الشيخ الطنطاوي.. جسر بين العرب والروس

الشيخ الطنطاوي.. جسر بين العرب والروس
المصدر: إرم- (خاص) من إميل أمين

يقدم المستشرق الروسي الكبير إغناطيوس كراتشكوفسكي، من خلال كتابه “حياة الشيخ محمد عياد الطنطاوي”، حلقة في سلسلة اهتمام الروس بالثقافة العربية الإسلامية.

ويروي الكتاب -الذي ترجمته للعربية الفلسطينية كلثوم عودة- سيرة الشيخ الطنطاوي، أحد أعلام النهضة الفكرية في مصر والعالم العربي في القرن التاسع عشر، وأحد علماء الأزهر الشريف “1810-1861” الذي سافر ليدرس اللغة العربية بجامعة بطرسبورج الروسية، ليقضي بها بقية حياته، ويتخرج على يديه العديد من نوابه المستشرقين الروس.

ويلفت الكتاب إلى أن الروس بدأ اهتمامهم بالثقافة العربية الإسلامية، من خلال التجارة بين روسيا وبين الأقطار العربية والإسلامية، خاصة في العصر العباسي الأول.

الاستشراق

وبعد أن أخذ الغرب الاستشراق مأخذاً علمياً ونظمت فرنسا بعثة فتيان اللغات عام 1699م، وأنشأت النمسا مدرسة لتعليم السفراء والتجار اللغة الشرقية ومنها العربية عام 1753، أرسل بطرس الأول من روسيا خمسة من طلاب موسكو يتعلمون اللغات الشرقية في الشرق ذاته، وأتبعت الإمبراطورة كاترين الثانية منهجه، فأمرت بتعليم عدد من الأفراد اللغة العربية عام 1769 وإعدادهم للقيام بالترجمة بعد ذلك، و بدأ عدد من المستشرقين تدريس اللغة العربية في موسكو.

بيد أن نشاط هؤلاء المستشرقين وأثر الذين وفدوا إلى الشرق وكتبوا عنه ظل قليلاً ٍلأسباب سياسية، على الرغم من أن كاترين الثانية طبعت القرآن الكريم على نفقتها الخاصة، ما أحدث ضجة في كل أوروبا كما يذكر الأستاذ نجيب العقيقي وغيره من المؤرخين.

ولعل الشيخ الطنطاوي -وهو أحد أصحاب العمائم- من قلة بين العلماء اشتركت أبحاث أمتين في التأريخ لحياته، وهي طبيعة فرضتها على البحث ظروف حياته، تلك التي بدأت في مصر حيث ولد ونشأ وتعلم وتخرج من الأزهر الشريف ومارس مهنة التدريس فيه بعض سنوات ،خلالها جدد في تناول مناهجه.

رحلة الطنطاوي إلى روسيا

و كانت رحلته إلى روسيا ليقضي في عاصمتها بطرسبورغ وقتئذ ما يقرب من ربع القرن، خلاله أتقن الروسية واستطاع أن يصل في مهنة التدريس إلى درجة الأستاذية لكرسي اللغة العربية بجامعة بطرسبرغ، حيث تلقى العلم على يديه مئات من الأجانب- ليسوا من الروس وحدهم وإنما من أبناء الشمال الأوروبي.

ويبقى على هذا الحال أستاذاً ومرجعاً للحضارة الإسلامية حتى يدركه الموت ويدفن هناك، ويبقى قبره في قرية فولكوفا شاهداً ودليلاً على أن الثقافة العربية الإسلامية الأصيلة مطلب حيوي، تشترك في الطموح إليه أمم الشرق والغرب.

في العام 1840 وجه قيصر روسيا الدعوة رسمياً للشيخ الطنطاوي ليقوم بمهمة تعليم اللغة العربية وآدابها في روسيا، أعقبها موافقة من الوالي محمد علي الذي دعاه لمقابلته وحثه على دراسة اللغة الروسية وإتقانها ووعده بعطفه وعنايته إذا أجاد في رحلته.

تبدأ الرحلة من القاهرة إلى بطرسبورغ التي يصل إليها بعد ثلاثة أشهر ونصف الشهر يصاحبه فيها تلميذه “موخين” الذي يتولى تعليمه الروسية في هذه الفترة التي طالت في الحجر الصحي أو في زيارات للمدن الآسيوية التي في الطريق.

كراتشكوفسكي يكشف عن المخطوطات المجهولة

يقدم صاحب الكتاب الروسي في هذا العمل ثبتا علميا،ً فيه يسجل عدداً من المخطوطات المجهولة للشيخ الطنطاوي، متوقفاً بالشرح عند بعضها حيناً أو منبهاً إلى قيمة البعض الآخر حيناً، كأن ينبه إلى قيمة مخطوطة “تحفة الأذكياء بأخبار روسيا ” ككتاب يهتم بأدب الرحلات.

فكما أثرت باريس في الطهطاوي فكتب عنه كتابه “تخليص الإبريز” أو كما أثرت لندن في الشدياق فكتب كتابه “كشف المخبأ في فنون أوروبا”، كتب الطنطاوي هذا الكتاب وله نسختان مخطوطتان إحداهما في إسطنبول والأخرى في ليننجراد وفيه وصف صاف ودقيق لرحلته من مصر إلى روسيا … ووصف لحياة الروس وتاريخهم، وفيه وصف المعيشة في بطرسبورغ كمدينة في نصف القرن التاسع عشر.

لم يكن الشيخ الطنطاوي وحيداً في غربته، وإنما كانت تصحبه زوجته المصرية التي توفيت قبله وتركت له ولدهما الوحيد أحمد، الذي إليه آل معاش والده الذي قررته بسخاء جامعة بطرسبورغ، و عاش هذا الابن بعد فقدان والديه في روسيا وتزوج منها، وأنجب بنتاً اعتبرتها الحكومة الروسية من الأشراف في المجتمع، تقديراً لعلم وفضل جدها الشيخ الطنطاوي.

يطرح هذا الكتاب علامة استفهام مهمة آخر الأمر، هل حان وقت البحث في جذور العلاقات العربية الشرقية بعد أن ولى العرب وجوههم شطر الغرب طويلاً طويلاً ؟.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث