الجنود المجهولون في رمضان

الجنود المجهولون في رمضان
المصدر: القاهرة- من حازم خالد

حين ينطلق مدفع الإفطار، ويلتف أفراد الأسرة حول الموائد، يغيب عنها في ساحات العمل رجال أجبرتهم ظروف الواجب المهني أن يبقوا بعيداً عن دفء العائلة.

ومن بين هؤلاء طبيب أوقف نفسه خدمة لمرضاه، وشرطي مرور يضبط إيقاع الطرقات حتى لا ينفرط عقد انتظامها، وصانع خبز يحترق بنار فرنه حتى يحيل صبره لقمة بين أديم الموائد، هم من يشقون ليسعد غيرهم، هم جزء أصيل مكون لحلقات المجتمع تدور على رحى أيامهم استمرارية العمل الدؤوب. لا يسأل الإنسان نفسه ولا ينتبه إذا ما كانت أموره سائرة بشكل سلس، إلا حين يشعر بإخفاق أو انقطاع ما هو موصول، ما يجعل الحياة تسير بشكلها الطبيعي في ظل غياب البعض، وهم الجنود المجهولون الذين لا يشعر بتفاعلهم أحد.

وإذا كان المناخ الرمضاني يفرض نفسه على سائر الشعوب الإسلامية، فإن هؤلاء يتأهبون لقدومه على نحو خاص، ففي الوقت الذي تقرر فيه الأجهزة الحكومية تخفيض ساعات العمل للموظفين، فإن هؤلاء دائماً هم الاستثناء من تلك القاعدة، وهؤلاء يظلون في مواقعهم دون إبطاء أو كسل، فماذا يحدث لو ترك شرطي المرور عمله في ساعة الذروة، والزحام يشتد قبل الإفطار بدقائق معدودة.

ويكون عليه الانتظار لأكثر من نصف ساعة حتى يخف الزحام، ويستطيع أن يتناول إفطاره ـ بالطبع ـ خارج المنزل، وبعيداً عن المائدة التي يجتمع حولها أفراد أسرته، الذين يقدرون لعائلهم أو ابنهم هذا الشرف، فيفاخرون بطبيعة مهنته، ودوره في خدمة المواطنين.

وهناك أيضاً قطاعات الشرطة بمختلف تخصصاتها، وهي تحافظ على الأمن وراحة المواطنين، ويكون شهر رمضان ذا طبيعة خاصة، تقتضي التأهب والاستعداد، ومراقبة الأمن والحفاظ على الانضباط، وهؤلاء دائماً لا يفطرون في منازلهم، لأنهم مجندون للواجب والتضحية براحاتهم الخاصة، من أجل الجموع الصائمة، والتي ترغب في التمتع بشهر رمضان.

ولا يختلف حال الطبيب عن الشرطي، فالأول دائماً في موقع التخفز لتلبية نداءات المرضى، في أي وقت من النهار أو الليل، وهذا ليس قاصراً على شهر رمضان فقط، بل في سائر العام، فحياة الطبيب دائماً موزعة بين عمله في المستشفى أو العيادة وزيارة المرضى في المنازل.

وعادة ما تكون هناك حالات طوارئ على امتداد اليوم بأكمله، داخل المستشفيات والعيادات، ويروي لنا أحد الأطباء المتخصصين في أمراض النساء والولادة، عن طرائف عمله في رمضان، وذلك عندما رن الهاتف في عيادته، والصوت يطلب النجدة لأن زوجته على وشك الولادة، وكان على الطبيب أن يدخل إلى غرفة العمليات، وهو صائم، ولم يبق على انطلاق مدفع الإفطار سوي دقائق معدودة، وكانت الولادة متعسرة، ما استغرق وقتها أكثر من ثلاث ساعات، وحين انتهى الطبيب من عمله، كان الناس يتأهبون لموعد السحور، بينما جلس هو يتناول طعام إفطاره، ولا يكف عن الضحك.

ولعل من المفارقات في رمضان أن يتزايد الطلب على الخبز، رغم أن الناس لا يتناولون سوى وجبتين فقط، ولذلك ينهض الفرّان بمهمة شاقة طوال أيام وليالي الشهر، فمن المشاهد التي تتكرر كل يوم الزحام الشديد حول الأفران.

ويقف الفرّان ساعات طويلة أمام نار الفرن، ولا يستطيع أن يتناول إفطاره، حتى يتسنى للمتزاحمين أن يحصلوا على الكميات التي يريدونها من الخبز، وحين تهدأ الحركة قليلاً، يجلس العاملون في الفرن لتناول إفطارهم، يكون عليهم القيام مرة أخرى لتجهيز كميات أخرى من العجين، حتى يتم إنضاجه قبل وقت كافٍ لموعد السحور.

ولعل الأفران في الأحياء الشعبية تشهد تزاحما على شراء الخبز، أكبر مما يحدث للأفران الأخرى في الأحياء الراقية، وذلك لأن هؤلاء ليست لهم مطالب أخرى سوى الخبز، أما الأفران البلدية، فيشهد الهجوم عليها في النصف الأخير من رمضان، لسبب آخر وهو تسوية كعك وبسكويت العيد.

ومن المظاهر المبهجة لسكان المناطق الشعبية، أن ترتص قطع العجين في الصاجات، ويذهبون بها إلى الفرّان، فهم لا يقبلون على شراء الكعك والبسكويت الجاهز من محال الحلويات، وبذلك يتضاعف العمل في الأفران، وتحدث دائماً العديد من المفارقات التي تصل إلى حد التشاجر بين أصحاب الصاجات، من أجل التسابق حول إنضاجها، بينما الفرّان لا يجد أمامه سوى الابتسام، وممارسة عمله في هدوء، حتى لا تحترق قطع الكعك والبسكويت، ويكون طرفاً أساسياً في النزاع والمشاجرة والصياح.

وتتعدد نماذج الجنود المجهولين في رمضان، فهناك الصياد الذي يبتعد عن الشاطئ، والموج يتقاذف مركبه الصغير، ويكون عليه ممارسة مهنته في عرض البحر أو النهر، وبينما الضوء يتراقص على الشاطئ البعيد، ويكون دائماً ضوء القناديل المتراقص، لنجد الصياد جالساً في قاع مركبه، يتناول وجبة الإفطار أو السحور، بعيداً عن أفراد أسرته، ويحدث هذا طوال العام، ويكون رمضان هو الشهر الاستثنائي الذي يواظب فيه الصياد على الصوم والصلاة، وممارسة عمله الشاق والممتع في آن واحد.

ودائماً ما يحمل الصياد معه راديو صغير، يستمع فيه إلى البرامج المختلفة، ويعرف منه موعد الإفطار والسحور، حتى يتسنى له إعداد مائدته الخاصة، والتي يكون السمك أحد عناصرها الأساسية، فضلاً عن أكواب الشاي التي تدخل الدفء إلى قلبه، لينهض بعد ذلك إلى ممارسة عمله من جديد.

ولا تنتهي تلك المهن التي تحكمها تقاليد خاصة في شهر رمضان، والتي يضطر أصحابها إلى أن يقوموا بدور الجندي المجهول، حتى يوفرون للناس البهجة والأمان طوال أيام وليالي رمضان.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث