فن التمثيل عند العرب.. قبل اكتشاف المسرح

فن التمثيل عند العرب.. قبل اكتشاف المسرح

القاهرة – ثمة تشابك والتباس مفاهيمي حول حقيقة غياب المسرح عند العرب رغم وجود فن الأداء التمثيلي منذ القدم، وعلى الرغم من التسليم بأن المسرح عرفه اليونانيون، إلا أنّ العرب كانت لديهم حضارة وتراث أدبي وثقافي أثروه بالشعر وبلاغة الخطاب، فمجالس الشعراء ومطارحاتهم الشعرية وأسلوب الإلقاء وحدها كانت تعد فناً من الفنون، كل تلك المقومات ربما كانت مشاهداً تعبر عن نشاط تمثيلي، إلا أن الباحثين أغفلوا إظهار هذا الجانب.

ولقد وثق لتاريخ هذا الفن كتاب “فن التمثيل عند العرب” للكاتب العراقي الراحل د . محمد حسين الأعرجي؛ ويقع في أربعة فصول، الفصل الأول يتناول: الحكاية والكرباج من العصر الجاهلي حتى نهاية الأموي، الفصل الثاني يتناول: عن الحكاية في العصر العباسي، الفصل الثالث يتناول: الحكاية في مجالس الخلفاء والأكابر، أما الفصل الرابع فخصصه لأبي القاسم البغدادي.

وتوصل إلى أن القبائل البدائية عرفت ألواناً من النشاط التمثيلي على نحو يصعب معه تصديق أن العرب رغم حضارتهم لم يعرفوا هذا النشاط، وكتب التراث التي تروي تاريخ العرب حتى القرن الرابع الهجري كشفت عن أن العرب لم يعرفوا فن المسرح بالمعنى الذي عرفه اليونانيون لكنهم بالقطع عرفوا فن التمثيل.

غير أن الكاتب فند الاعتقاد السائد لدى مجموعة من الباحثين بأن العرب لم يعلموا شيئاً من فن النشاط التمثيلي والمسرحي قبل أن يؤلف مارون النقاش أول فرقة مسرحية عربية في بيروت عام 1848، ويقول إنّ الباحثين لم ينفوا معرفة العرب لفن النشاط التمثيلي أو المسرحي حيث بدا ذلك واضحاً بإشارتهم إلى تأسيس مارون النقاش لأول فرقة مسرحية عربية في بيروت من النصف الأول من القرن التاسع عشر الميلادي عام 1848 إضافة إلى احتكاك العرب بالحضارة الأوروبية واتصالهم بها، وسبل ذلك الاتصال كان دأب أغلب الباحثين وكأنهم من أشد المؤمنين بمقولة شكسبير “أن تكون أو لا تكون تلك هي المسألة” فإما يكون للعرب مسرح متكامل كما كان لدى الإغريق والرومان وإلا فإن الحديث عن المسرح العربي ضرب من الهدر للوقت، ودليل على الشعور بالنقض.

وانتقد الأعرجي في كتابه الباحثون الذين قال عنهم: أنهم لم يكلفوا أنفسهم عناء البحث وإثبات غياب النشاط التمثيلي عند العرب، وأنه من الغريب حقاً أن تعرف القبائل البدائية ألواناً من النشاط التمثيلي في طقوسها الدينية ولا يكون للعرب شيء من هذا النشاط، وهم في قمة حضارتهم خلال القرون الهجرية الأولى، ويضيف: تلك المسألة وقفت عندها مستغرباً. “لم أجد جواباً سوى إشارات غير ذات قيمة أثناء مطابقات في بعض كتب التراث تدل على معرفة العرب بفن التمثيل معرفة بدائية”.

وأورد المؤلف مجموعة كتب ومصادر استخدمها كمرجعية وثقت لفن الأداء التمثيلي عند العرب بداية من كتاب الراحل د.مصطفى جواد “المباحث اللغوية في العراق ومشكلة العربية العصرية” وكتاب “الديارات” لمحققها كوركيس عواد، وكذلك تشجيع د. علي جواد الطاهر في المضي وزوده بكتابين لهما صلة وثيقة بالموضوع إن لم يكن المسرح همّ العرب، إضافة إلى “المسرح” لمحمد كمال الدين و”العرب وفن المسرح” د.أحمد شمس وكتابين يقول الأعرجي إنهما كانا أشد تناقضاً منهما مجتمعين، ففي الوقت الذي لم يكد يجد كمال الدين شيئاً إلا اعتبره مسرحاً، ابتداء بدومة الجندل وعكاظ والمريد وإنشاء الشعر فيها وانتهاء بمقامات الهمذاني والحريري وحكايات ألف ليلة وليلة. وكذلك لم يجد فيها إشارة واحدة تدل على أن مؤلفيها قد بحثا عما ينبغي أن يعتمداه من أدلة وشواهد في المصادر العربية لا علاقة لها بالمسرح.

يقول الأعرجي: “لقد وقف الأستاذ محمد عزيزة في كتابه “الإسلام والمسرح” عند لغز غياب المسرح في حياة العرب والمسلمين، بالرغم من أن الحضارة الإسلامية تمتلك تراثاً أدبياً لا حد لغناه وكثافته، ويظل الكاتب يمضي في هذا البحث بمفرده دونما دليل حتى ظهور مجلة آفاق عربية للدكتور محمد يوسف نجم تحت عنوان “صور من التمثيل في الحضارة العربية”، وهو بحث ينطلق من الوقائع نفسها دون افتراضات مستقبلية ويختلف الباحث الأعرجي معه في بعض اجتهاداته وانطلق من بحثه من هذه الشواهد المتناثرة في بطون كتب التراث نفسها.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث