اعتقال السوريات قد يحرمهن من الزواج

اعتقال السوريات قد يحرمهن من الزواج

دمشق – تخفي الشابة السورية المقدمة على الزواج عن الجميع سرا لا تعرفه سوى الأسرة وأقرب الأصدقاء.. وتعلم أنها لابد وأن تبوح به في غضون أيام للرجل الذي تأمل في الارتباط به.

ففي أواخر العام الماضي اعتقلت قوات الأمن مي البالغة من العمر 32 عاما في قلب دمشق واحتجزتها عدة أسابيع بعد محاولتها تسليم إمدادات لمدنيين محاصرين في مناطق يسيطر عليها مقاتلو المعارضة في العاصمة السورية.

وهي تأمل الآن بعد أن نالت حريتها أن تلقي بهذه المحنة وراء ظهرها وأن تتزوج وبدأت في لقاء أشخاص تقدموا لخطبتها.

لكن الصراع السوري الذي تفجر منذ أكثر من ثلاث سنوات يتغلغل في كل مناحي الحياة. فالفتاة وأمها تتكتمان أمر الاعتقال خشية فرار الخطاب ولا تعرفان كيف ستبوحان به لزوج المستقبل.

وقالت مي التي طلبت الاكتفاء بذكر هذا الاسم فقط “لابد وأن نخبره بأمر احتجازي قبل أو خلال الزيارة القادمة. هذا هو الصح.”

توافقها الأم الرأي لكنها تخشى أن تؤثر وصمة احتجازها على زواجها.

وقالت “أشعر فقط أن هذا صعب… ابنتي كانت في الحبس. لم أكن أتخيل يوما أن يخرج هذا الكلام من فمي.”

* وصمة الاعتقال

هناك أيضا ذلك الخوف القائم لدى أي سوري من أنه إذا سقط في أيدي قوات الأمن فسيصبح مستهدفا هو وكل المقربين منه.

ووثق نشطاء وجماعات دولية لحقوق الإنسان انتهاكات ممنهجة داخل مراكز الاعتقال السورية تتضمن إذلال المحتجزات اللاتي يجبرن على خلع ملابسهن والجلوس بالملابس الداخلية فقط خلال جلسات الاستجواب وأحيانا يتعرضن لعنف جسدي وجنسي.

وذكرت منظمة هيومن رايتس ووتش المعنية بحقوق الإنسان ومقرها نيويورك أنها التقت العام الماضي بعشر سوريات سبق اعتقالهن وأن ثمانية قلن إنهن تعرضن لانتهاكات أو تعذيب أثناء الاحتجاز.

ويتعرض الرجال لانتهاكات أيضا في الحجز لكن التجربة تحمل وصمة عار إضافية بالنسبة للمرأة وبخاصة لاحتمال تعرضها لانتهاكات جنسية من قبل من يستجوبونها.

وتحدثت أخت مي عن الخطيب المنتظر قائلة “ألن يتساءل إن كانت مي قد تعرضت لاعتداء لا سمح الله أو اضطرت للتعري أو أي شيء من هذا القبيل؟”

وبعينين ثابتتين قالت مي ذات الملامح الصغيرة الرقيقة إنها لم تتعرض لاعتداء جنسي أو بدني.

وقالت في غرفة المعيشة في منزلها المتواضع بشرق دمشق إنها خضعت “فقط لجلستي استجواب واستخدموا كلمات قاسية قبل أن يعيدوني للزنزانة وينسوني فيما يبدو.”

لكن الصديقات وأفراد الأسرة ليسوا مقتنعين وينتظرون كما تقول أختها أن تفتح مي قلبها “وتخبرنا بكل ما حدث لها.”

وتابعت “عندما عادت إلينا تعللت بأي حجة كي أختلس إليها النظر وهي تستحم. لم أجد أي علامة على جسمها. وبدت في أتم صحة وكانت معنوياتها مرتفعة. نحمد الله لكني مازلت أتساءل إن كانت تعاني في صمت.”

* نزوح ومخاطر

أما بتول ذات التسعة عشر عاما فلديها تحديات مقترنة بالحرب لابد لها أن تتجاوزها قبل أن تختار واحدا من الخطاب الكثر الذين يطرقون بابها.

فقبل عام هربت بمفردها من القتال الدائر في حلب وجاءت إلى دمشق لتعيش مع جدتها.

تتمتع بتول بذكاء وجاذبية وهي تنحدر من أسرة متوسطة الحال تدقق عادة في اختيار المتقدمين لخطبة بناتها. أما الآن فقد أصبحت بتول التي هجرت بيتها وانقطعت عن أهلها في حلب محط أنظار الانتهازيين من الراغبين في الزواج.

تقول الجدة بنبرة حزينة “يرونها شابة مكسورة الجناح لأنها مهجرة وبعيدة عن أسرتها وهم يعتقدون أن بوسعهم استغلال وضعها.”

وتقول إنها رفضت الكثير من الخطاب بعد أن اكتشفت كذبهم أو خداعهم وهو تصرف كان من الصعب حدوثه في حلب قبل الحرب.

لكن في دمشق هناك من الخطاب من يخفي أنه كان متزوجا ولديه طفل ومن يقلل من عمره خمس سنوات ليبدو مناسبا.

وهناك من أغرى بتول “بالأموال والبيوت مقابل الزواج العرفي.”

قلة من الخطاب هي التي اجتازت التدقيق المبدئي لكنهم عرضوا على بتول مهرا “مهينا”. وقالت جدتها “نعرف أن الوقت صعب على الجميع ولن تحصل بتول أبدا على المهر الذي كان سيمنح لها في الأيام الخوالي قبل الحرب.”

وأضافت في شقتها التي تحوي غرفة نوم واحدة في حي ركن الدين في دمشق “لكن يراودني إحساس بأن الناس يعرضون مهورا أقل لأنهم يظنون أنها بائسة تركت بيتها ويريدون استغلال الأمر. هذا ما يزعجني.”

وبالنسبة لمهند (25 عاما) فإنه يرى أن قبول أسرة عروسه المهر المتواضع الذي عرضه نعمة من الله.

قال “عرضنا 100 ألف ليرة (800 دولار) وأعرف أنه لولا الحرب لما قبلوا بأقل من خمسة أمثال هذا المبلغ.”

ويعمل مهند في متجر لأجهزة الكمبيوتر تراجعت مبيعاته بشدة بسبب الحرب.

وقال “أبلغني والدها بأنه متعاطف معي لأنه يدرك مدى سوء الأحوال. أستطيع بالكاد أن أجهز شقتي استعدادا لاستقبال العروس. أي غسالة صينية الصنع ستكلفني 60 ألف ليرة أي مرتب ثلاثة أشهر.”

ومع هذا يدرك مهند أنه من الشبان المحظوظين هذه الأيام. فعلى النقيض من كثيرين غيره ممن فروا من سوريا لتجنب التجنيد الإلزامي كان هو معفيا من الخدمة العسكرية لأنه الابن الوحيد للأسرة.

كما أنه ورث شقة متواضعة يمكنه أن يعيش فيها مع عروسه على النقيض من الكثيرين الذين دمرت الحرب بيوتهم وأضاعت ممتلكاتهم.

أما عن مي.. فهي تستعد للبوح بسرها لخطيبها وتقول “سيكون هذا اختبارا له… فإن ابتعد بسبب اعتقالي فهو شخص ضعيف وموال للحكومة على الأرجح. أما إن تمسك بي فهو الشخص المناسب.”

ولأمها رأي آخر. تقول “أريدها فقط أن تتزوج. أريد إبعادها عن المشاكل.”

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث