المريض النفسي .. هل ظلمته السينما ؟

المريض النفسي .. هل ظلمته السينما ؟
المصدر: القاهرة- (خاص) من سعاد محفوظ

مازالت صورة المريض النفسي التي تناولتها السينما العربية تحمل قدراً كبيراً من السذاجة والسطحية والمغالطات لندرة التخصص وغياب الفهم،حيث عمدت معظم الأعمال إلى الخلط بين المريض النفسي والعقلي، واكتفت بتقديم كل منهما على أنه مجنون يظهر بصورة مشوهة تدعو للسخرية بهدف الإضحاك.

وأدى ذلك إلى إحجام المرضى عن طلب المساعدة والعلاج، أو حتى مجرد الإفصاح عما ينتابهم خوفاً من التهكم عليهم أو السخرية منهم، وحتى لا نظلم كل الأفلام السينمائية ، نشير إلى المحاولات الجادة – رغم قلتها – لتقديم الصورة الصحيحة للمريض النفسي بالاستعانة بالمتخصصين للاستفادة بآرائهم العلمية حول طبيعة هذا المرض.

الفنان الراحل محمد توفيق يعتبر من رواد فن التمثيل في العالم العربي أشهر من قدم الصورة الصحيحة للمريض النفسي في تاريخ السينما وأجادها بشكل مميز، وأهم هذه الشخصيات التي قدمها كانت شخصية “ابن صبيحة” في فيلم “حسن ونعيمة” للمخرج بركات، ويرجع ذلك إلى دراسته لفن التمثيل الصامت في أوروبا، وكذلك تفانيه في دراسة الشخصيات التي قدمها بالرجوع للأطباء المتخصصين.

الفخراني: دراسة الطب ساعدتني في رسم شخصية المريض

أما الفنان يحيى الفخراني فقدم أكثر من عمل فني تناول شخصية للمريض النفسي، وقد نجح في تجسيد معظم هذه الأدوار، وعن سبب ذلك يقول: ساعدتني دراستي للطب في رسم هذه الشخصيات بشكل جيد، وكان منها على سبيل المثال شخصية “عاطف” في مسلسل “وأدرك شهريار الصباح”، والتي رسمها الكاتب أسامة أنور عكاشة، عندما كانت خطته للزواج من بطلة المسلسل المضربة عن الزواج هي إقناعها بأنه مريض نفسي، ويعاني عقدة من المرأة، أما في مسرحية “سعدون المجنون” والتي كتبها لينين الرملي فقد جسدت شخصية مريض نفسي دفعته نكسة يونيو إلى فقدان الذاكرة، وتم وضعه في مستشفى الأمراض العقلية، وكانت المسرحية تجسيداً حياً لمعاناة هذا المريض عند خروجه من المستشفى بعد ربع قرن من الزمان قضاه داخل أسوارها.

ويضيف : قد نتفق أونختلف على الشكل الذي قدمته السينما للمريض النفسي، فهناك تجارب جيدة ناقشت هذه القضية، وهناك من تعامل معها بمنطق الاستسهال، ويبقى هذا هو الحد الفاصل بين الفن الجيد والرديء، ليس فقط في صورة المريض النفسي ولكن في كل الشخصيات التي تقدمها السينما والدراما.

محيي إسماعيل: تجسيد شخصية المريض يتطلب خطوات مدروسة

أما الفنان محيي إسماعيل أشهر من قدم شخصية المريض النفسي في تاريخ السينما العربية، من خلال فيلم “الأخوة الأعداء” للمخرج حسام الدين مصطفى، حيث جسد دور مريض بالصرع، فيقول عن سر هذا النجاح: هناك خطوات مدروسة أقوم بها لتجسيد الشخصية أولاً دراسة الدور بشكل جيد والبحث عن مفاتيح فعملية التجسيد قائمة على نظريات في التمثيل، أيضاً التخيل الصحيح للشخصية والخبرة في تخيل الدور وفهم أسسه وتتبع حالة المريض وسلوكه إنها عملية قائمة على الدراسة.

وينفي محيي إسماعيل تهمة تشويه السينما لصورة المريض النفسي قائلاً: بالعكس منذ أن قدمت هذه النوعية في العديد من أعمالي الفنية يقوم إخصائيون بعرضها على طلبة كليات الطب كنموذج للمرض النفسي، ومن هذه الأدوار أفلام “الأخوة الأعداء” و “حلاوة روح” و “ريال فضة”، وقد بذلت جهداً خارقاً لتقديمها بالصورة الصحيحة والسليمة.

مخيون: الجأ إلى صديقي الطبيب لرسم ملامح الشخصية

أيضاً من الذين أجادوا تقديم شخصية المريض النفسي الفنان عبدالعزيز مخيون الذي يقول: عندما يعرض علي شخصية تعاني من مرض نفسي أتجه إلى صديق هو طبيب متخصص لندرس معاً طبيعة المرض الذي تعانيه الشخصية، وأهم ردود أفعاله ونرسم ملامحه كاملة بعدها أدرس طبيعة الشخصية في إطار العمل، وأحدد الجوانب النفسية التي يمكن أن تتعرض لها، كذلك خبرتي الشخصية من خلال عشقي لرصد النماذج الاجتماعية المختلفة التي ألتقي بها في حياتي ، حيث أستحضر بعض هذه النماذخ ثم يكون التقمص هو العملية الأخيرة التي تذوب فيها شخصيتي مع الشخصية التي أجسدها.

ويضيف مخيون: لعل أهم الأدوار التي جسدت فيها صورة المريض النفسي هي شخصية “عادل” في مسلسل “سفر الأحلام” للمؤلف وحيد حامد والمخرج سمير سيف، والذي كان يعاني من حالة اكتئاب حادة جعلته يهرب من حياته ويخرج على النسق الاجتماعي ويهمل نفسه وأسرته، وهو نموذج متوفر بكثير، حيث تلمحه في الشارع أو على المقهى .

الجمل: أفلام إسماعيل ياسين من أسوأ ما قُدّم عن المرض

وفي رأي الناقد الفني سمير الجمل أن شخصية المريض النفسي من أكثر النماذج ثراءا من الناحية الدارمية، لهذا فإن السينما قد تناولتها بأكثر من صورة، وتشير الدراسات السينمائية إلى أن مرض فقدان الذاكرة، كان من أكثر الأمراض النفسية التي تعرضت لها السينما العربية منذ فجر تاريخها، وكان المرض الأكثر شيوعاً في معظم أفلام السينما المصرية في فترتي الثلاثينات والأربعينات، وكان يقدم بصورة ساذجة في معظم الأحيان.

ويضيف الجمل : ولعل سلسلة أفلام “إسماعيل ياسين” كانت من أسوأ ما قدم عن المرض النفسي والعقلي، حيث استغل المرض من أجل الإضحاك بصورة كوميدية بحتة بعيداً عن القيمة الفنية، ورغم نجاح هذه الأفلام إلا أنها شوهت الصورة الذهينة عن المرضى النفسيين، وخاصة عند الأطفال الذين يعشقون “إسماعيل ياسين” الذي لازالت أفلامه تجد رواجاً كبيراً حتى الآن، ويجب أن نشير إلى أعمال هامة في الفترة نفسها ؛ منها فيلم “المنزل رقم 13″، والذي أخرجه كمال الشيخ ولعب بطولته عماد حمدي وفاتن حمامة، والذي ناقش المرض النفسي والعلاقة بين الطبيب ومريضه بصورة غير مسبوقة في السينما.

صورة المريض السينمائية تقلل من شأن الأطباء

أما عن رأي أطباء علم النفس في صورة المريض السينمائية يقول د.فاروق لطيف أستاذ الطب النفسي بجامعة عين شمس: إن كثيراً من الأعمال الدرامية تعالج شخصية المريض النفسي بطريقة تهكمية فيها تشويه للشخصية نفسها وتقليل من شأن الأطباء في معالجة المرض فالصور تنقصها الدقة العلمية في أحيان كثيرة، حيث إن كل الأعمال الدرامية تأخذ بالظاهر دون العمق فلا نجد من يسأل أو يقرأ عن حالة المريض النفسي ونادراً ما يُطلب من متخصص الإشراف على العمل، كما أن المخرج لا يجهد نفسه في الدراسة والبحث ليخرج العمل حقيقياً يستند إلى معلومات علمية.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث