عن “أخلاقي سر نجاحي” وفضائل أخرى

وتكفي جولة سريعة على بلدان الربيع العربي قبل غيرها ليدرك المرء الخطر المحدق بالحريات الفردية

عن “أخلاقي سر نجاحي” وفضائل أخرى

بيسان الشيخ

لافت ذلك الاهتمام العربي المفاجئ بالجسد والعري والفضيلة والأخلاق وسط كل ما يجري من ثورات استحالت حروباً أهلية. فالمجموعات التي تسخر الاجساد المدماة والاشلاء والجثث وتستعرضها على الشاشات لتستدر مواقف سياسية, هي نفسها التي تسعى بخطى حثيثة لمنع أي تفلت من عقالها في الحيز الاجتماعي- الثقافي. فيكفي أن نعبر سريعاً على بلدان الثورات العربية ليستوقفنا جهد فعلي مبذول في قمع أي اختلاف في المظهر أو الخيارات الفردية متسلحاً بسلطة الدين والاخلاق.

وتكفي جولة سريعة على بلدان الربيع العربي قبل غيرها ليدرك المرء الخطر المحدق بالحريات الفردية. فهذه مجتمعات وشعوب ثارت على أنظمة خطفت قرارها واختزلته بالطبقة الحاكمة والحاشية المقربة منها, فإذا بها تواجه الآن معضلة استئثار مجموعات دينية بالقرار, وتفرضه حتى في تفاصيل الحياة اليومية.

وكما عمدت الانظمة البعثية سابقاً الى تطبيق معايير لباس وسلوك وذوق عام على مواطنيها, تأتي اليوم الاحزاب الدينية لتقوم بالمثل. فهذه تونس تعلو فيها أصوات تطالب بوضع كاميرات مراقبة للتربص بمن لا يصوم شهر رمضان, وانزال العقوبة فيه بالتوازي مع حملات “لنشر الفضيلة” تملأ الفضاءات العامة والجامعات والمدارس. علماً إن الشرطي الذي اغتصب شابة في مطلع الثورة أفرج عنه بعد أشهر قليلة بذريعة إنها هي من أغوته.

وتلك مصر التي تكابد مخاضات ما بعد الثورة من اقتصاد يكاد يهوي لولا المساعدات الدولية, وبطالة مستفحلة وأزمة حكم حقيقية, وجدت نفسها أمام مطلب يقضي بمنع الباليه بصفته فن العري. وبغض النظر عن أن الباليه كما الاوبرا التي شهدت موجة تشهير أيضاً, فن نخبوي غير جماهيري يقتصر رواده والمنتمون اليه الى طبقة اجتماعية معينة, إلا ان مصر في نهاية الامر هي البلد الذي يشهد أعلى نسب تحرش بالنساء. وللعلم فإن التحرش هذا لا يقترفه ابناء الفئات الشعبية فحسب, وإنما وزراء ونواب ووجوه من الطبقة السياسية الحالية!

وبالتزامن مع ذلك أطلقت حركة “حماس” في قطاع غزة حملة “اخلاقي سر نجاحي” التي منحت نفسها بموجبها صلاحيات ملاحقة الشباب الذين يعتمدون قصات شعر “سبايكي” ويرتدون السراويل الساحلة. وبهذا, بات يحق لأي “حمساوي” ايقاف شاب في الشارع وتعريضه لحلاقة قصرية وتمزيق ثياب لاجباره على تبديلها وتوقيع تعهد لدى مركز الشرطة بعدم اعتماد “المظهر الغربي” بحجة الحفاظ على الاخلاق ونشر الفضيلة.

هل نترحم إذا على زمن ما قبل الثورات في مصر وتونس وربما لاحقاً في سورية, ونرفض الديموقراطية التي جاءت بحركة “حماس” إلى الحكم؟ طبعاً ليس استعراض تلك الأمثلة من هذا القبيل, لكن الخوف من الاختلاف, وقمع أي خيار فردي مغاير لخيارات السلطة في ما تراه صواباً هو من سمات الأنظمة الشمولية التي تعامل مواطنيها كأطفال دائمين لم ولن يبلغوا سن الرشد. وهذا ما تبشرنا به هذه النماذج.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث