فنانون على كرسي المذيع

فنانون على كرسي المذيع

فنانون على كرسي المذيع

 

القاهرة- (خاص) من أحمد السماحي

يبدو أن عدم الاستقرار السياسي الذي تعاني منه مصر حاليا أثر في كافة المجالات، وليس فقط فى المجال السياسي، فبعد ظاهرة تقديم عدد كبير من المطربيين لبرامج إكتشاف المواهب، بدت إضاءة كاميرات التلفزيون مغرية للعديد من نجوم الفن، الذين لم يكتفوا بالوقوف أمام كاميرات الإعلام بكل مجالاته، فأخذوا يزاحمون أصحاب المهنة الأصلية، ويقفون في أماكنهم داخل الاستوديوهات.

 

و شاهدنا خلال الفترة القليلة الماضية قيام عدد كبير من الفنانيين المصريين إلى (تقليب عيشهم)، واحتراف مهنة جديدة عليهم، هذه المهنة هي تقديم البرامج، حيث لاحظنا اختراقا قويا من الفنانين للمجال الإعلامي، حتى باتت ظاهرة الفنان الإعلامي تجتاح معظم القنوات التلفزيونية الكبيرة والصغيرة على حد سواء، من هؤلاء النجم هشام سليم الذي يقدم برنامج (حوار القاهرة) على (سكاي نيوز)، والفنان هاني رمزي الذي يقدم (الليلة مع هان)” على قناة mbc مصر، ونجم الكوميديا محمد هنيدي الذي يقدم لحظة شك على روتانا مصرية، وأشرف عبدالباقي الذى يقدم برنامج جد جدًا الذي يعرض على قناة (osn) يا هلا شباب.

 

وخلال الفترة المقبلة سيقدم برنامج جديد لقناة الحياة المصرية، كما يقدم أحمد آدم ( بني آدم شو) على الحياة، وتطل دوللي شاهين على جمهورها من خلال برنامج مين بيقول الحق على قناة (القاهرة والناس)، والبرنامج يتم تقديمه على ثلاثة مواسم متتالية، ويتكون كل موسم من خمسين حلقة، تستضيف دوللى خلالها مجموعة كبيرة من نجوم الفن، وانتهت من تسجيل حلقات الموسم الأول، وبدأت مؤخراً فى تصوير أولى حلقات الموسم الثاني، وفي الطريق الفنانة سمية الخشاب التي ستقدم في شهر رمضان المقبل برنامج سمية والستات على قناة (القاهرة والناس)، كما تستعد صابرين لخوض التجربة من خلال (نهر الحياة) الذي سيعرض على قناة الحياة، وفي ظل سباق الفضائيات للتعاقد مع الفنانين كمقدمي برامج لتحقيق نسبة مشاهدة قررت قناة الشعب المزمع افتتاحها خلال الفترة المقبلة، والمملوكة لرجل الدين صفوت حجازي الاستعانة بعدد من الفنانين على رأسهم مكي وحلمي، وأوضح مكي أنه استقر على تقديم برنامج للمسابقات يختلف عن برامج المسابقات التي عرضت من قبل، رافضا الإفصاح عن اسم البرنامج، كما تعاقدت القناة مع اللبنانية لاميتا فرنجية.

 

غزو الفنانيين للقنوات الفضائية أصبح الآن ظاهرة من الظواهر التي يجب أن ينظر إليها بعين الاعتبار لتأثيراتها الواضحة في الإعلام كمهنة، خاصة أن بعض من هؤلاء الفنانيين كان وجوده باهتا، ولم يحقق أي نجاح يذكر في تجربة التقديم، والبعض الآخر كانوا جديرين بهذه الطلة، وقدموا أنفسهم بشكل مختلف، مما جعلنا نتساءل: هل بدأ الفنانون بسحب البساط من تحت أقدام الإعلاميين، أم بات المنتجون يبحثون فقط عن شهرة الفنانيين بغض النظر عن وجود الإعلامي المثقف؟، وما مدى تقبل المذيعين لهذه الظاهرة؟ أسئلة كثيرة حولنا الإجابة عليها في سطور هذا التحقيق.

 

في البداية تقول الفنانة سمية الخشاب عن ظروف تقديمها لبرنامجها الجديد سمية والستات الذي سيعرض قريباً: “عندما عرض علي طارق نور صاحب قناة القاهرة والناس فكرة تقديم برنامج تحمست جدا، وعرض علي فكرة البرنامج، ووجدت في فكرته ما أبحث عنه من شروط، خاصة أن البرنامج ليس فنياً، لذلك وجدتها تجربة تضاف إلى رصيدي، ففكرة سمية والستات تتناول شؤون الموضة والمطبخ والمنزل والأسرة، وتحمست لها لأنني وجدتها مناسبة لي، وهى وسيلة أخرى للإهتمام بالمرأة والحديث بعمق عن قضاياها والاهتمام بها”.

 

ونفت سميه أن يكون تقديمها للبرنامج بحثا عن شهرة أو مال أو جرى وراء موضة وقالت: “الحمد الله شهرتي عريضة على مستوى العالم العربي، ولست في حاجة للمال، لأننى نجمة ولي إسمي، ويهمني العمل الذي أقدمه، ولو كنت أريد مالاً كنت قبلت بما يعرض علي من أعمال فنية كثيرة، كما أنني لا أقلد أحداً ولا أجري وراء موضة معينة، وعلى الرغم من أنني أؤمن بأننا يجب ألا نقتحم مهنة أخرى لكني أؤمن أيضا بأنه من حقنا أن نخوض تجارب جديدة ومختلفة دائما في مشوارنا المهني، وأرى أن كل فنان قادر على اختيار الأعمال التي يجد نفسه فيها،ومن المؤكد أن الفضائيات وشركات الإنتاج لن تغامر بتقديم برامج للفنانين إلا إذا كانت تدرك جيداً قدرتهم على تحقيق نسبة مشاهدة عالية، لكن أغلب الفنانين الذين قدموا برامج كانوا يركزون على الجانب الفني واستضافة نجوم الفن، وأعتقد أنهم وقعوا في خطأ لأنهم لم يستغلوا التجربة بشكل صحيح في توصيل رسالتهم الى أكبر قطاع من المجتمع”.

 

وعن عدم تحقيق برنامجه الأخير جد جداً النجاح المرجو منه يقول الفنان أشرف عبدالباقي مشكلة البرنامج هو العرض الحصري على قناة مشفرة وجديدة حتى أنني عندما علمت بموعد عرضه الأول ظللت أنتظر أمام قناة (osn يا هلا) لكنى لم أجد البرنامج، وبعد اتصالي بإدارة قنوات osn وجدت أنه تم عرضه على “يا هلا شباب” وهى إحدى قنوات الشبكة الجديدة، وأشار عبد الباقي إلى أن مضمون البرنامج ليس له أي علاقة باسمه، ولكنه برنامج كوميدي ساخر، ومضمونه الكوميدي كان سبب موافقته عليه، حيث إنه ينقسم إلى جزئين، الأول يعلق فيه على الأحداث الاجتماعية الموجودة حاليًا، مثل مشاكل التعليم والعيش وأنابيب الغاز وتلوث المياه، والجزء الآخر يقدمه بشكل حوارى مع أحد فناني الكوميديا”، وقد اختار له هذا الاسم خصيصًا لكي يجذب المشاهد لمحتواه وكأنه برنامج جاد بالفعل، كما أكد أنه يبتعد عن الموضوعات السياسية خلال برنامجه.

 

أما الفنان هشام سليم والذي يقدم برنامج حوار القاهرة على سكاي نيوز فيؤكد أن قلة الأعمال الفنية المعروضة عليه، وسطحية الكثير منها، وصراحته ووضوحه مع المنتجين وغيرهم كانت السبب الأهم وراء تقديمه برنامجه الذي يحقق نجاحا كبيراً منذ بداية عرضه وحتى الآن، والسبب الأهم التفاهم الشديد الذي وجده مع إدارة القناة منذ أول يوم، وحتى الآن، فكل ما اتفقوا عليه قاموا بتنفيذه على الفور دون أي مماطلة أو تعطيل، وهذه هي الطريقة التي يبحث عنها ويحب أن يتعامل بها في كل أعماله الفنية. 

 

ويوضح الإعلامي الكبير طارق حبيب صاحب أنجح البرامج التليفزيونية أن هذه الظاهرة لم تقتصر على الفنانيين فقط فقد سبقهم المطربيين والرياضيين والصحافيين، وهذا إن دل على شيء فيدل على أن الإعلاميين الأصلييين أصحاب الخبرة والعلم والثقافة تركوا الساحة لسبب مجهول وغير مسؤولين عنه، ويجب أن تسأل عليه أصحاب القنوات الفضائية الذين يبحثون عن الإعلانات، وهذه الإعلانات تأتي لنجوم الغناء والفن أسهل وأكثر من أن تأتي للإعلامي العادي، وبالتالي أصبحت الفضائيات ملعبا لكل من هب ودب،وحدث فيها انفلات إعلامي أرفضه بشدة،لهذا أرجو أن تكون هذه الظاهرة مجرد موضة سرعان ما تنتهي، وتعود المياه إلى مجاريها الطبيعية.

 

 

 

ما هو المطلوب؟

وتؤكد الإعلامية المتميزة شافكي المنيري أنها ليست ضد هذه الظاهرة فقد حقق بعض الفنانيين نجاحا كبيرا مثل أشرف عبدالباقي فى برنامج دارك الذي كان يعرض على قناة أبوظبي، وكذلك أيمن زيدان فى برنامجه الشهير وزنك ذهب، “لكن يجب التفريق بين المذيع المتخصص والفنان، فالأول لابد أن يقدم معلومة أوقضية من خلال برنامجه لأن الجمهور ينتظر منه هذا، كما حدث معي عندما قدمت برنامج القصر مثلاً حيث كنت حريصة على مناقشة قضية أو تقديم معلومة جديدة عن الفنان الذي أستضيفه، لهذا كنا نحرص على استضافة كبار النجوم الذين لهم تاريخ فني حافل بالنجاحات أو الإخفقات، أما الفنان فالجمهورلا ينتظر منه معلومة أو مناقشة قضية مهمة، ولكن ينتظر منه ومن ضيفه زميله أوزميلاته شو في البرنامج، وهذا في حد ذاته شيئ جميل، لأنه مطلوب أن تكون الشاشة بها العديد من البرامج، وعلى الجمهور أن يختار البرنامج الذي يحب أو يريد أن يتابعه، وهذا الشكل من البرامج موجود على مستوى العالم كله، لكن هذا ليس معناه أن أي ممثل أو مطربا ناجحا لابد أن يكون بالتبعية مذيعا ناجحا، فالخلفية الثقافية التي يتمتع بها المذيع وطريقة التقديم تختلفان كثيرا عن الفنان، لكن هذا لا يمنع من وجود برامج لم يكن يصلح لها إلا فنان كما حدث مع برامج الموسيقار الراحل عمار الشريعي التي قدمها، فقد كانت ناجحة جدا،لأنه استطاع من خلال مهنته الأصلية وهي التلحين أن يستخرج من ضيوفه المطربيين معلومات وفقرات جديدة ومختلفة بالنسبة للجمهور، وكذلك الموسيقارإحسان المنذر فى برنامج دندنة على قناة mbc”.

 

 

 

الشهرة ليست كافية

وترجع الناقدة الفنية ماجدة موريس هذه الظاهرة إلى تدهور حال السينما وتقلص الإنتاج التليفزيوني في السنوات الأخيرة، مما جعل بعض الفنانين يفعل أي شيء ليظل في دائرة الضوء،لأن الاعتياد على الشهرة شيء قاتل، وأضافت موريس “لكن يجب الأخذ في الإعتبار أنه ليس كل شخص مشهور يصلح لتقديم البرامج، ويكون مذيعا ناجحا ،فمهنة الإعلام مهنة لها ملامحها ومفراداتها التي لابد أن تكون موجودة في الفنان الذي يتصدى لها، فالشهرة وحدها ليست كافية لتكون مقدم برامج ناجح، وأعتقد أنه يوجد أكثر من سبب يجعل الفنان يحترف مهنة ليست مهنته، أولا بحث الفنان عن التواجد بعدما اختفى من الساحة، إما لأسباب إنتاجية أو لأسباب أخرى، والثاني هو البحث عن المال الإضافي الذي تغدقه القنوات الفضائية حاليا على الفنانين، والأخير هو أن تكون لدى هذا الفنان الموهبة التي تدفعه لخوض هذه التجربة”.

 

 

 

مصيرها إلى زوال

وتؤكد الدكتورة سهام نصار رئيس قسم الإعلام في جامعة حلوان أن هذه الظاهرة أو بمعنى أدق الموضة ستنتهي ومصيرها إلى زوال، وهذه الموضة ليست وليدة اللحظة بل إنها كانت موجودة منذ فترة، ولكن ما كان يميزها أنها لم تكن بهذا الكم من الانتشار، فكان من الممكن أن يتواجد الفنان خلال شهر رمضان في برنامج يستضيف فيه عدداً من زملائه الفنانين، أما الآن فالظاهرة أصبحت ملفتة للنظر بشكل كبير، والسبب الأساسي فيها هي أموال الفضائيات، وزيادة عددها فكل قناة فضائية وليدة تحاول بشتى الطرق جذب الجمهور والمعلنيين إليها من خلال نجوم محبوبيين، بغض النظر عن مدى صلاحية هؤلاء النجوم للتقديم من خلال الثقافة أو الخبرة أو الإعداد الإكاديمي، لهذا ليس غريبا أن تسمع أشياء كثيرة ومفرادات لا يصح أن تقال، “وما يحدث اليوم فيه خلط للأوراق من دون مراعاة للمشاهد الذي يرغب في رؤية برنامج قوي المضمون، فالفنان نشاهده طوال العام من خلال أعماله الغنائية والدرامية والسينمائية الناجحة،ويكفي عليه هذا”.

 

 

 

فوضى إعلامية

ويرى الدكتور حسين أمين أستاذ قسم الصحافة والإعلام في الجامعة الأمريكية بالقاهرة أن السبب وراء انتشار وزيادة هذه الظاهرة إلى رغبة القنوات الفضائية في شغل ساعات البث لديها، ومنافسة القنوات الأخرى دون النظر إلى الرسالة المقدمة، وأضاف أن ما يحدث الآن ليس حرية إعلامية، بل فوضى إعلامية، فالحرية مسؤولية وعلى من يتقبل تحملها أن يكون جديراً بها أو يتركها لأصحابها.

 

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث