موسيقار قبطي مصري يرثي الشيخ الهلباوي

موسيقار قبطي مصري يرثي الشيخ الهلباوي

موسيقار قبطي مصري يرثي الشيخ الهلباوي

موسيقار قبطي مصري يرثي الشيخ الهلباوي

إرم ـ (خاص) أحمد السماحي

الموسيقار المصري العالمي “جورج كيرلس” والذى كانت تربطه صداقة وطيدة بالراحل صرّح لــ ” إرم” قائلاً: لقد فقدت الإنسانية في مصر والعالم العربي هذا الأسبوع الشيخ محمد الهلباوي “القيثارة الصوفية” التي أشجت كل من استمع اليها.

 

هذا الرجل البسيط والفنان القدير ذو الصوت الشجي المفعم بالأحاسيس الروحية، الذي يحمل بين ثناياه جميع القيم الجمالية ومعاني السلام والمحبة لكل أنحاء العالم، فقدت الإنسانية ذلك الإنسان العظيم في محبته ومشاعره ووفائه الشديد لوطنه، لقد كان يحظي بحب واحترام كل من يلتقي به، كما كان يحب كل من يعرف معنى الحب، أما الذي لا يعرف المحبة فكان يدركها في شخصه الكريم.

 

ويضيف كيرلس: كان الشيخ الهلباوي يحب ابنتي الفنانة “مونيكا” حبًا شديداً منذ كانت طفلة في العاشرة من عمرها، حتى أنها عندما كبرت، أصرت على دعوته يوم زفافها قبيل رحيله بأسابيع قليلة ، ففاجأ الجميع بدخوله كنيسة العذراء بمدينة نصر لكي يشارك الحضور في هذا الحفل الكبير، ووقف في الصفوف الأمامية بالكنيسة كأنه من أفراد أسرتها المقربين، فقد كان حقاً قريباً منا.

 

وعن ذكرياته مع الهلباوي يقول: أذكر اننا سافرنا معاً (فرقته الصوفية وفرقة دافيد القبطية) إلى باريس عام 1995 للمشاركة في مهرجان الفنون المقدسة، لكي تكون الفنون المقدسة الإسلامية متجاورة إلى جانب الفنون المقدسة الصوفية، وكان ذلك بترتيب من الأستاذ الدكتور أحمد المغربي عاشق الموسيقي القبطية.

 

كما سافرنا معا أيضأ لتقديم العمل الموسيقي الكبير “موزار المصري” على أوبرا مارسيليا عام 1998 وفي كاتدرائية سانت دوني بباريس من نفس العام، لكي نثبت للعالم أجمع، والذي كان يشاهد الاحتفال على شاشات عملاقة في ميادين فرنسا، أن صوت الشيخ الإسلامي الرجل الكبير محمد الهلباوي وهو ينشد اللحن الجنائزي الصوفي متوافق ومتناغم تماما مع صوت الطفلة الصغيرة المسيحية “مونيكا” ، وهي تُنشد لحن “الغولغوثا” الذي يُنشد في الكنيسة القبطية يوم الجمعة العظيمة، وهو اللحن ذو الجذور الفرعونية، لكي نثبت أيضاً أن كلاهما متناغم مع القداس الجنائزي لموتسارت، الذي أحب مصر وأحب موسيقاها.

 

ولا يمكن أن أنسى سفرنا معاً إلى مدينة “أجد” جنوب فرنسا، ومعهد العالم العربي بباريس، وإلى هانوفر بألمانيا، وإلى ميلانو، وروما، وفينيسيا بإيطاليا عام 2000 ، حيث كنا نحمل في قلوبنا رسالة سلام مُنغمة صادقة لكل العالم، في الوقت الذي “فتنة الكشح” كانت تنهش في لحم الجسد الواحد، هذا لأن هذه الألحان كانت تخرج من حناجر تغني وتستلهم غناها من قلوب امتلأت بالمحبة والسلام، حتى لو أحاط بها الغدر والخصام من كل ناحية.

 

لقد كان الشيخ الهلباوي ينشد وهو ممسك بيدي من ناحية وبيد المعلم إبراهيم عياد مرتل الكنيسة القبطية المشهور من الناحية الأخرى، وكنا نرنم جميعنا للإله الحي، ترنيمة السلام والمحبة ليسمعها العالم أجمع.

 

كنا نشعر بحب الشيخ الهلباوي لجميع أعضاء فرقة دافيد، وكان هو يشعر بمحبتنا الشديدة له ولجميع أعضاء فرقته، وكنا جميعنا علي يقين أن ما نقدمه أمام الجماهير الكثيرة في كل بلدان العالم، ليس مسرحية هزلية، ولكنه سلام مُعاش ومحبة مُعاشة بين قلوب تعرف السلام والحب لبعضها البعض قبل أن تعلنه منغما علي خشبة المسرح.

 

لقد كنا نقدم اللحن الصوفي واللحن القبطي ، وكأنهما قد امتزجا معاً، فلا تعرف أين هى هذه النغمة الصوفية وأين تلك النغمة القبطية ، فقد ذابت كل منها في الأخرى مثلما ذابت المحبة في القلوب.

 

كان متواضعاً بسيطاً، فطلب من ابنتي مونيكا قبل أن يُنشد هو ألحانه أن تدعو له بالتوفيق، ووعدها بأنه هو أيضاً سيدعو لها بالتوفيق، ولما كانت مونيكا وقتئذٍ صغيرة هرولت فرحةً لوالدتها لكي تخبرها بأن مولانا الشيخ الهلباوي سيدعو لها عندما تعتلي خشبة مسرح أوبرا مارسيليا، فكانت بساطته كبساطة هذه الطفلة التي لم تتعدى وقتها العاشرة من عمرها، فصار كل منهما يدعو للآخر لكي يكون نشيده السمائي مقبولاً على الأرض.

 

وأذكر أنه منذ أكثر من عشر سنوات ، قامت القناة الفضائية المصرية بإنتاج برنامج “ألحان من السماء” من الأناشيد وتسبيحات الشيخ الهلباوي التي تم تضفيرها مع ألحان فرقة دافيد القبطية، وقد لاقى هذا البرنامج قبولاً لدى المشاهد المصري ونجاحا منقطع النظير حتى أنه كان يذاع في اليوم الواحد أكثر من خمس مرات، وظل يذاع لسنوات طويلة.

 

أذكر أيضاً أن المخرج الكبير والصديق الفنان عصام السيد، عندما وجد أن صوت الشيخ الهلباوي عندما يمتزج بنغمات فرقة دافيد له قوة وفاعلية لا يستهان بها، لذا قرر أن يتم تقديم حفل تسبيحي روحاني في يوم الانتصار العظيم 6 أكتوبر ، وكان ذلك في عام 2003، وفورانتهاء هذه الفقرة دوى التصفيق في أرجاء الصالة المغطاة في مدينة نصر .

 

لا أستطيع أن أنكر أنني بكيت كثيراً على فراق الشيخ الهلباوي، هذه القيثارة الصوفية التي طالما أنشدت أشجت، وطالما رفعت صوتها المفعم بالمشاعر والأحاسيس، أثرت في كل من يسمعها، وأذابت من قلوب سامعيها كل حقد وكل ضغينة وكل فتنة.

 

أرجو أن كل نغمة سبح بها صديقي الشيخ محمد الهلباوي وكل مقام أنشده، وكل ترنيمة رفع صوته بها، أن تكون عربوناً لراحة نفسه وسكينة جسده في مثواه الأخير.

 

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث