ماركيز.. انطفاء الواقعية السحرية

ماركيز.. انطفاء الواقعية السحرية
المصدر: أبو ظبي ـ (خاص) من ابراهيم حاج عبدي

غابرييل غارسيا ماركيز اسم له رنين خاص. سعى كثر الى تقليده في تقنية القص، واقتفاء أثره في أسلوب السرد، والسير على خطاه في كيفية التحليق بالواقع المألوف الى مراتب الدهشة، متناسين، ربما، أن ماركيز نفسه يعترف بانتمائه إلى أسلاف روائيين تمتد جذورهم إلى تاريخ موغل في القدم، فهو يعد “الابن الأدبي الشرعي” لقائمة طويلة من الكتاب والأدباء الذين يصعب حصرهم، وهو لم يكن يخفي إعجابه بهذا العمل أو ذاك ولم ينسَ فضل هذه الرواية أو تلك عليه في تجربته الروائية. وفي هذا السياق يمكن أن نستحضر موقفه من رواية “الجميلات النائمات” للياباني ياسوناري كاواباتا حين قال بتواضع الكبار ومن دون مراوغة إنها الرواية الوحيدة التي تمنى أن يكون كاتبها، وأكثر من ذلك فحين نزل من الطائرة وقد انتهى لتوه من قراءة الرواية رد على أسئلة مسؤولي المطار باقتضاب وهدوء: “المهنة روائي ياباني” وكأنه يهذي بأمنية لا نبالغ حين نقول إنه حققها وبامتياز!

يعتبر من القلائل ممن حاز الشهرة والمجد، وهو لم يزل على قيد الحياة، بعد مجموعة روايات – لعل أشهرها “مئة عام من العزلة” – خولته للفوز بجائزة نوبل للآداب عام 1982 ويعود له الفضل الأكبر – من بين كتاب أميركا اللاتينية ومدرستها المعروفة باسم الواقعية السحرية – في اختلاق عالم ساحر ومدهش يتآلف في فضاءاته الخيال والواقع في صورة أشبه بتواطؤ خفي لإيجاد عالم آخر هو مزيج متجانس بين هذا وذاك ينسج خيوطه، أو بتعبير أدق شباكه، ماركيز الذي استطاع استمالة ملايين القراء وبشتى اللغات الحية التي ترجمت إليها رواياته مرددين ما قاله الرئيس الكوبي فيدل كاسترو: “لا نستطيع إلا أن نشكره لأنه عاش هذه الحياة كي يرويها”.

في كتابه “عشت لأروي” يسرد صاحب “الحب في زمن الكوليرا” محطات في تجربته الواسعة. يمهد ماركيز لمذكراته بهذه العبارة: “الحياة ليست ما يعيشه أحدنا، وإنما هي ما يتذكره، وكيف يتذكره، ليرويه”. وهو بهذا يعفي نفسه من مشقة تسجيل الواقعة التاريخية كما وقعت ليستبدلها بالواقعة التي حفظتها ذاكرته من دون أن يحاول مطلقاً تصحيح ما طرأ عليها من تغير وتحريف حيث يستعيدها من أرشيف الذاكرة وقد تجاوز السبعين مع ما يعني ذلك من حنين راح يكبر مع تقدم الكاتب في العمر وبدا أن هذا الحنين قد غلبه أخيراً فأخذ يكتب وفي وجدانه يكبر صوت ريلكه المنبعث من عتمة قصية ومجهولة: “إذا كنت تظن انك قادر على العيش من دون كتابة، فلا تكتب”.

يعود ماركيز الى البحث في دهاليز الذاكرة البعيدة حتى قبل ولادته في صباح يوم من أيام الآحاد الماطرة في 6 آذار مارس 1927. يذكر بصفاء كيف هزّه اكتشاف ان الجليد باردٌ.

ويكشف أوراق الطفولة بذكاء بارع وبطريقة لا تترك للقارئ المجال في ما إذا كان ما يرويه صادقاً أم كاذباً أو بتعبير أدق لا يهم مثل هذا التفصيل الهامشي لقارئ لا يملك سوى الانسياق وراء الكلمات والجمل والمفردات اللماحة والذكية والتي تكشف من دون مواربة أن ماركيز قرر منذ طفولته أن يكون كاتباً “لا ينقصه إلا تعلم الكتابة” وها هو يختلق التأكيد: “من عرفوني وأنا في الرابعة من عمري يقولون إنني كنت شاحباً ومستغرقاً في التأمل وإنني لم أكن أتكلم إلا لأروي هذيانات. ولكن حياتي في معظمها في طفولتي تلك كانت أحداثاً بسيطة من الحياة اليومية، اجعلها أنا اكثر جاذبية بتفاصيل متخيلة لكي يصغي إليها الكبار”.

وهو يعترف بأنه مدين بجوهر طريقته في الحياة والتفكير لنساء الأسرة ونساء الخدمة الكثيرات اللواتي رعين طفولته في بلدة اراكاتاكا مسقط رأسه شمال كولومبيا: “لقد كن يتمتعن بقوة الشخصية وطيبة القلب. وكن يعاملنني بتلقائية الفردوس الأرضي…”. وسط تلك الكتيبة من النساء الإنجيليات كان الجد هو الأمان الكامل لي، فمعه فقط يتلاشى القلق وأشعر بأن قدمي على الأرض وأنني مستقر تماماً في الحياة الواقعية”، ويتذكر أن أول كتاب قرأه كان وجده في خزانة معفرة في مستودع البيت “كان مفككاً وغير مكتمل ولكنه اجتذبني بشدة، وقد مرت سنوات عدة قبل أن اعرف ان ذلك الكتاب هو “ألف ليلة وليلة” وأكثر قصة أعجبتني فيه إحدى اقصر القصص التي قرأتها وأبسطها – ستبقى تبدو لي الأفضل طوال ما تبقى من حياتي – والقصة هي الآتية: صياد يعد جارته بأن يهدي إليها أول سمكة يصطادها إذا قدمت له قطعة رصاص من اجل شبكته. وعندما تشق المرأة السمكة لكي تقليها تجد في داخلها ماسة بحجم حبة لوز”، وربما يعود إعجاب ماركيز بهذه القصة إلى أن حياته كانت سلسلة من المصادفات والحوادث المفاجئة التي مهدت له السبيل ليكون كاتباً كبيراً وهو ما يعادل الكنوز الثمينة.

يمكن اعتبار الكتاب في جانب منه وثيقة تاريخية عن كولومبيا، بلد الكاتب، وهي تعيش أصداء الحرب العالمية الأولى والثانية والصراع على السلطة بين الجمهوريين والليبراليين والمزاج الاجتماعي الذي كان سائداً وحروب القارة اللاتينية في النصف الأول من القرن العشرين والكثير من العادات والتقاليد والأخلاقيات التي يمكن اعتبار عائلة الكاتب النموذج الأمثل لذلك فهو يتحدث عن الغراميات الممنوعة بين والده عامل التلغراف وبين والدته التي تحدت إرادة أبويها لتتزوج ممن اختاره قلبها على رغم فقره وأثمر الزواج سبعة ذكور أكبرهم ماركيز وأربع إناث، وقد تناول حكاية هذا الحب كما سمعها من والديه في روايته الأولى “الأوراق الذابلة” وفي ما بعد في رواية اكثر نضجاً هي “الحب في زمن الكوليرا” ويتناول الكاتب حياة الأسرة الكبيرة في اراكاتاكا. ويتحدث عن عمله في الصحافة في الهيرالدو وكرونيكا وعن أصدقائه في تلك المرحلة المبكرة من شبابه حـيث كـان وليم فوكنر “أحد شياطينه الأوفياء” ورواية “نور في آب” من الـكتب المفضلة لديه مستخـلصاً منذ ذاك الحـكمة التي لا نعلم كـيف يسـتطيع المرء التوصل إليها من دون الوقوع في الخطأ، فحكمته تقول: “يجب أن نقرأ فقط الكتب التي تجبرنا على أن نعيد قراءتها” ولعله سعى في كل ما كتب لأن تكون كتبه خاضعة لهذه الحكمة.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث