بعض بوح في وداع عبد العزيز السيد

كانت الصدمة التي تلقاها أبو ايهاب ممثلة بتطورات، وافتراق مواقف القوميين من الحدث السوري.. أقوى من أن يحتملها عقل الرجل قبل قلبه..

بعض بوح في وداع عبد العزيز السيد

شاكر الجوهري

“كل نفس ذائقة الموت”.. صدق الله العظيم..

غير أن موت الصديق العزيز أبو إيهاب (عبد العزيز السيد) له طعم مختلف..

هو أولا غافلني بموته في لحظة اختلاف، ربما فرضته حسابات السياسة، بعد أن سبق له أن خصني بقرار الموت قبل عشر سنوات..!!

لحظة الإختلاف تتمثل في افتراق موقفينا مما يجري في سوريا..

فأنا تلكأت قليلا، ثم حسمت موقفي مجاهرا بوقوفي إلى جانب شعبنا العربي في سوريا، لعدم جواز الحياد بين أي شعب وجلاد.. فيما ارتأى أبو ايهاب (رحمه الله) أن يتخذ موقفا متوازنا..

الإفتراق متصل في تقديري بالموقف من الدولة الدينية.

وفي هذا الموقف نحن متفقان.. أنا وأبو إيهاب على رفض الدولة الدينية.. وهو ما يجاهر به الإخوان المسلمين.

الفارق بيني وبين أبو إيهاب أنني أثق في امرين: الأول عدم وجود أي خيار لأي ثورة عربية منذ بدء الربيع العربي، غير صناديق الإقتراع.. والثاني استحالة أن تفرز صناديق الإقتراع في سوريا نظاما دينيا..

أما قرار الموت الذي خصني به الصديق العزيز والحبيب أبو إيهاب، فهذا له حكاية آن أوان البوح بها..

أواسط عام 2003، جمعنا الموقف المشترك في عضوية لجنة المتابعة لتجمع الديمقراطيين المستقلين، الذي شغل موقع المنسق العام له المرحوم الدكتور حسن خريس، وشغلت أنا الناطق الرسمي باسم التجمع، إلى جانب ثلة من شرفاء الأردن من بينهم المرحوم رزق البطاينة، وآخرين..

بعد ظهور نتائج الإنتخابات البرلمانية، التي زورت لإسقاط عدد من مرشحي التجمع، خاصة الصديق وليد جريسات، استمر عمل لجنة المتابعة، وكان أبو إيهاب وأنا من أكثر المواظبين على حضور اجتماعات اللجنة في مقر حزب الشعب الديمقراطي (حشد)، بضيافة أمينه العام الصديق العزيز المرحوم سالم النحاس، وكنت في نهاية كل اجتماع أشرف نفسي بإيصال أبي إيهاب إلى منزله في ضاحية الرشيد، أو إلى مكتبه في شارع الجامعة.

ذات يوم لاحظت أن صمت أبو إيهاب مختلف عن صمته المعتاد في أغلب الأحيان..

وكان أبو غيهاب خفيض الصوت دائما.. تكاد لا تسمعه ولا تفهم عليه حين يتحدث.. لكنه كان رحمه الله ما أن يعتلي المايكروفون، حتى يجلجل صوته بشكل غير اعتيادي يخطف ألباب مستمعيه.. بمنطق رزين مقنع، وانتقاء كلماته الرنانة التي تخاطب شغاف العقول كما القلوب.. تصدح بالموقف الموحد.. الذي يشكل القاسم المشترك الأكبر بين الجميع..

سألته “مالك..؟ مش عاجبني اليوم..!”.

صعقني الرجل برده..

قال “قررت أن أموت..!”..

“مالك يا رجل”.. بادرته مواصلا.. “شو الحكاية”..؟

بعد تمنع لم يطل أسر لي بما لم يكن قد أخبر به أحد من قبل..

“أنا مصاب بفشل كلوي كامل منذ عدة اسابيع وأمتنع عن غسل الكلى.. “أريد أن أموت..ّ”..

صدمت صدمة كبرى للسببين: الفشل الكلوي، ورغبة أبو ايهاب بالموت..!!!

كان الوقت مساء.. قلت له غدا سأحضر إليك لأصطحبك إلى غسل الكلى..

أصر الرجل على الرفض..

قلت له “مش بكيفك”..

أكد بدوره الرفض.. فهددته: “إن لم تقم معي إلى المستشفى فور حضوري فإنني سأخبر أم ايهاب والأسرة..

انتهزت أنه لم يخبر الأسرة بعد، وأنه يعتزم الموت بصمت ودون أن يخبر أحدا..

رد علي “مبتعملهاش”..

وافترقنا على ذلك..

في اليوم التالي توجهت إلى منزله بعد الظهر ومعي الصديق المشترك الدكتور محمد خيري لبادة، الذي صدم هو الآخر حين ابلغته بالأمر.. وكنت قد تيقنت من أنه لم يذهب إلى المكتب في ذلك اليوم بسبب توعكه، الذي لم يكن أحدا بعد يعرف سببه غيري..

فوجئ بمقدمنا معا.. سلمنا ودخلنا.. وانتهزت فرصة دخول إبنه مهند ليطلب لنا شيئا نشربه وقلت له “قوم البس وتعا معنا للمستشفى”..

حاول أن يمانع، لكن الله وفقني أنا وأبو اسامة بإضعاف ممانعته، متسلحين بالتهديد الصارم الذي كررت مواجهته به..!

ذهب معنا إلى مستشفى الأردن، لكنهم قالوا إن الأمر يحتاج إلى فحوصات واستعدادات.. عودا به غدا..

منذ اللحظة الأولى لصعودنا السيارة في رحلة إعادة أبو إيهاب إلى منزله، وعد أن يتوجه منذ صباح اليوم التالي بمفرده إلى المستشفى الإسلامي لإجراء أول عملية غسيل للكلى..

وقد التزم بوعده.. كما هي عادته مع أي وعد..

وأصبح مهند يعرف حالة أبيه.. فأبى أن يترك والده دون كلية، تبرع له بها عن طيب خاطر.. وبهذه الكلية عاش أبو ايهاب عشريته الأخيرة.. (2003 ـ 2013).

لم قرر صديقنا الموت..؟

لم اسأله..

لكن الذين يعرفون أبو ايهاب يربطون بين احتلال العراق في نهاية الربع الأول من عام 2003، ورغبة الرجل في الموت..

أئلا هذا الحد بلغ هوان العرب.. إنه زمان لا يستحق أن نعيشه..

أقدر أن هذا هو المنطق الذي حكم موقف الرجل..

ولذلك، لا أستغرب أبدا أن تأتي وفاة أبو ايهاب منتصف 2013 فيما يحتد الصراع في سوريا وعلى سوريا.. وفي وقت كشفت فيه معركة “القصير” حقيقة التحالف المذهبي الذي نجح في تضليل كثيرين بشأن ما يجري.

إنه أيضا زمن لم يعد يستحق أن نحياه..

تعرفت إلى أبو إيهاب نهايات 1976 في الكويت..

كنت قد غادرت حركة “فتح” بشكل نهائي منذ أواخر 1973، بعد مخاض بدأ منذ أواخر 1968، وتبلور بشكل كبير أواخر 1969، وكانت الطلقة الثالثة والبائنة أواخر 1973.. اثناء حرب رمضان..

وحين التقيت أبو ايهاب أحسست أنه يعيش ذات المخاض الذي قادني إلى قرار الطلاق..

سنة 1983 كان أبو ايهاب من بين الذين انشقوا عن حركة “فتح” بزعامة المرحوم أبو صالح، الذي كنت تعرفت إليه منذ أواخر 1968.

لكن بقاء أبو إيهاب في حركة “فتح الإنتفاضة” لم يطل لذات الأسباب التي منعتني من الإلتحاق بها.. ولا مجال هنا للبوح..

بضعة أشهر فقط، عاد بعدها أبو ايهاب من دمشق إلى الكويت..

مؤتمر الأحزاب العربية، الذي كان فكرة عبد العزيز السيد، التي رحب بها وتبناها المرحوم سليمان عرار أمين عام حزب المستقبل، أول رئيس للمؤتمر.. مثّل البديل الجماهيري العربي لتجربة “فتح” القطرية في العمل السياسي.

لكن الحدث السوري لم يتح أي فرصة لتواصل وحدة الأحزاب العربية، التي اختلفت حول ما يجري في سوريا.. أغلبية مؤيدة لجماهير شعبنا العربي السوري، واقلية ارتأت غير ذلك.

كانت الصدمة التي تلقاها أبو ايهاب ممثلة بتطورات، وافتراق مواقف القوميين من الحدث السوري.. أقوى من أن يحتملها عقل الرجل قبل قلبه..

رحمة الله عليك أيها الصديق الصدوق..

رحمة الله عليك وأنت تغادر دنيانا الفانية.. إلى دار البقاء..

ونبشرك، ونطمئن قلبك الذي أعياه الإنقسام.. أن عمر الضلال والتضليل لن يطول كثيرا.. وأن تزاوج العروبة والإسلام لا بد قادم..

ليتك انتظرت صديقي العزيز..

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث