وفاة آخر عشاق الكاتبة مارغريت دوراس

وفاة آخر عشاق الكاتبة مارغريت دوراس
المصدر: خاص- من سامر مختار

جرى العثور على الكاتب الفرنسي يان أندريا، رفيق درب مارغريت دوراس، ميتاً الخميس الماضي في شقته الباريسية.

يان اندريا، الذي أمضى معها 16 سنة، كتب للكاتبة الفرنسية الشهيرة مارغريت دوراس رسالة طويلة 230 صفحة يخاطبها ويخاطب نفسه فيها فنكتشف حبّهما وحياتهما اليومية ومشاجراتهما؛ مكتوبة بشاعرية أحيانا وبتقطّع واقتصاد حينا آخر، حسب طريقة دوراس التي أحبّت الكلمات وإنما استخدمتها بقلّة، من دون توابع ولا تفاصيل.

اشتهر أندريا بعلاقته العاصفة مع صاحبة رواية “العاشق” التي نالت بفضلها جائزة غونكور، والتي لم يُشف من حبّها منذ رحيلها عام 1996.

ومن أهم الكتب التي صدرت لـ ” يان ” بعد وفاة ” دوراس ” هو كتاب “هذا الحب” والذي وضعه اندريا خلال السنة الفائتة، بعد خروجه من أزمة نفسية عميقة على أثر وفاة دوراس إذ اختفى في غرفة في منطقة سان-جرمان دي بري الباريسية، قريبا من المنزل الذي سكنه مع الكاتبة، وأمضى سنة ونصف دون أن يرى أي أحد ودون أن يتصل بأي شخص كان، يأكل ويشرب ويدخّن، ولا يخرج سوى لشراء الصحف والسجائر، أما الطعام والشراب فكان يوفرهما له “الصيني” الكائن قرب البيت.

وعندما قرّر العودة الى الحياة، اتصل بوالدته وانتقل الى منزلها في الريف الفرنسي، حيث بقي فترة من الزمن يتعافى ليستعيد حالة طبيعية، من الناحيتين الجسدية والنفسية.

يقول ” يان ” إنه وضع كتاب ” هذا الحب ” دفعة واحدة، على مرحلة شهرين: ” بدأت أكتب مثل المجنون، أضرب على الآلة الكاتبة رسالة طويلة. كل صباح، رسالة إلى التي اسميتها “م.د”. أفعل ذلك من دون أن أعرف ما الذي أفعله فعلا. أكتب دون إعادة قراءة. كل صباح، أكتب. أكتب إليك وكأنه كان ممكنا أن أكتب إليك”.

بدأت قصة الحب الغريبة رغم فارق 38 عاماً بينهما، هو شاب في الـ28 وهي في الـ66 (مواليد 1914)، وعلى الرغم أيضاً، وهنا مكمن الاستحالة، من كون أندريا كان في وقتها مثلي الميول.

كان عشيقها وسائقها وحارسها ثم تحول إلى شخصية في رواياتها، بل إن ظله عبر كل كتابتها بشكل أو بآخر طيلة الـ16عاماً من عيشهما المشترك، وكان أيضاً سكرتيرها الخاص، يكتب رسائلها ويدير علاقتها بدور النشر ومخرجي السينما ويكتب على الآلة الكاتبة ما تتلو عليه من كلماتها إلى الفجر.

وُلدت مارغريت دوراس سنة 1914 في مستعمرة فرنسية في فيتنام الجنوبية حيث كان والدها مديرا للتعليم وحيث بقيت زوجته، بعد وفاته، تدرّس وتربّي أولادها الثلاثة: بيار، ومارغريت وبول. وكتبت دوراس بغزارة عن تلك الطفولة وعن تلك البلاد باحثة عن جذورها وعن عالم راكد وصفته كـ”شاطىء من الرجال والنساء ينامون وفيه تمتد حقول ا لرزّ على مدى البصر وتختلط مع سير الأنهر أو مع بحر الصين”.

ولد يان اندريا ككاتب من خلال لقائه مع مارغريت دوراس، وفي الكتاب الذي وضعه عن علاقتهما المدهشة- المتحدة والنزاعية في آن- أصبحت دوراس شخصية روائية بدورها وكانت قالت له مرّة: “إنني موضوع من ذهب”. وهو يكتب: “مرة أخرى، تظهر الابتسامة. وجهك يتحوّل الى وجه طفل، طفل يعرف، يعرف كل شيء في البراءة الكاملة لمعرفة خارقة. في هذه الابتسامة للوجه كله، للرأس كله، للروح كلها، للقلب كله، تقولين: الموضوع هو أنا… أمتثل لأمرك. مرة أخرى. أكتب إليك. وأكتب وفقا لك. وهذا ليس كل شيء. أنا هنا، لم أمت، لم ألحقك حيث أنت، ولكنني أفكّر بك كل يوم وأفعل ما طلبته: أكتب”.

كتب إليها وكتب وفق ما كتب وبنَفَسِها أيضا، مستعملا الكلمات بالطريقة ذاتها التي كانت تستعمل دوراس كلماتها. وهنا لا بدّ من التوقّف عند بعض من كلماتها في آخر نصّ صدر لها بعد وفاتها بشهر واحد، في نيسان/ابريل 1996: “البحر المكتوب”، حيث تقول : “… كل شيء سيموت؟ هل سينتهي كل شيء؟ سيتوقف؟ حتى الدموع والحب والموت؟ الشعور؟ لم نعد نعرف. هل هو يوم سيّء؟ هل يكون ذلك؟ فقط ذلك، يوم سيّء؟ لم نعد نعرف شيئا بطريقة واضحة. وفجأة، أصبح عمرنا مئة عام. نبكي. نريد أن نبكي أكثر ولكن، لا يكفي. إنما لا أحد يقوله…”.

وكان يان أندريا أصدر من قبل كتاباً عن الروائية الفرنسية مارغريت دوراس حمل الحرفين الأولين من اسمها وعائلتها “م.د.” صدر عن منشورات مينوي وفيه يعتمد أسلوبها السرديّ والايقاع الذي تميّز به نثرها. وبدا الكاتب الفرنسي الشاب متأثراً كل التأثر بالروائية الكبيرة.

عاش أندريا في ظل دوراس حية وميتة. حياة على شفير الهاوية الوجودية. مرهونة بخيط رفيع يصل الحياة بالكتابة والكتابة بالكآبة، إلى أن عُثر عليه في غرفته الصغيرة والمعتمة في زقاق ضيّق بحي السان جرمان جثة هامدة عن 63 عاماً.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث