الحمد الله يوظف ورقة كيري لمواجهة عباس

الحمد الله يوظف ورقة كيري لمواجهة عباس

الحمد الله يوظف ورقة كيري لمواجهة عباس

عمان – (خاص) شاكر الجوهري

لا يشكل تراجع رئيس الوزراء الفلسطيني رامي الحمد الله عن استقالته نهاية للخلاف بينه وبين الرئيس محمد عباس ابو مازن، فهذه الخطوة تكشف عن عدد من الحقائق التي ظلت مستترة إلى حد ما طوال السنوات الماضية:

 

أولى الحقائق أن موضوع الخلافات بين محمود عباس وحركة “فتح” من جهة، وأي رئيس وزراء غير فتحاوي، بدء من اسماعيل هنية حين شكل حكومة الوحدة الوطنية، مرورا بحكومة سلام فياض التي عمرت طويلا بفعل الدعم الأميركي، وصولا إلى حكومة رامي الحمد الله، تنحصر في أمر رئيس واحد هو إصرار عباس وحركة “فتح” على الإحتفاظ بالصلاحيات الفعلية التي تحقق بدورها، أو تكرس المصالح التي تتحقق من خلال الإمساك الفعلي بالسلطة.

 

ثاني الحقائق هي أن الخلاف مع حكومة هنية لم ينحصر فقط في الصراع من أجل الحفاظ على المصالح والمكاسب الشخصية، من قبل قيادات وكوادر حركة “فتح”، وإنما تعداه إلى الخلاف السياسي، خصوصا بشأن البرنامجين السياسي والنضالي، وهو خلاف مستمر بهذا القدر أو ذاك.

 

والحقيقة الثالثة تقول أن الخلاف بين عباس من جهة، وقيادات “فتح” وبعض كوادرها الكبار من الناحية الثانية يتركز على المسائل المتعلقة بالمكاسب والمصالح والإمتيازات، ويكاد يكون منبتّا عن المسائل السياسية، التي يتم التذرع بها، لا خلافات سياسية أبدا بين عباس وقيادات “فتح” وكبار كوادرها.. وكذلك الأمر بين عباس وهذه القيادات والكوادر، وبين رئيسي الحكومتين سلام فياض ورامي الحمد الله، الحمد الله، كما فياض من قبل مقبولان.. بل مفروضان من قبل أميركا، ويلقيان بالتالي القبول الإسرائيلي.

 

وأخيراً الحقيقة الرابعة أن محمد مصطفى، وزياد أبو عمرو، نائبا رئيس الوزراء ليسا فتحاويان، فلم يلقيان الدعم والتحريض الفتحاوي في مواجهة الحمد الله، الرد يتمثل في حقيقة أن الفساد في فلسطين قد تجاوز الفصائل والفصائلية، وأصبح عابرا لها.

 

الفاسدون في “فتح” يسعون إلى الضغط على رئيس الوزراء القائم، والإلتفاف عليه عبر العناصر غير الفتحاوية في حكومته، التي تلقى دعمهم، وتستجيب لتحريضهم، حفاظا على مواقعهم، ومصالح وامتيازات هذه القيادات، هؤلاء سعوا في هذه المرة إلى “لي يد” رئيس الحكومة الجديد منذ أيام حكومته الأولى.. أداتيهما في ذلك نائبي الرئيس.

 

إن نجحوا في ذلك، فأهلا وسهلا ومرحبا برئيس الحكومة، وإن لم ينجحوا، فإنهم جاهزون لأن يرموا رئيس الحكومة بدائهم، وينسلوا منه.

والتهم أكثر من جاهزة، وفي مقدمتها العمالة لأميركا واسرائيل.. والسعي والعمل من أجل خلافة محمود عباس في رئاسة السلطة.

هل هم مختلفون مع رئيس الحكومة في أي موقف سياسي.

 

بالقطع لا.. ولو كان هنالك أي خلاف سياسي مع فياض، أو مع الحمد الله، لكان يتوجب أن يختلفوا كذلك مع عباس نفسه، الذي يمحضوه كل التأييد، بحثا لديه عن الدعم.. وهو الذي تتطابق سياساته ومواقفه مع رئيس الحكومة المختار، هم يمتدحون ويعلنون تأييدهم لسياسات عباس، ويعارضون رئيس الوزراء (فياض ثم الحمد الله) لانتهاجهما ذات السياسات.

 

فياض تعامل مع هؤلاء بما يرضي غالبيتهم.. دعمته أميركا بموازنة خاصة لإسكات هؤلاء، كان يغدق عليهم منها.

 

رامي الحمد الله، سعوا إلى فرض مصالحهم عليه منذ الأيام الأولى، وقبل أن “يشتغل عداد حكومته”.. وحرضوا نائبيه عليه ليضعفوه، فيحصلوا على مبتغاهم، علاقة هؤلاء الفاسدين بأبي عمرو، ومصطفى قديمة، أبو عمرو، لم يشغل وزارات ذات صلة بالمال من قبل، غير أن محمد مصطفى يبدو أنه لم يبخل عليهم بما يريدوه منذ كان يشغل مدير صندوق الإستثمار الفلسطيني، الآن، أبو عمرو أيضا أصبح في يده مال.

 

لقد سعى هؤلاء إلى اقتسام المسؤولية عن الضفة وغزة بين محمد مصطفى، وزياد أبو عمرو، فتصبح المخصصات المالية في أيديهم هم من خلال نائبي رئيس الوزراء غير الفتحاويين، اتقاء لشرور تهم قد تكال لهما في حال عدم التجاوب.. وتحويل رئيس الوزراء إلى طرطور.

الحمد الله لم يقبل ذلك..

سارع إلى تقديم استقالته.. لقد قرر “أن يذبح القط في ليلة الدخلة”.

التوقيت مناسب جدا.

جون كيري، وزير الخارجية الأميركية عائد إلى المنطقة، يحمل مقترحات واشنطن الأخيرة للحل مع اسرائيل.

 

صحيح أن المقترحات.. الشروط غير كافية فلسطينياً، ولكن عباس يتصرف دائما على قاعدة “ليس بالإمكان أحسن مما كان”.. وهو ربما يكون ميالا للقبول بأي عرض أميركي.. حتى وإن تراجع عن فكرة الحل الشامل، إلى الحل التدريجي من جديد.. رغم سبق تجريب الحل المرحلي الذي جاء به اتفاق اوسلو منذ 1993 وحتى الآن.

 

واشنطن التي ترفض مشاركة “حماس” في العملية السياسية، كما ترفض مشاركتها في حكومة وحدة وطنية، فرضت على عباس التراجع عن تشكيل حكومة المصالحة برئاسته، وهو ما سبق أن اقترحه خالد مشعل رئيس المكتب السياسي، لحركة المقاومة الإسلامية في فلسطين، معتبرا هذا الإقتراح “فلتة من فلتات الزمان”، فوضع عباس حدا لهذه “الفلتة” قبل أن يبدأ زمن المصالحة العملية.

 

وواشنطن التي فرضت على عباس التراجع عمليا عن المصالحة، وإن تواصل الحديث عنها بالتوازي مع استئناف الإعتقالات التي تطال قيادات وكوادر “حماس” في الضفة الغربية، واخضاعهم للتحقيقات.

 

واشنطن، تنتظر الآن، ومعها اسرائيل ذريعة من طراز استقالة حكومة رام الله، لتتذرع بها لوقف مسيرة التسوية السياسية مرة أخرى، هل يعقل أن يتم تحريك التسوية السياسية مع عباس الذي “لا يمون على غزة”، وكذلك “لا يمون على رام الله.

 

كيف يتم إذا الحفاظ على أمن اسرائيل؟!، هذه هي الحقيقة الخامسة التي كشف عنها حدث استقالة الحمد الله.

 

عباس الذي سارع إلى قبول استقالة فياض فور إعلانه عنها، خاصة وأنه أحرج بتصريحات وزير الخارجية الأميركية من لندن، التي بدأ معها أن واشنطن مصرة على الإبقاء على فياض، فكان لا بد من قبول استقالته ذرا للرماد في عيون الفلسطينيين، عباس كان يراهن على وجود بديلين مقبولين أميركيا لفياض.. رامي الحمد الله، ومحمد مصطفى، الآتي هو الآخر إلى السلطة الفلسطينية من البنك الدولي.. حاله حال فياض.

وليس من المنطق في شيء أن يقوم عباس باستبدال الحمد الله بمصطفى، ذلك لسببين:

الأول: عدم تيقنه من الموقف الأميركي في هذه الحالة، الذي ظل يلح دائما على ضرورة وضع حد لفساد قيادات وكوادر حركة “فتح”.

الثاني: أن عباس في حال لجوئه إلى هذا الخيار، يكون كمن أوقف نفسه وظهره إلى الحائط.

 

يصبح محمد مصطفى في هذه الحالة هو خياره الوحيد. الذي لا بديل له. فيتمكن محمد مصطفى منه، بدلا من أن يتمكن هو منه.

 

رامي الحمد الله، الذي يصفه من يعرفه بالذكاء المفرط، والقدرات التكتيكية الخارقة، يبدو أنه بات مرجحا في ضوء هذه الحسبة أن ينجح في تسديد ضربة قوية لمن بدأوا مناصبته العداء، عباس يبدو مضطرا لأن يقدم للحمد الله التنازلات التي يطلبها. وهي ليست بتنازلات تعجيزية.

 

بغض النظر عن المواقف السياسية للحمد الله، فهو لا يطلب أكثر من التمتع بالصلاحيات التي كلف بها كرئيس للحكومة، ألم يختلف عباس نفسه من قبل مع ياسر عرفات بسبب حرمانه من صلاحيات منصب رئيس الوزراء.

 

المعلومات التي تسربت تفيد أن عباس وعد الحمد الله في اللقاء الذي جمعهما الجمعة بأن يكون هو مرجعية كل وزرائه، فيما يمثل هو مرجعية رئيس الوزراء، لكن الحمد الله، وعده بالرد على هذا العرض لاحقا.

 

الحمد الله المتمكن من حساباته، لا يريد أن يظهر حرصا على المنصب.. يريد أن يربى “الحالة الفتحاوية”، ويقلب الرئيس على قيادات الحركة.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث