هل يطبق العراق قانون تزويج القاصرات ؟

هل يطبق العراق قانون تزويج القاصرات ؟

بغداد – لا يرجح أن يصبح اقتراح بتقنين زواج قاصرات من عمر تسعة أعوام قانونا ساريا بالعراق .. إلا أنه يشير إلى تنامي دور المعتقدات الدينية في بلد يخشى البعض أن يسير في درب مشت فيه جارته إيران.

يستند مشروع القانون إلى المدرسة الفقهية الجعفرية لدى الشيعة ويقول مؤيدوها إنه سيجعل قوانين الأحكام الشخصية التي تتعلق بشؤون الأسرة من زواج وطلاق وإرث ونفقة متماشية مع أحكام الشريعة.

القانون المقترح يستند إلى إن بعض الفتيات يصلن إلى سن البلوغ في التاسعة من العمر مما يسمح بتزويجهن وهو يعطي الآباء وصاية كاملة على أبنائهن من سن الثانية ويسمح للزوج بمعاشرة زوجته في أي وقت شاء حتى ولو بغير رضاها.

والمؤسسة الدينية بالعراق لا تؤيد المشروع المقترح مما يجعل فرصة إقراره ضعيفة جدا. ويقول منتقدو مشروع القانون إن الهدف منه هو اقتناص ميزة سياسية على المدى القريب في وقت تتنافس فيه الأحزاب الشيعية على الأصوات قبل انتخابات مقررة في 30 أبريل نيسان في مناخ طائفي مشحون.

قال حيدر علاء حمودي أستاذ القانون المساعد بجامعة بيتسبرج وله كتابات عن القوانين بالعراق والشرق الأوسط وتلك المستمدة من الشريعة “إنها سقطة سياسية مخزية تماما.”

وسيتعطل البرلمان هذا الشهر استعدادا للانتخابات العامة ومن ثم سينتظر مشروع القانون الحكومة القادمة المتوقع أن يستغرق تشكيلها شهورا.

إلا أن التشريع المقترح أثار غضب نشطاء علمانيين وآخرين من دعاة حقوق المرأة الذين يخشون ضياع حقوق النساء شيئا فشيئا بالعراق خلال السنوات التي أعقبت الإطاحة بصدام حسين.

ويقول منتقدو مشروع القانون الذي سيطبق على الشيعة دون غيرهم إنه سيرسخ الانقسامات الطائفية. ويمثل الشيعة غالبية أهل العراق.

ووصفت هناء إدور إحدى دعاة حقوق المرأة مشروع القانون بأنه “جريمة بحق الإنسانية” وقالت إنه “يكرس الطائفية. إنه يدمر وحدة التشريع الوطني المبنية على أساس قانون الأحوال الشخصية.”

قوة الشيعة

تم إقرار قانون الأحوال الشخصية الحالي عام 1959 وينظر إليه عادة على أنه الأكثر تقدما في الشرق الأوسط. وهو لا يفرق بين الطوائف المختلفة ويحدد السن الأدنى للزواج بالنسبة للمرأة والرجل عند 18 عاما.

مؤيدو القانون الجعفري يقولون إن أسرا كثيرة تزوج بناتها قبل بلوغهن تلك السن وبخاصة في المناطق الريفية بالجنوب وإن إقرار المسودة المقترحة سيحمي حقوق الزوجات الصغيرات من خلال تقنين أوضاعهن.

وقالت ثبات العنيبي النشطة الشيعية في مجال حقوق المرأة “القانون لا يجبر القاصرات على الزواج.” وأضافت أنها لن تسمح بزواج ابنتيها “حتى تبلغا العمر الذي يمكنهما من إنهاء دراستهما.”

وتساءلت “لماذا كل هذه الضجة؟”

وتعود جذور كل الأحزاب الشيعية على الساحة اليوم إلى الخمسينات عندما تشكل حزب الدعوة الذي ينتمي إليه رئيس الوزراء نوري المالكي بعد أن دق رجال دين ناقوس الخطر قائلين إن الإسلام في سبيله لأن ينفصل عن الواقع في عراق القرن العشرين.

وهذا الفكر آخذ في التغير منذ عام 2003 إذ وصلت أحزاب شيعية إلى السلطة عبر صناديق الاقتراع.

وقال الشيخ محمد الحميداوي رجل الدين الشيعي وأحد المرشحين في الانتخابات المقررة هذا الشهر “لأكثر من ألف سنة يعيش الشيعة تحت الأرض وغير معترف بهم رسميا.”

وهو يؤيد مشروع القانون لكنه قال “أنا أعتقد بأن هذه الخطوة هي إثبات لوجودنا أكثر مما هي تعبير عن الفقه الشيعي.”

ويستند مشروع القانون الجديد إلى مبادئ المدرسة الفقهية الجعفرية التي أسسها الإمام جعفر الصادق سادس أئمة الشيعة. وقد وافق عليه مجلس الوزراء في فبراير شباط الماضي مع مشروع قانون آخر يسعى لإعادة البت في أمور الأحوال الشخصية إلى رجال الدين من خلال إنشاء مجلس أعلى يشرف على الهيئة القضائية.

ويظهر هذا إلى حد ما مدى تأثر العراق بمجريات الأمور في جارته الشيعية إيران حيث يجلس رجل دين -هو حاليا آية الله خامنئي- على قمة تسلسل سياسي يعرف باسم “ولاية الفقيه” وله الكلمة الفصل في كل أمور الدولة.

“سابقة خطيرة”

وقال المحامي والخبير الدستوري أحمد يونس “إن صياغة القانون تبين بوضوح أن المؤسسات الحكومية تقع تحت سلطة رجل الدين الشيعي الأعلى وهذا يعني أنه من المتوقع أن تتبع الدولة ولاية الفقيه.”

وأضاف “هذه سابقة خطيرة.”

ووضع وزير العدل العراقي حسن الشمري نسخة من مشروع القانون عند البوابة الذهبية التي تحيط بضريح إمام شيعي مبجل بمدينة النجف في إيماءة توحي فيما يبدو بأهمية المسودة.

والشمري الذي كان صاحب اقتراح هذا القانون عضو في حزب الفضيلة الإسلامي المتحالف مع المالكي الذي يسعى لنيل فترة ثالثة في المنصب.

ويقول محللون سياسيون إن مسودة القانون قد تزيد من حصة مقاعد حزب الفضيلة في البرلمان التي تقتصر على سبعة مقاعد حاليا وذلك على حساب الأحزاب الشيعية المعارضة لإعادة انتخاب المالكي.

وقال كيرك سويل محلل المخاطر السياسية ورئيس تحرير نشرة “داخل السياسة العراقية” المقيم في الأردن إن مشروع القانون يساعد المالكي أيضا إلى حد ما “رغم أنه لا يستند في حملته على هذه القضية”.

وفي معرض دفاعه عن مشروع القانون نفى الشمري أن له دوافع سياسية ورفض المعارضة العلمانية والسنية له واتهم بعض الأحزاب الشيعية بالتضحية بمباديء أسمى حين لم تؤيدها بقوة.

وقال في لقاء نقله التلفزيون “من الطبيعي أن (هناك) هؤلاء الذين لا يؤمنون بالإسلام كمنهج ينظم شؤون الحياة… وهنالك آخرون الذين تعاملوا مع القانون من زاوية سياسية رغم أنهم يتفقون معنا في الرؤية الأيديولوجية لتنظيم شؤون الحياة.”

لكن سن تلك الرؤية الأيديولوجية في قانون أمر محل خلاف في حد ذاته. ولم ينل القانون الجعفري دعم المؤسسة الدينية الحاسم في النجف.

وقال الشيخ بشير النجفي أحد أبرز أربعة أئمة شيعة بالعراق إن مشروع القانون يحوي “شطحات” ولن يلقى قبولا وأحال الأمر إلى المرجع الشيعي الأعلى آية الله علي السيستاني الذي لم يدل برأيه في المسألة بعد.

وقال “هذا القانون رغم ضرورته وأهميته لدينا إلا أنه ينطوي على شطحات في الصياغات الفقهية والقانونية لا يوافق عليها فقيه لهذا يجب الاهتمام بما دعت المرجعية إليه من التريث بالموافقة على المسودة الفاقدة للمقومات. ونرى ضرورة عرض هذا القانون على السيد السيستاني والاستنارة برأيه.”

أما حمودي فقال “حتى النجف التي أظن أنها أكثر من سيستفيد بمثل هذا التشريع لا يبدو أنها تؤيده.”

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث