السياسة تعلم أمل الدعارة

الاطفال السوريون في لبنان يمتهنون التسول والدعارة

السياسة تعلم أمل الدعارة

بيروت- من هناء الرحيّم

 

لم تكن أمل -الطفلة ذات العشر سنوات- تتخيل ولو للحظة واحدة من سنوات طفولتها الوادعة أن والديها سيدفعانها لاحتراف مهنة الدعارة، لإنقاذ ما تبقى من أخوتها الصغار!

قبل الحرب، كانت تلعب بعرائسها مع اخوتها وبنات الجيران في ضيعتهم الصغيرة في ريف دمشق، وتحلم أن تكون ذات يوم عروسا…وكانت  لعبة “بيت بيوت” حيث تمثل دور العروس وأحمد الصغير ابن الجيران هو العريس اللعبة المفضلة لديها.

وفجأة.. من غير أن تعرف كيف ولماذا قامت الحرب، وبدأ هدير المدافع ليهرب والدها من نيران القصف والرعب مع زوجته وأطفاله العشرة إلى لبنان، وهناك تغيرت حياتها إلى الأبد.

كانت هذه واحدة من قصص مأساوية كثيرة كشف عنها لـ “إرم” لويس ضو مسؤول برنامج حماية الأطفال من خطر الانحراف  في مركز نبع الحياة التابع لجمعية الايمان المتبادل، وهي إحدى المؤسسات الخيرية اللبنانية التي تهدف إلى مساعدة اللاجئين السوريين في لبنان.

يتحدث ضو عن المعاناة وبعض الحلول، لكن الصورة الأكثر سوداوية هي تلك التي تظهر من خلال سرد الرجل لقصص تدمي القلب حزنا، ومنها قصة أمل التي لا تعدو سوى حكاية صغيرة من حكايات أخرى كثيرة، حول قيام بعض اللاجئين بتشغيل بناتهم وأطفالهم بالدعارة والتسول من أجل توفير لقمة الخبز الدامية.

ويشير ضو إلى أن مشكلة  أمل، التي تتابع دروسها في المركز،  “تم اكتشافها عندما طلبت المحللة النفسية من الفتاة أن ترسم، فما كان من الطفلة إلا أن قامت برسم والديها عاريين وبشكل مفصّل”.

ويضيف ضو بألم: “علمنا بعد ذلك أن الوالدة تقوم بتشغيل ابنتها بالدعارة لتجني المال، كما أن الطفلة أخبرتنا الكثير من الأمور التي فيها امتهان لجسدها، أيضا اكتشفنا أن الأب كان يغني ويطبّل لبناته  في الشارع حتى  يرقصن ويجني المال من الناس لقاء ما شاهدوه”.

ويؤكد ضو “أن هذه الطفلة، تعاني من مشكلات نفسية جمة بسبب ما تتعرض له”، إلا أنه يشدد في الوقت نفسه “إلى أنها تحلم أن تعيش حياتها ببراءة  كأي فتاة بعمرها، ولذلك لجأت إلى مركز نبع الحياة لأنها تشعر فيه بالراحة والامان”.

التلميذ المتسول

ما تم اكتشافه حول أمل مجرد قصة من حكايات مآسي كثيرة يعاني منها أطفال وصلوا إلى  المركز من بيئات مختلفة، غير أن الأوضاع الاقتصادية الصعبة وحدتهم.

ويحكي ضو رواية أخرى عن طفل يأتي في الصباح إلى “نبع الحياة” لمتابعة دراسته مع أقرانه إلا أن أستاذه فوجىء به في عصر أحد الأيام عندما شاهده وهو  يتسول في الشارع!

 “كان يمد يده للناس اللذين يمعنون في إهانته، وأكثر ما أزعجني أن أحد طلابي وصلت به سوء الأحوال إلى حد التسول”، يقول ضو، ويتابع: “حاولنا في المركز أن نعالج المشكلة لكن صدمتنا كانت أكبر عندما اكتشفنا أن أهل الطفل هم من يدفعونه للتسول”.

مع هذا الاكتشاف تتعقد المشكلة، وكما يقول ضو فإن الجمعية تستطيع أن تساعد الطفل وتدله على الطريق الصحيح، لكنه يجزم بأن تغيير ذهنية الأهل مسألة قد تحتاج إلى معجزة.

 ويخلص هذا المسؤول إلى “أن الكثير من الأطفال اللذين يعانون من مشاكل وانحرافات لدينا في المركز هم ضحية أهاليهم”. ولعل أفضل بشارة يقدمها ضو للاجئين هو تأكيده أن: “كل ما يقدم في المركز مجاني وقد فرضنا بعض الرسوم البسيطة لنشعر الأهالي بالمسؤوليه تجاه اطفالهم”.

يا مدارس يا مدارس.. ياما كلنا ملبس خالص

 

على النقيض من الوالدين الذي دفعا ابنتهما للدعارة، تبرز قصة علي الرجل الأربعيني الذي يعمل جاهدا لتأمين اللقمة لأطفاله الثلاثة، ويتحسر من عدم قدرته على إرسالهم للمدرسة.

 هرب علي من هول الحرب في سوريا مع زوجة وأطفاله الثلاثة، ركان ومحمد وزينب، ومع الرحيل غادر ركان ومحمد مقاعدهم التي ألفوها في مدرسة قريتهم.

وفي لبنان لم يعد “ابو ركان” قادرا على ارسال أولاده للمدرسة.

 

يلعب الطفلان أحيانا ويساعدان والدهما في الاهتمام بالعمارة وسكانها أحيانا أخرى، يجمعان معه النفايات يكنسان ويمسحان. “كبر الطفلان قبل الأوان”، يقول علي وهو يحمل ابنته زينب: “في سوريا كانت الأمور جيدة، كنا نعيش حياة طبيعية، أما في لبنان فإن حالنا يصعب حتى على الكافر”.

 

ويشرح علي وضعه أكثر: “أعمل حارسا في هذه العمارة منذ سنة، وما اتقاضاه بالكاد  يكفي ثمن طعام لأبنائي وتسألين لماذا لا يذهبان إلى المدرسة”.

 ركان تعال إلى هنا يصرخ علي متابعا “اساليه لماذا لا يذهب إلى المدرسة”… إجابة الطفل كانت واضحة: “والدي لا يملك المال لإرسالنا إلى المدرسة”. وأنت هل تحب المدرسة؟ يجيب ركان ببراءة الطفولة: “نعم أحبها.. كل الأولاد يذهبون إلى المدرسة، وأنا أحب أن أتعلم كي أساعد أبي حين أكبر”.

 

جمعيات الخير.. أمل اللاجئين السوريين في لبنان

هنا لبنان البلد الذي عاش حروبا كثيرة، هذا البلد المسكون بأناس عرفوا معنى اللجوء والتهجير بأنواعه وأشكاله تحول اليوم إلى ملجأ لآلاف السوريين الهاربين من حرب لم يعيشوا مثلها في تاريخهم.

رغم المعاناة التي يعيشها آلاف الأطفال مع ذويهم في لبنان، ورغم قلة حيلة الحكومة اللبنانية، وقدرتها على الاهتمام بهذا العدد من اللاجئين الذين تدفقوا على لبنان بصورة مفاجأة وعشوائية، إلا أن هناك جمعيات أولت موضوع أطفال اللاجئين اهتماما كبيرا، وقدمت لهم مساعدات اجتماعية وتعليمية عديدة.

جمعية الايمان المتبادل في لبنان، واحدة من هذه الجمعيات التي تقدم خدماتها من خلال مركز نبع الحياة الذي  يهتم  بالأطفال اللذين لم تسمح لهم ظروف الحياة بالتواجد في المدرسة.

تقول كريستين بطرس مديرة العلاقات العامة في جمعية الايمان المتبادل: “نحاول تقديم التعليم البديل للطفل الذي لا يمكنه الدخول إلى المدرسة، ونساعده على تعلم القراءة والكتابة ليتمكن من تعلم مهنة يستطيع أن يعتاش منها في حال تعذر اكماله الدراسة”.

يستقبل مركز نبع الحياة 45 طفلا، غالبيتهم من أبناء اللاجئين السوريين، وآخرون ممن لا يملكون اوراقا ثبوتية، ورفضت المدارس استقبالهم، أو أطفال انقطعوا عن الدراسة لعدة سنوات بسبب ظروف أهاليهم الاقتصادية.

وتشير بطرس إلى أن ازدياد أعداد اللاجئين السوريين في لبنان زاد من عدد الراغبين في الانضمام إلى المركز لكن امكانات المركز المحدودة دفعتنا إلى اطلاق برنامج خاص لزيارة اللاجئين السوريين في لبنان وذلك للوقوف على احتياجاتهم المادية، وتقديم الخدمات الاجتماعية والنفسية لهم.

ورغم ذلك، تبقى حكايات لا تنتهي لأطفال كالبراعم، لا ذنب لهم سوى أنهم لاجئون هاربون من هول حرب أوقعتهم بين شرين، إما الموت أو الهروب فاختاروا اللجوء إلى لبنان فوجدوا أن الواقع أشد مرارة ، أما المستقبل فيبقى في علم الغيب.

 

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث