النص والتأويل.. في الخطاب الأصولي

النص والتأويل.. في الخطاب الأصولي
المصدر: القاهرة من هند عبد الحليم

“النص والتأويل في الخطاب الأصولي .. آليات القراءة وسلطة التناص” هو عنوان الكتاب الصادر حديثاً عن دار رؤية للنشر بالقاهرة للدكتورة بثينة الجلاصي أستاذ الأدب والنقد الحديث بالجامعة التونسية، حيث تؤكد على حقيقة مهمة وهي أنه رغم تعدد المقاربات في تفكيك النص وتعدد أوجه بوحها بامتلاك المعنى فيه واكتشاف حقيقة الدلالة وتتبع خطى صانعه ومنشأه، فإنها تظل قاصرة عن الإلمام بكل ذلك، وظلت جهود المناهج المسلطة على النص ضرباً من “الاهتداء” إلى المعنى الأصلي فيه دون “بلوغه”، وضرباً من التوق إلى “استنطاق” مقاصد صانعه دون “إدراكها”.

وتشير الجلاصي إلى أن هذه الظاهرة حاضرة في كل الثقافات ابتداء من اليونانية وانتهاء بالثقافة الغربية، ولما كانت الثقافة العربية ثقافة “نص” بالأساس، أي أن مدار الاهتمام بها النص القرآني، كان لزاماً على المنشغلين بهذا النص أن يخوضوا في إشكاليات تتردد في مصنفاتهم على اختلاف مشاربها وتنوع اختصاصها، ولعله من أكثر هذه القضايا تداولاً هي قضية قراءة النص القرآني وشروطها وآليات تدبر المعنى فيها. وهذا الأمر دفع الإمام الشافعي إلى الإلحاح على ضرورة حذق اللساني العربي باعتباره الآلة المباشرة لفعل القراءة وفهم المعنى، “فلا مدخل للنص سوى اللغة، ولا توغل في متاهاته إلا بتمثل الوجوه المحتملة التي تثيرها من خلال القرائن الحافة ومقتضيات الحال”.

فرسالة الشافعي بحث في آليات قراءة النص وشروطها. ومن هذا المنطلق تصبح الأدلة الماثلة في المدونات الأصولية هي أدوات قراءة موظفة لإيضاح معنى النص وفهم كنهه، فإذا عزّ البيان في دليل من الأدلة كان المطلب متاحاً في دليل آخر، وهو ما نفهم به ترتيب هذه الأدلة ترتيباً يتلاءم ونجاعتها البيانية، ناهيك عن فاعليتها الحجاجية.

وتقدم الجلاصي دليلاً آخر على ما ذهبت إليه وهو تقسيم الأصوليين النص إلى مستويات تنبني على ثنائيات منها ما يشمل الجانب اللغوي البياني، ومنها ما يتصل بالاستدلال، فكان حديثهم عن العموم والخصوص، والمجمل والمفصل، والحقيقة والمجاز، والأمر والنهي، والمحكم والمتشابه، وغيرها في إطار علوم مخصوصة تتدارسها منها علوم القرآن وعلم الكلام وعلم أصول الفقه وعلوم الغة وعلم البلاغة. وهذه الثنائيات تبين أن نظرة الأصوليين للنص فاقت نظرة النحويين وغيرهم من حيث العمق والاستثمار، فكان تعاملهم مع مستويات النص ضرباً من “الحفريات” التي تفصل بين السطحي منه “القشور” والعميق “اللب”، الأمر الذي جعل أهل اللغة- فيما بعد- يستأنسون بمنجزات الأصوليين النصية وبحوثهم في أمهات القضايا اللغوية ويؤصلون النحو بالكيفية التي أصّل بها هؤلاء الفقه.

فتراكمية النصوص تركيباً ومعنى هي قدر كل نص مهما كان جنسه، وهذا النص سيتحول بدوره إلى مرجعية لنص قادم ومنتظر. وانطلاقا من ذلك يكون النص الأصولي نصاً مسكوناً بأصوات مختلفة منها صوت المفسر وصوت النحوي، وصوت البلاغي، وصوت الشاعر، وهي أصوات لا تدل على الحوارية بين النصوص المختلفة فحسب، بل تدل كذلك على حاجة النصوص إلى بعضها وعلى ترحل المعنى فيها، ولا سيما أن مؤلف النص الأصولي يتميز بكفاءة الجمع بين حقول معرفية مختلفة ومتداخلة، بل إن من شروط الأصولي أن يكون متبحراً في علوم متنوعة حتى تكون الثقة فيما يكتب، ويكون فهمه وتأويله للنص القرآني مأموناً من الزلل.

إن الشروط المعرفية التي ضبطها الأصوليون للاجتهاد لا تقيم وحدها دليلاً على تداخل النصوص في الخطاب الأصولي، وعلى موسوعية الفكر العربي الإسلامي قديماً، بل إن هذا التداخل يفرضه كذلك منطق حضاري هو أن الفكر الإنساني لا يعيش القطيعة الابستيمولوجية والعزلة المعرفية في مساره التاريخي، ولكنه فكر يتنامى وتتصل حلقاته بعضها ببعض، وإن اختلفت الأرضية العقدية والمشاغل الثقافية من عصر إلى آخر.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث