الوزير “المونتير”

وزير الثقافة نزع ما تبقي من دسم معرفي وإبداعي تميزت به مصر طوال تاريخها الحديث، ظنا منه أن ذلك يتماشي مع وجود الإخوان علي رأس الدولة.

الوزير “المونتير”

قامت الدنيا ولم تقعد منذ اعتلاء الدكتور علاء عبد العزيز كرسي وزراة الثقافة المصرية، علي الرغم من أنه كان يبدو الرجل المناسب جدا في هذا الظرف العصيب، خاصة بما يتمتز به من هدوء أعصاب يحسد عليها، ويتصرف بمنطقية  وحسم في كل ما يفعله داخل قطاعات الثقافة المصرية، انطلاقا من فهمه المسبق بأن الثقافة تحتاج إلى أصابع مونتير قادرعلي إعادة تركيب الصورمتوافقة مع الصوت بطريقة فنية تستطيع استغلال القوي الناعمة في تحسين الصورة العامة لنظام مرتبك، لكنه ذهب إلى نزع ما تبقي من دسم معرفي وإبداعي تميزت به مصر طوال تاريخها الحديث، ظنا منه أن ذلك يتماشي مع وجود الإخوان علي رأس الدولة.وما أشبه الليلة بالبارحة، فقبل ثلاثة عقود من الزمان، قال فاروق حسني وزير الثقافة السابق عشية توليه وزارة الثقافة “سوف أدخل المثقفين الحظيرة “، ووقتها قامت الدنيا أيضا، وواجه حربا شرسة وهجوما حادا كاد يعصف به بعد توليه بأيام قليلة، حين واجهه كبار الكتاب والمفكرين والمثقفين علي أسنة رماح أقلامهم التي قصمت ظهره، حتي تراجع عن تلك التصريحات المستفزة، ووضع يده في أيديهم حتي ينجو بسفينة الثقافة قبل الغرق في أوحال الجهل والتخلف عن الركب الحضاري العالمي، وأدرك النظام آنذاك بأن الثقافة والمثقفين لايقوي عليهم أحد، بل أن غضبتهم يمكن أن تهز عروشا، وتنهي أقوي الأنظمة مهما كانت سطوتها، باعتبارها  القوي الناعمة التي يمكن أن يصل صوتها الحر سريعاإلى أقصي حدود العالم، وكانت العقبي للنظام، حيث ساهمت الثقافةإلى حد كبير وبرتوش بسيطة في تحسين شكل وملامح نظام كاد يخرج مصر أصلا من التاريخ.ومع أن الزمان اختلف، وتغير وجه العالم الآن وصعد تيار الإسلام السياسيإلى سدة الحكم، وماتزال النظرة للثقافة ذاتها، بل إنها تتقهقر للوراء أكثر، فالنظام الحإلى يري أن أي عمل إبداعي هو رجس من عمل الشيطان، وينبغي أن يقتصر الإبداع علي مجالات الاجتهاد في تفسير نصوص الفقه والعبادات، أما الشعر والقصة والرواية والمسرح والسينما والرسم والأوبرا والتمثيل والموسيق والعناء فليست سوي دروب معبدة بشياطين الأنس والجن المكلفون بإفساد صحيح الدين، ومن ثم إفساد الحياة كلها. والواضح أن الوزير – المونتير – الحإلى يدرك علي طريقته الخاصة المهمة المنوطة به  في كيفية تطويع الصورة والصوت اللذين يحدثان نوعا من الانسجام العام، وخلق الإحساس المطلوب منه تماما، عن طريق إيجاد أحسن الصور والأصوات المتاحة للوصول لهذا الهدف المنشود، وعلي طريقة المونتاج قام بحذف عدة كادرات بالسالب أو بالناقص لأي زيادة يراها لا تخدم السياسة العامة للفصيل الذي ينتمي إلىه، فأبعد كوادر فنية مشهود لها بالكفاءة واصفا إياها بالفساد، للمحافظة علي الريتم المطلوب للعمل السياسي مع أن هذه وظيفة خاصة بالعمل التليفزيوني والسينمائي.وإيمانا منه بأن المونتير هو آخر وصلة في سلسلة الفنانين العاملين في البرنامج التليفزيوني والفيلم السينمائي والعمل الدرامي عموما، ومهمته الرئيسية هي أن يحكي القصة بأكثر الطرق وضوحاً وتركيزاً، فقام ببناء  فراغ الشاشة من خلال تجاور الصور المرئية والسمعية التي يراها هو بحسه المزيف لخدمة الغرض الثقافي المطلوب في لحظة مرتبكة من عمر الوطن، غير عابئ بالجمإلىات التي يجب أن يراعيها المونتير للحصول علي النسخة النهائية في الفيلم السينمائي، عندما ذهبإلى أهداف سياسية بعيدة عن جوهر العمل الثقافي الفني، وهو ماجعله الآن خارج إطار الكادر ” أوت أوف كادر” مع أن سابقه لعب نفس الدور بحرفية الفني المخضرم، ومهارة الموظف والأكاديمي العتيق.  وأخير نقول له : يادكتور انتبه ” فإن سيطرة مونتير الفيديو الحساس علي التوقيت والسرعة والإيقاع للقطة والمشهد والبرنامج ككل يستطيع أن يخلق التوتر، أو الفكاهة، أو الاسترخاء، أو الإثارة، أو الغضب، أو مختلف المشاعر الإنسانية في المتفرج “، فأنظر ماذا صنعت يداك المرتعشتان في شريط الثقافة المصرية؟.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث