السلطان أردوغان

يتصرف أردوغان اليوم مثله مثل اي حاكم متسلط يرى إنه دائماً على حق وإن انتخابه لثلاث ولايات متتالية يمنحه الحق في اقصاء معارضيه.

السلطان أردوغان

بيسان الشيخ

التظاهرات التي انطلقت في أسطنبول بسبب قطع أشجار من حديقة «غزي بارك»، لا تقف ارتدادتها السياسية عند ساحة تقسيم وسط المدينة. فموجة الاحتجاجات التي عمت مدناً تركية عدة، وهي مرشحة الى التصعيد بقوة، حملت منذ انطلاقتها أهدافاً أوسع وأشمل، إذ استهدفت ســـياســـات الحكومــة وشـــخصية رجب طيب أردوغـــان نفسه.

 فهذه هي المرة الأولى التي تخرج فيها شرائح متنوعة من المجتمع التركي والطبقة الوسطى غير المسيسة بالضرورة إلى الشارع وتهدد بالبقاء فيه حتى تحقيق مطالبها التي تتغير بدورها بحسب أيام التظاهر. فبعدما أظهر الأتراك عن تعاضد شعبي كبير فيما بينهم، تكشف أيضاً انقسام وسط البيئة الاردوغانية نفسها  وهو أمر ليس بالبساطة التي يدعيها البعض.

لكن يبدو أن الشارع في واد، والحكومة في واد آخر. فرئيس الحكومة التي جاء بزعم “صفر مشاكل” في ولايته الثالثة، يواجه اليوم أكبر أزمة يمكن أن تعترض نهجه وتعيد بعض الاعتبار لمؤسسة الجيش وما تمثله من علمانية الدولة التركية، والتي أقصاها أردوغان اقصاء كلياً.

والواقع إنه لا يمكن إنكار انجازات أردوغان الاقتصادية والسياسية والتي انعكست بدورها على المجتمع التركي. ذاك ان الازدهار الذي شهدته تركيا في العقد الأخير جعلها تعبر الأزمة الاقتصادية الأكبر من 1929 من دون أضرار. بل على العكس، كانت متنفس محيطها فانتعشت سياحتها وبضائعها وثقافتها عبر الإعلام.

 كما نفست الاحتقان السياسي مع الأكراد، وتحول أردوغان بطلاً “عربياً” مع تبنيه للقضية الفلسطينية وارساله البواخر الداعمة الى غزة. وصحيح إن علاقته الاقتصادية والعسكرية مع إسرائيل لم تتوقف مقابل مواقفه السياسية، لكن صورته العامة ومن خلفه صورة تركيا، لاقت شعبية اقليمية منقطعة النظير.

ولكن، مقابل ذلك النجاح كله،  ها هو اردوغان اليوم يهدد بـ “نفاذ صبره”، ويمنع الإعلام من تغطية التظاهرات، ويصف المحتجين من مواطنيه بالمخربين! وقمع الحريات ليس وليد احتجاجات الامس في ساحة تقسيم، وإنما هو سياسة دأب عليها أردوغان تدريجياً حتى بلغت حدها في السنوات الأخيرة. فبعدما دجن رجال الأعمال من أصحاب محطات التلفزة، راح يعتقل الصحافيين ويكمم الأفواه بالترهيب والترغيب.

 كما أنه عمل على كسب الطبقة المالية الناشئة في المدن عبر مصالح اقتصادية، وعمل على تعديل مناهج التعليم تدريجياً في الارياف المساندة له، وهو اليوم يسعى إلى ان يتفرد حزبه في صياغة الدستور الجديد للبلاد مقصياً أطياف أخرى اجتماعية وسياسية، رافضاً نقاش أي رأي مختلف عن رأي حزبه الذي يمثله هو.

ويلوح أردوغان اليوم باللجوء إلى “الشارع المضاد” وصناديق الاقتراع والاستفتاءات، من دون تمييز بين الفارق الكبير في أن يرغب المواطنون بالاستقرار الامني والاقتصادي وأن يكونوا مستعدين لدفع ثمن ذلك بالرضوخ لحكم الحزب الواحد.

يتصرف أردوغان اليوم مثله مثل اي حاكم متسلط يرى إنه دائماً على حق وإن انتخابه لثلاث ولايات متتالية يمنحه الحق في اقصاء معارضيه. لكنه نسي إن الديموقراطية التي حملته إلى السلطة لا تعني ديكتاتورية الأكثرية وإنما مداورة الحكم والمشاركة في القرار.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث