النص ولغزه .. بين المبدع والقارئ

النص ولغزه .. بين المبدع والقارئ
المصدر: القاهرة-(خاص) من حازم خالد

يفرض النص الإبداعي بألغازه المتعددة والغامضة حالة حوار معقد وشائك بين الكاتب والقارئ، ويبذل القارئ مجهوداُ شاقاً في تشكيل رؤية تخيلية وتحليلية يضع النص في إطارها في محاولة لتفكيك معاني النص، وكلما رتب القارئ أفكاره باتباع مسارات الأحداث التي يفجرها النص بجمالياته، غير أن تلك المسارات ما هي إلا مصيدة الإقناع التي يسحبه إليها الكاتب بعد أن يهيمن عليه ويستدرجه إليها.

يطرح الناقد المغربى الدكتور رشيد يحياوي، وهو صاحب منهج خاص في النقد التطبيقي رؤيته في تبسيط المصطلح من خلال كتابه الجديد “النص ولغزه” الذي صدر أخيرا عن وكالة الصحافة العربية بالقاهرة.

حيث يقول يحياوي : في ألغازه يكون النص، وكل نص إبداعي واقعة تشابكت خيوطها، وأهم مقومات اللغز هي التحدي باختبار فطنة القارئ، والنص ليس من مقوماته التحدي فحسب، بل أيضاً التلاعب بفطنة القارئ يجعله فريسة لتغيير آرائه، بأن يستدرجه لمصيدة الإقناع أو دغدغة أوتاره النفسية وتوليد معان متموجة، فما بين اطمئنان للإمساك بدلالة النص وإقرار بفشل إمساكها، تمضي لعبة النص.

ويقسم المؤلف الكتاب إلى قسمين، الأول: خاصة بمسائل في المفاهيم، والآخر يتعلق بمسائل في قراءة النص.

ويرى، أن نظرية الأنواع الأدبية، تسعى للإجابة عن الأسئلة المرتبطة بتجولاتها، والعلاقات التي تربطها ببعضها في تعددها. ولهذا السبب كان موضوع نظرية الأنواع شائكاً، لأنه يفترض من المقارنة والاستعانة بمختلف المناهج، فعند النقاد العرب مثلاً يتضح مدى الإلغاز التي تتسم بالنوع الأدبي سواء من جهة المصطلح والمفهوم أو من جهة تحليل وتصنيف المنجزات الإبداعية، فالأدب عند د.محمد مندور ينقسم إلى قطبين كبيرين؛ هما الشعري والنثري، وهما ينقسمان إلى أنواع.. فأنواع الشعر أربعة هم: الغنائي والملحمي والدرامي والتعليمي، والمسرحي عنده يوجد بين هذين القطبين.

أما د.عز الدين إسماعيل فهو أكثر ميلاً إلى مبدأ التصنيف، حيث يضع لذلك جداول كاملة بما تتفرع إليه الأنواع من أنواع أو فروع جديدة، وينقسم الشعر عنده إلى ثلاثة أقسام: قصصي و وغنائي ومسرحي، يجمع بين الاثنين ويعطي القصص: الملحمي والقصصي الشعبي ، ويعطي الغنائي: الأغنية والأود والمرئية والسوفيت، والملحمي نفسه يعطي التاريخي والأدبي. ويوجد في الشعر، نوع يراه عز الدين إسماعيل جديداً هو “القصة الطويلة”.

ويقول المؤلف: إن قضية المصطلح قضية لغوية في المقام الأول والعلم الجدير بدراستها هو علم المصطلح، لأنه كفيل بتوليد واشتقاق المصطلحات وضبطها.

وإن المصطلح ليس هو الكلمة أو الدليل اللغوي مجرداً. فهو لفظ يشحن شحناً خاصاً، بحيث يحيل إلى مفهوم فكري واسع أو مفاهيم.

ويتحدث عن كتاب نذير جعفر “رواية القارئ”، حيث يوحي عنوان الكتاب بأن فصوله ستخصص لبناء محافل نظرية حول موضوع مقترح هو “رواية القارئ”، أي عرض مفاهيم ترصد حدود وتفاصيل نوع روائي يجسد العنوان، ويتبين في مقدمة الكتاب أن الرواية المذكورة في العنوان ليست رواية واحدة، بل روايات متعددة لروائيين مختلفي الأقطار هم: “نجيب محفوظ” و”هاني الراهب” و”وليد إخلاص” و”حيدر حيدر” و”عبد القادر عقيل” و”عبد الإله عبد القادر”، غير أن هذه الروايات منسوبة لقارئ واحد، تم تقديمه بصيغة التعريف لا التنكير، وكأن القارئ معروف عند المتلقي محدود الملامح.

إن نذير جعفر يستمد في قراءته ركائز من السرديات البنيوية، خاصة الفرنسية منها، كما طوّرها “جينيت وتودوروف”، حتى إن بعض فصول الكتاب تنقسم إلى محاور يختص كل واحد منها بظاهرة من الظواهر الروائية، كما قاربتها السرديات المذكورة.

غير أن اهتمام المؤلف بالبنية السردية ، لم ينس البنية اللغوية للأثر الروائي، ومن المعروف أن المظهر الأسلوبي في الرواية العربية مازال يفتقر للبحث والتلقي النقدي في فقدنا المعاصر. والأعمال المنشورة في اللغة العربية حول هذا الموضوع تعد على رؤوس الأصابع.

كيف يمكن للتاريخ أن يكتب بمتخيل المرأة ؟ هذا التساؤل يطرحه المؤلف في القسم الثاني من الكتاب، الذي يؤسس لرؤية نقدية تجيب عليه رواية “جارات أبي موسى” ، منذ ظهورها في صيف عام 1997، تركت هذه الرواية أصداء مختلفة في المشهد الثقافي المغربي.

يقول يحياوي : إذا كان بالإمكان أن تضيف هذه الرواية ضمن نوع “الرواية التاريخية”، فإن أول مفارقة تاريخية في هذه الرواية، هي أن التاريخ فيها لا يصنعه الرجل، بل تصنعه المرأة، وفي ذلك مخالفة لما دُوٍّن رسمياً عن التاريخ العربي، حيث يتصدر الرجال القائمون بالتحولات الكبرى، وهذا لا يعني أن الرواية لا توظف الشخصيات الرجالية، بل إن المرأة تقدم في الرواية في صورة سلبية، أي خاضعة لسلطة الرجل، غير أنه في مقابل هذه الصورة، نجد الكاتب يعطي للمرأة حضوراً بارزاً في نسيج الرواية على مستوى خطابها السردي، حين تتقهقر سلطة الرجل على المرأة في خطاب الرواية التخيلي، تتصدر المرأة ممثلة في الجارات، العنوان لتشد القارئ نحو الشخصيات النسائية بالتحديد، أما شخصية “أبي موسى” وهو زاهد درويش منبوذ من المجتمع، فلا تتحدد من خلال المركب الإسمي للعنوان، سوى من خلال الجارات.

إن الصورة التي تقدمها هذه الرواية عن المرأة سلبية عموماً، فهي صاحبة غواية ولعنة ومصدر أزمات، إن كان باختيارها أو بما يتسبب فيه جمالها، المرأة تابعة لسلطان الرجل يبيعها ويشتريها كأي سلعة، ومكانتها في المجتمع هامشية غير أن هذه الرواية وفي مقابل صورتها السلبية عن المرأة، فإنها على مستوى خطابها الروائي وآلياته السردية تعطي للمرأة دوراً أساسياً، بدءاً من تصوير الرواية بعنوان تتقدمه المرأة، إلى ربطها بأهم المسارات السردية فيها.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث