سوف يعتبر أول محاولة جدية ليوسف شاهين في عالم سينما القضايا وسينما النضال، واتبعه بفيلم “شيطان الصحراء” ثم “صراع في المينا”، لتشكل هذه الأفلام، كما يرى العريس، ثلاثية عن الصراع ينتصر فيها الشعب دائما ـ حتى وإن كانوا أبطالا فرديين ـ على السلطات الجائرة، وليس بعيدا عن هذا التوجه الأيديولوجي حقق شاهين فيلما عن المناضلة الجزائرية “جميلة بوحيرد”، وفيلما آخر عن صلاح الدين الأيوبي بعنوان “الناصر صلاح الدين” الذي لا يخفى دلالاته السياسية وإسقاطاته المعاصرة، وكذلك الفيلم الدعائي “الناس والنيل”. في هذه الأفلام ساير شاهين ثورة الضباط الأحرار 1952 عن قناعة إلى اللحظة التي اكتشف فيها أن دودا كان ينخر في جسد تلك الثورة. وجاء فيلمي شاهين الموسيقيين الخفيفين “ودعت حبك”، و”أنت حبيبي”، وهما من إنتاج وبطولة فريد الأطرش، في مرحلة فاصلة بدت كأنها استراحة المحارب الذي سرعان ما حقق في العام 1958 فيلم “باب الحديد” الذي شكل منعطفا في مسيرته الفنية، إذ أثار الفيلم جدلا واسعا واعتبر بعض النقاد أن “يوسف شاهين؛ السينمائي الحقيقي قد ولد مع هذا الفيلم”، رغم فشل الفيلم على الصعيدين النقدي والجماهيري، فالناقد عجز عن إدراك أبعاده والجمهور ابتعد عن فيلم لانهاية سعيدة له. بعد ذلك تأتي مرحلة متعثرة حقق فيها شاهين عددا من الأفلام مثل “بياع الخواتم” مع الرحابنة، و”رمال من ذهب”.

بعد هذه البدايات المضنية، المربكة، سيعثر شاهين على ضالته، وسيقدم سينما ذات خصوصية لافتة أوصلته في العام 1997 إلى نيل أرفع جائزة سينمائية، ألا وهي السعفة الذهبية الخاصة بخمسينية مهرجان كان السينمائي، ولا يدخر العريس جهدا في حشد البراهين والقرائن التي تثبت جدارة شاهين بالموقع المميز الذي احتله، ففي فصل بعنوان “سيمفونية الهزيمة” يقدم لنا قراءة لخمسة أفلام شاهينية تكاد تكون القراءة الأولى على هذا النحو من العمق والدراية والفهم. الفيلم الأول في هذه الخماسية هو “فجر يوم جديد” 1964، ثم يأتي “الأرض” 1969 ، و”الاختيار” 1970 ، و”العصفور” 1973 ، و”عودة الابن الضال” 1976 ، إذ يرى العريس بان هذه الأفلام تضعنا في سياق دينامية سينمائية تكاد في ترابطها وحركتها تبدو شبيهة بسمفونية متكاملة أظهرت تلك النظرة الشاهينية القاسية؛ الحادة والجذرية التي ساءلت الأب والغير والقائد والمثقف والحاضر ورجل الدين والفن والإقطاعي والاستعمار والفساد، ولم يبق سوى الذات كي يحاكمها فكانت أفلام السيرة الذاتية، بل ذهب شاهين إلى ابعد من ذلك حين عاد إلى التاريخ ليجادله من منظور سينمائي لا تأريخي، من خلال “وداعا بونابرت”، و”المهاجر” و”المصير” ثم جاءت الأفلام الأخيرة وهي “الآخر”، و”سكوت حنصور”، و”هي فوضى؟” الذي أتم إخراجه بعد رحيل شاهين تلميذه خالد يوسف، لينهي المؤلف كتابه، الذي يضم صورا نادرة، بإدراج مقاطع من حوارات أجريت مع شاهين، فضلا عن شهادات قيلت في تجربته من نقاد بارزين، ناهيك عن فيلموغرافيا كاملة بانجاز شاهين السينمائي.

سينما شاهين كما يتجلى في هذا الكتاب هي سينما مشاكسة؛ متمردة تحاكم الذات والآخر، تسائل الحاضر والماضي، تنسف اليقينيات الجاهزة، وتحرض على الأسئلة المريرة، ودوما عبر مضامين جادة؛ طموحة، ولغة سينمائية مؤثرة تتأرجح بين اللين والشدة، بين الرقة والغضب، بين الهشاشة والقوة، بين الحنان والقسوة… ولعل هذا ما اختزله عنوان الكتاب”يوسف شاهين: نظرة الطفل، وقبضة المتمرد”.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث